الحوافز المعنوية ضمانة الانتصار
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2017/06/03
القراءات: 116

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}، (سورة المؤمنون: 97-103).

اذا شعرت بالجوع فتشت عن الطعام، وإذا مسّك الظمأ بحثت عن الماء، وإذا غلبك النعاس بحثت عن غرفة النوم، وإذا خشيت من عدو او خطر داهم، فتشت عن مأوى تلجأ اليه، هذه حوافز ودوافع او نزعات طبيعية عند جميع البشر، ولكن؛ هناك دوافع وحوافز أخرى، فإذا رأيت إنسانا جائعاً أو ظمآن أو بحاجة الى ثياب أو مأوى او الى دفاع وحماية، فهناك حاجة في نفسك تدعوك لان تساعده، وإذا لم تفعل ستظل نفسك تؤنبك وضميرك يوخزك.

وفي ما وراء هذه الحوافز؛ هناك حوافز خاصة بالمؤمنين، فحوافزهم ليست فقط ان يعيشوا في هذه الدنيا عيشة أمنةً رغيدة، وإنما يبحثون أيضا عن الآخرة، فحينما ينظر المؤمنون الى النجوم تتلألأ في الليل البهيم، والى الشمس والقمر، والى الأفلاك التي تدور، والى الدقة الكبيرة في نظام الكون يقولون:

{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَك}، (سورة آل عمران)، لا يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فأعطنا ماءً، او خبزاً أو مأوى او مالاً...! إنما يقولون:

{فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، فهم يطلبون الفوز والأمن والنجاة من النار في الحياة الآخرة، وهذا باعث حقيقي وعظيم لكل إنسان مؤمن.

يقول ربنا - سبحانه وتعالى - بعد أن يأمر نبيه والمؤمنين ان يستعيذوا بالله من الشياطين ومن همزاتهم:

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}، (سورة المؤمنون: 99)، فبعض الناس يموت ولا يوصي، ولا يعمل خيرا في ما يملك، وحين الموت، وبعد فوات الأوان يطلب أن يعود للحياة ليعمل صالحاً فيما ترك من أموال وممتلكات وأرصدة حرص وتعب في جمعها، ولم يصرفها ليومه وموقفه الخطير هذا، لكن ربنا الخبير العليم سبحانه يقول له:

{كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، ثم يقول تعالى:

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ وأنا شخصيا لم أجد في القرآن الكريم آية في الزجر مثل الآية التالية، حيث يقول - سبحانه -: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}؛ فمن كانت سيئاته اكثر من حسناته وخفّ بها ميزان أعماله يصبح من الخالدين في النار، وهذا يكفي لأن يزجرنا عن السيئات، ولكن؛ بالرغم من وجود فرص لا متناهية لعمل الخير بواسطة اللسان بالأذكار العبادية، أو إصلاح ذات البين، أو قراءة القرآن وحفظه والتدبر في آياته، وحتى على مستوى الفكر والخواطر في داخل عقلك وقلبك ونفسك، نجد البعض غالبا ما يستهين بهذه الفرص الكثيرة جداً.

 

 فرص الجهاد في العراق للجميع

نحن في العراق نواجه ونخوض حربا شعواء، وكثير من أبناء شعبنا دخلوها بصورة مباشرة، او غير مباشرة، وقسمٌ لم يدخلوها، ولكنهم يعيشون الأجواء برضى وصبر وتأجيل الكثير من المطالب والحقوق، ما دام الشعب والبلد في حالة استثنائية وفي حرب ضد العدو، وهذا نوع من المساهمة في هذه الحرب، فحتى رضاه بأن يصبر حتى تنتهي الحرب، فهذا بالنسبة له مساهمة في المعركة، الى جانب أنواع أخرى عديدة من المساهمة، مثل توفير أنواع الدعم اللوجستي للمقاتلين الأبطال.

