الموقف الشجاع لعلماء الدين ومواجهة التحديات الخارجية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2016/01/05
القراءات: 538

لماذا المسلمون اليوم اصبحوا في القاع بينما كانوا في يوم من الايام في القمة؟

ولماذا نجد الصراعات الطائفية والعرقية والاثنية في بلادنا، اضافة الى ما لديهم من تخلف ودكتاتورية وظلم؟

ولماذا كل ما يتعرض له الابرياء من هجمات وجرائم على يد زمر الارهاب والتكفير في سوريا والعراق واليمن وبلاد اخرى، ومنها ما جرى مؤخراً في نيجيريا وفي باكستان من قتل للأبرياء لا لشيء إلاّ لكونهم شيعة، ومع حالة النزيف الذي تمر به الأمة، لكن دون شعور بالألم؟!

 

 عندما يتخلّى العلماء عن دورهم

هناك سبب يتعلق بالظروف التي تمر بها الأمة، وآخر يتعلق بما تمر به بلداننا وأمتنا بشكل عام من أوضاع؛ فالسبب الاول: انه بعدما استيقظ المسلمون - او قسم منهم- وبدأوا يطالبون بحقوقهم، سارع الاعداء وخططوا لإسكاتهم واستعادة سيطرتهم عليهم، من خلال الجماعات الارهابية والتكفيرية، التي عملوا على زرع بذرتها وتنميتها منذ سنوات، مع ذلك يبقى هذا السبب طارئاً، وليس السبب الحقيقي والجدّي لما آلت اليه اوضاع الأمة.

أما السبب الحقيقي والرئيسي لحال المسلمين السيئ، فهو تخلي العلماء عن دورهم ومسؤوليتهم، وتحولهم الى أتباع للحكام، وهذا الامر شخّصه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بكلمة واضحة، هي من خلاصة القرآن الكريم، حين قال في الحديث المأثور: "إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فنعم العلماء ونعم الملوك".

إن القضية؛ مَن يقود مَن في الأمة؟ هل الحكمة والاخلاق والقرآن والتاريخ المشرف في حياة الامة و العلم والقيم الرسالية هي التي تحكم؟ أم مجموعة أناس يحكمون البلدان الاسلامية، ويتحكمون بمصائرها لأنهم يملكون القوة والاعلام والمال، والمزيد من الخيانة فيبيعون بلادهم بأبخس الأثمان؟

 

 أعظم وثيقة تاريخية

الامام الحسين، عليه السلام، بيّن و أوضح هذه الحقيقة في رسالة وخطاب وجهه للعلماء قبل سنة من شهادته، و في آخر ما أرسله الى معاوية، وهو ما يجب عدّه من أعظم الوثائق التاريخية التي تبيّن دوافع النهضة الحسينية، وفيه يبين، عليه السلام، مسؤولية العلماء، وكيف أنهم يتحملون مسؤولية الاوضاع المتردية في الأمة، عندما لم يقوموا بدورهم في قيادة و ارشاد الامة، وتوانوا وتراجعوا و باعوا دينهم بدنيا غيرهم.

جاء في جانب من كلمته، عليه السلام: "...ثم أنتم، أيها العصابة، بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، و باللّه فى أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، و يؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون فى الحوائج إذا امتنعت من طلابها، وتمشون فى الطريق بهيئة الملوك وكرامة الأكابر، أليس كل ذلك انما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق اللّه، وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصرون، فاستخففتم بحق الأمة، فأما حق الضعفاء فضيعتم، وأما حقكم بزعمكم طلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها فى ذات اللّه، أنتم تتمنون على اللّه جنته ومجاورة رسله وأماناً من عذابه، لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على اللّه أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومن يعرف باللّه لا تكرمون، وأنتم فى عباده تكرمون وقد ترون عهود الله منقوضة، فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وما أمركم اللّه به من النهي والتناهي أنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون، ذلك بأن مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سلبتم ذلك إلا لتفرقكم عن الحق واختلافكم فى السنة بعد البينة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحملتم المؤونة فى ذات الله، كانت أمور اللّه عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم و أسلمتم، أمور الله فى أيديهم.

سلطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هى مفارقتكم. يتقلبون فى الملك بآرائهم ويستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداء بالاشرار وجرأة على الجبار، فى كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خولاً لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد، وذي سطوة على الضعيف، شديد مطاع، لا يعرف المُبدئ المعيد".

 

 البحث عن العالم صاحب الموقف

إذن؛ السؤال هنا؛ أين مكمن الضعف عند مؤسسة العلم والعلماء في الدين؟ ولماذا وصل بهم الأمر لهذا الحال، حتى يكونوا على ابواب الملوك والحكام؟ وكيف يمكن ان يعودوا لدورهم الحقيقي ويوجهوا ويضبطوا الحكام؟

بالنسبة لنا، كموالين و اتباع مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، فلدينا تاريخ مشرف، فعلماؤنا تمسكوا باستقلالهم وقيادتهم للساحة وعدم السماح لأنفسهم بالذوبان في التيار العام، وعدم الاعتراف بسلطة ظالم حتى لو ادى هذا الموقف لاستشهادهم او اعتقالهم وتعذيبهم. فشعارهم، ولغاية الآن، كان وسيبقى: "اللهم أحيني حياة محمد وآل محمد، وأمتني ممات محمد وآل محمد".

