الرسالة الإلهية وسيلة الإصلاح الاقتصادي
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2018/01/02
القراءات: 17

جاءت رسالة الله - تعالى- الى قوم نبي الله، شعيب، عليه السلام، لتنهاهم عن الفساد بعد الإصلاح، والتخلف بعد التقدم، والتدهور بعد النشاط، فانقسموا على أنفسهم فريقين؛ فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فاحتدم الصراع، وبدأ الكفار بمنع الناس عن الإيمان بالرسالة، عادّين ذلك خسارة، وانتهت قصتهم بعذاب أنزله الله عليهم في صورة «رجفة» قضت عليهم، وقد بين القرآن الكريم جانباً من تجربة هؤلاء القوم مع نبيهم، ومع رسالة السماء، في سورة الاعراف.

ويبدو أن أهل مدين كما أصحاب الحضارات السابقة كانت علاقتهم بالأشياء والأشخاص علاقة العطاء والتربية والإصلاح فبنوا تلك المدنية، ولكنهم بدلوا تلك العلاقة وأصبحت علاقتهم علاقة الإسراف والاستهلاك والإفساد فدُمرت حضارتهم.

 

تكرار المشاهد التاريخية

وتتكرر مشاهدة الانهيارات في الحضارات عبر التاريخ، حتى ليكاد المرء يتصور أنها جميعا مشهدٌ واحدٌ لا يتغير سوى الممثلين فيه، وإن كانت هناك اختلافات فإنما هي في المظاهر الخارجية للأحداث، فكل الجرائم والانحرافات التي يبتلى بها المجتمع تنشأ من عدم التسليم لله - عزّوجل - وعدم اتباع مناهجه كاملا، والشرك به عن طريق طاعة غيره من الطواغيت والأصنام الحجرية أو البشرية، أو التشبث بالقشور والأسماء التي لا يوجد وراءها شيء، لذلك تجد رسالات السماء تؤكد أولاً وقبل كل شيء على الوصية بعبادة الله، ففي قصص أقوام نوح وهود وصالح ولوط، عليهم السلام، في سورة الأعراف بدأ كل نبي حديثه مع قومه بهذه الكلمة: {اعْبُدُواْ اللَّه}.

وفي ذات السورة ايضا يقول ربنا تعالى:

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، (سورة هود: 85). ان عبادة الله لا تعني مجرد التسليم النفسي له، بل ويجب التعبير عن صدق هذا التسليم عمليا في صورة الكفر بالطاغوت والتمرد ضد أي حكم ظالم يتخذ من القوة أداة للسيطرة والقهر، وبالتالي التمرد ضد كل حكم غير شرعي.

إن أنبياء الله كانوا يهدفون تغيير النظام السياسي في المجتمع إلى نظام توحيدي يقوم على أساس حاكمية الله الحي القيوم، وضرورة رفض الآلهة التي تعبد من دون الله، والتسليم لحاكميته وعبادته سبحانه، ورفض أي نظام سياسي باطل لا يعني الفوضوية بل إقامة كيان سياسي صحيح مكانه، ذلك هو كيان التوحيد القائم على رسالة بيّنة ينتفع بها المجتمع، يؤمنون بها ويخضعون لها.

من هنا؛ وبعد تثبيت دعائم السلطة السياسية السليمة، أمر شعيب، عليه السلام، قومه بتصحيح مسيرة الاقتصاد، واستبداله من اقتصاد قائم على أساس الاستغلال والاستثمار، إلى اقتصاد قائم على أساس الوفاء بالحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه بالكامل، {فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}، (سورة الأعراف: 85). فحين يكون المجتمع رشيدا من الناحية الاقتصادية، لا ينهب ولا يغش، بل ولا يفحش في الربح أيضا، وهذا هو التطلع الأرفع الذي يجب أن يهدفه المصلحون في حقل الاقتصاد أن يرى كل طرف منفعته بمثل ما يرى منفعة الآخرين، وبعد النظام الاقتصادي، يأتي دور الإصلاح في مجمل سلوك البشرية تجاه الأشياء والأشخاص، ذلك الذي أكدت عليه رسالات السماء، حيث أمرت بضرورة إيجاد علاقة الإصلاح بين الناس والطبيعة، وبين الناس بعضهم مع بعض، فأضافه الى الانتفاع بالحياة، فان للمجتمع أهدافاً أخرى منها نذكر هدفين:

 

أولاً:

تفجير طاقات الطبيعة لمصلحة الإنسانية، وتنمية هذه الطاقات، وتطويرها إلى الأفضل، مثلاً: زراعة الأرض، وصناعة المعادن، وتعبيد الطرق، وبناء الجسور، وعمارة المدن، والمحافظة على البيئة بكل أبعادها، كالمحافظة على نقاء الهواء والطيور وأنواع الوحوش والدواب، وأنواع الأسماك، ومن ثم كل ما يصلح الأرض، ولا ما يفسدها.

 

ثانياً:

تنمية طاقات البشر ومواهبه، والمجتمع الراشد يسعى من أجل دفع المستوى الأخلاقي لأبنائه، وايضاً المستوى العلمي، ويربي المزيد من الكوادر المتقدمة في كافة الحقول، إنه مجتمع يربي القادة والمفكرين والمخترعين والأبطال، ولا يكتفي بذلك بل ويسعى من أجل تعميم الحضارة على كل المجتمعات القريبة فيما يخص أبناءه ومساعدتهم على التقدم والنمو، لذلك قال ربنا على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا، (سورة الأعراف: 56).