وبفضل هذه الثقافة وهذه الروح المستعدة للشهادة كان ولايزال علماء مدرسة اهل البيت، عليهم السلام، يتمتعون بالاستقلال وعدم التبعية للحكام، وحتى من لم يستشهد منهم، فسلوكه ومواقفه و أمنيته هي الشهادة، وهذا الاستعداد للشهادة، يُعد مفخرة وشجاعة وحصناً للاسلام.

وهنا نشير ايضا وفي هذا السياق، الى ما جرى على علماء و اتباع اهل البيت، عليهم السلام، في نيجيريا، وتحديداً لسماحة الشيخ ابراهيم الزكزكي.

ينبغي علينا ان نواصل هذا الخط، ولا تغرنا المناصب والضغوط والمغريات، ولا تخيفنا التهديدات والانتقادات والاشاعات وحملات التشويه. يجب أن نعرف صفة العلم ودور العلماء بالمحافظة على الاسلام وأخلاق الأمة وقيمها، وليس التصفيق وحب الشهرة والاعلام. كما يجب علينا ولاسيما باقي ابناء الامة وعلمائها ان نعرف قيمة العلم، ودور العالم حين يكون مستقلاً وكيف أن موقفاً و كلمة منه قد تغير التاريخ وهو جالس في بيته، أو كان في قرية نائية، وهو ما ثبت لعلمائنا الاجلاء بالتجربة والدليل، وفي تأريخنا البعيد والقريب. وكمسلمين ومؤمنين يجب أن نبحث ونتبع علماء يتخذون الموقف الشجاع، و يقولون كلمتهم لله تعالى ولا يخشون أحداً إلا الله، عندها تكون هذه الكلمة فيها الفائدة والعلاج لأوضاع وأحوال الأمة.

على علماء الدين أن يستثمروا كل فرصة متاحة لخدمة الاسلام وبسط حاكمية الدين الصحيح، فثمة فرص كثيرة جداً في العالم، ووسائل ابلاغ الرسالة والكلمة والموقف الحق، من الانترنت وتكنولوجيا الاتصالات، وانتشار المراكز العلمية والثقافية. من جهة أخرى فان الحكام اليوم، أضعف من أي وقت آخر، والعالم اليوم أشبه بقرية كونية واحدة، فيجب أن لا يقتصر العالِم على مسجده ومن يصلي خلفه، إنما يكون ملمّاً ومطلعاً ومواكباً للعصر وما يجري في العالم. هكذا ننمي ونطور ونقوي الحوزة العلمية لتكون قوية ومؤثرة اكثر، حتى يمكنها أن تأمر وتغير الواقع. فحينما يفكر العلماء ويخططون ويعملون على تقوية البنية الاساسية للأمة، لن يجرأ الحكام على فعل شيء، والامثلة كثيرة، ونحن نريد تعميق هذه الامثلة و توسيعها في بلاد الولاية لأهل البيت، عليهم السلام، لتعم ايضاً باقي الأمة.

ومن الامثلة القريبة؛ الموقف السريع والقاطع لعلماء الدين إزاء التوغل العسكري التركي في الاراضي العراقية، وحين جاءوا مؤخراً بخيلهم ورجلهم، وبدباباتهم، وتمركزا في منطقة "بعشيقة" بمحافظة نينوى، ثم تعنتوا وقالوا: لا نخرج...!بيد أن موقف علماء الدين كان شديداً عندما طالبوا بخروج هذه القوات، و قالوا بوضوح أن هذا احتلال ولا نقبل به.

 

 "الجهاد الكفائي" ليس كل شيء

الى من يهمه الأمر؛ فان العلماء المراجع والفقهاء، لا يزالون في إطار الواجب الكفائي، وضمن هذا الاطار نلاحظ تاثير ودور العلماء والمراجع القيادي في مجتمعنا الموالي. وعلى كل من يحاول المساس ببلدنا وشعبنا أن يعرف؛ أن علماءنا وبكل حكمة يعرفون كيف ومتى يطلقون موقفهم وكلمتهم الحاسمة، فهم حتى الآن لم يأمروا بعد سوى بـ"الواجب الكفائي" فعلماؤنا لم يستنفدوا كل سهامهم، فلا تعتقدوا أن الجهاد الكفائي هو آخر ما في جعبتنا. و على من يتربصون ببلدنا وشعبنا أن يعوا أننا حين تحين الساعة ونرى الخطر محدقاً ببلدنا العراق، وبالبلاد الاسلامية، وليس من وسيلة لدفعه ومنعه فإنه يمكن للعلماء والفقهاء أن يتخذوا موقفهم القاطع والحاسم بواجب الجهاد العيني او النفير العام.

من هنا؛ فإن علاج الامة الاسلامية بالعودة لما أمر به الدين، وهو قيادة العلماء بالله. ومن هنا ايضا أدعو مشيخة الازهر، وأقول لشيخ الأزهر: لا تجلس وتتخلّى عن مسؤوليتك ليأتوك مستأجرين من السعودية او غيرها فتندفع وتتكلم ضد اخوانك الشيعة وضد الشعائر الحسينية، فاعرف قدرك ونفسك ومكانتك ومسؤوليتك، ولا تكن تابعا، فأنت لست برجل بسيط، ولك ولشعب مصر وللازهر مكانة وقوة تغنيك عن الوهابية والخضوع لها.


ارسل لصديق