ويتساءل المرء؛ لماذا جاءت هذه الكلمة في صورة النهي، أو لم يكن الأفضل أن يقول ربنا سبحانه: وأصلحوا في الأرض؟

أعتقد أن هذه القصص بالذات تعكس وضع الحضارات في ظروف شيخوختها، وتنامي نقاط الضعف فيها، وأفول نجمها حيث إن الحضارة تنشأ وتتنامى فيها نقاط القوة، ولكن الغرور والإرهاب والاستكبار كل ذلك يبدل نقاط القوة فيها إلى نقاط ضعف حتى تقضي عليها، ورسالات السماء تسعى من أجل إيقاف تدهور الحضارات ودمار العمران بتوعية الناس بأسباب قوتهم السابقة، وعوامل الانقراض ومنها؛ بل ومن أبرزها: الفساد بعد الإصلاح، أي تحول تلك العلاقة الإنتاجية والعمرانية والإبداعية التي كانت حاكمة سابقا بين أبناء المجتمع بعضهم مع بعض، أو مع الطبيعة إلى علاقة استهلاك واستغلال وترف.

 

الهدم أم البناء والإصلاح؟

يزعم البعض أن الإسراف خير من الاقتصاد في المعيشة لأنه يمتعك بالملذات أكثر وبجهد أقل، أو يزعم أن استغلال جهود الآخرين واستهلاك ما ينتجونه خير من الاجتهاد والإنتاج لأنه تجاوز للتعب والإرهاق، وإشباع للغرائز بأقل قدر من العمل، ومن ثم يزعم أكثر الناس أن الهدم خير وسيلة للدفاع، وأفضل وسيلة لإدارة الصراع بنجاح، ولكن ما أبعد الحقيقة عن هذه المزاعم، إنك حين تسرف في النعم فانك تهلك أنسجة بدنك بقدر ما تستهلك من المواد، وتفسد عاداتك ونفسيتك بقدر ما تفسد الطبيعة، بينما حين تنتج فإنك ترتفع إلى مستوى الإنتاج وتتكامل قدراتك و تُصقل مواهبك بذات النسبة، والبلد الذي ينتج الصناعة المتقدمة يختلف عن الذي يشتريها.

ومن قال إن الهدم أفضل وسيلة للدفاع؟ وخير أداة في الصراع؟ إنك حين تقتل جنديا عدوا تزداد قوتك بقدر جندي واحد، أما حين تضيف جنديا إلى جنودك من أعدائك، فان باستطاعة هذا الجندي أن يستقطب إليك جنوداً آخرين، وحين تهدم مصنعا للعدو تزعم بأن قدرتك الاقتصادية ازدادت بقدر مصنع واحد، ولكن هل هو واقع أم خيال؟ بينما لو أضفت مصنعا إلى مصانعك فان هذا المصنع يكمل حلقات مصانعك ويرفع النقص الموجود فيها.

 

مراحل الانحطاط

يتدرج المجتمع في الانحطاط عبر عدة مراحل، ففي البداية تفسد السلطة السياسية، ثم تفسد طريقة التعامل، ثم أساليب الإنتاج، ثم فساد القيم وهو أخطر مراحل الفساد، لذلك نجد نبي الله شعيباً، عليه السلام، بدأ حديثه الناصح بالتحذير من الفساد السياسي والاقتصادي، ومن ثم الفساد الثقافي والقيمي؛ فحذر من النهي عن المعروف والصدّ عن سبيله، ومحاولة تضليل الناس عن سبيله الأقوم في الحياة، ومحاولة توجيههم إلى السبل المنحرفة، وأمرهم بتذكر الماضي حيث إنهم كانوا أقلاء فكثرهم الله بالسبل القويمة، كما نصحهم بالاعتبار بما أصاب المفسدين السابقين.

وأمر شعيب، عليه السلام، المؤمنين من قومه بالصبر حتى يحكم الله، وتبين العاقبة.

وقد يفسد البشر عمليا، بينما يبقى من الناحية النظرية مؤمناً بالقيم، ومعترفاً بخطئه حين لا يعمل بها، ويرجى لمثل هذا الشخص الفلاح بالتوبة، ولكن إذا بقي على ضلالته العملية، قد ينحدر شيئاً فشيئاً إلى الكفر بتلك القيم، وهذا الشخص يصعب إصلاحه، لأنه ليس فقط يعمل الأخطاء بعمد وإصرار، بل ويدعو الناس إليها، وقد يجر الآخرين إلى اتباع منهجه.

 

الخسارة العظمى

اعتمد الْمَلأُ من قوم شعيب، عليه السلام، على القوة المادية زاعمين أنها كل شيء، وأن من يخسرها فانه يخسر كل شيء، لذلك قالوا للمؤمنين: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ}، (سورة الأعراف: 90)، أي ان فقدان المؤمنين للثروة والسلطة والجاه، تمثل خسارة لهم، بينما المؤمنون يعرفون أن القيم الباطلة التي يقوم عليها بناء مجتمع الطغيان والفساد تنسف كل تلك الماديات الظاهرة، والله سبحانه يعطي فرصة محدودة للبشر ليمتحن إرادتهم فيها، ومدى قدرتهم على مقاومة إغراء الشهوات، وقد منح هذه الفرصة لقوم شعيب وقد استنفدوا فرصتهم وواجهوا ســـــــاعة المصيــــــر {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}، (سورة الأعراف: 91).


ارسل لصديق