وهذه الحرب، عاجلاً أم أجلاً، ستنتهي إن شاء الله، وننتصر فيها على الإرهاب، ومن ثم تأتي مرحلة البناء والتي نصطدم فيها مع الفساد الإداري والمالي، وهذا الفساد هو الذي يسبب توقف البناء و تدهور الأوضاع، لاسيما إذا أضفنا اليه ايضا استمرار انخفاض أسعار النفط، مما يعني أننا مقبلون على حالة من التقشف، شئنا أم أبينا، خاصة ونحن في اكثر من تسعين بالمئة من ميزانيتنا نعتمد على بيع البترول، وفي المقابل نحن بحاجة الى بناء البلد، بينما نحن نستورد حتى أبسط أنواع طعامنا من الخارج، فزراعتنا متأخرة، وصناعتنا متوقفة، فكيف نعمل ونتصرف إن كنا حتى مع التقشف قد لا نقدر على تلبية متطلبات بناء بلدنا؟

فمن خلال مكافحة الفساد بمساهمة الجميع، فالفساد لا يتمثل في هذا الذي يأخذ الرشوة فقط، وإنما بمن يعطي الرشوة أيضاً، فإذا ما اردنا القضاء على الفساد المستشري علينا بدايةً؛ إصلاح القوانين، وتغيير الكثير منها مما هو بحاجة الى تغيير كامل، لأن اكثر القوانين الحالية غير مناسبة للمرحلة الراهنة وللمستقبل، بل ومعرقلة ومقيّدة، والكثير منها يعود الى الحقبة الدكتاتورية التي سنّت أنظمة وقوانين الهدف منها السيطرة على العباد والبلاد، لذا يجب إلغاء هذه القوانين واستبدالها بالجديد، وهذه مهمة البرلمان الاساسية.

إن العراق - حسب الدستور الذي وافق عليه شعبنا - بلد ديمقراطي ويعتمد على الاقتصاد الحر، وليس فقط زراعة حرة وتجارة حرة، بل ويعني ايضا أن الناس لا يعتمدون على الدولة في كل شيء، إنما هم من يعملون وينتجون ويتجبرون ويبنون وتتحول الكثير من مهام وإمكانيات الحكومة اليهم، وهنا قد يسأل عن عمل الدولة؟

إن مهام ومسؤوليات الدولة يجب ان تتركز في أمور مهمة معينة، أهمها؛ الأمن والقضاء والتخطيط، وإيجاد التوازن في المجتمع حتى لا يجور القوي على الضعيف، كما قال الإمام علي، عليه السلام:

«القوي العزيز عندي ضعيف ذليل حتى أخذ الحق منه، والضعيف الذليل عندي قوي عزيز حتى أخذ الحق له»، فيجب أن يسود العدل و يُعطى لكل ذي حق حقه، وهذا معنى الدولة.

 

 دور الحوافز المعنوية والدينية

إذن: يجب ان تعاد الأمور الى الناس، لكن وفق نظم وضوابط حكومية خاصة، فهي تنظم وتخطط، وتوجه الناس، وتحول المسؤوليات والصلاحيات والإمكانات الى الشعب، لكن إذا كان شعب ما تعلم او تعود منذ فترة طويلة أن يأخذ من الحكومة، فمن الصعب عليه الإسهام في التغيير المنشود، وهذا يرجعنا الى الحديث عن الحوافز والدوافع، فيجب أن تتوفر الحوافز ليفهم ويتثقف الانسان على أنه يجب أن يعمل ويكون منتجا، ومن ثم يوفر احتياجاته، وبمعنى آخر ينبغي أن يعود الشعب الى حيويته ونشاطه والى إمكاناته واستثمارها بالشكل الصحيح.

 ولابد أن نشير هنا الى أن أهم تلك الحوافز التي نتحدث عنها وتوفر لنا التغيير المنشود في هذا السياق هي؛ الحوافز المعنوية الدينية، فالعراق وكل دولة أخرى إذا استطاعت ان تتحفز بالحوافز الدينية، بمعنى أن يعمل الانسان ليس فقط لنفسه وحاجاته المادية ولدنياه ، بل لله، وفي الله، ومن أجل آخرته وموقفه في قبره وقيامته، عندئذ سيكون العراق بخير، لأن قدرات الانسان هائلة. ولعل أقرب دليل حيّ لدور الحوافز الدينية؛ أيام زيارة أربعين الامام الحسين، عليه السلام، حين يقوم ملايين الناس، ببذل اموالٍ طائلة لخدمة الزائرين.

وهكذا نجد المشهد مع المقاتلين الابطال في جبهات القتال مع الأعداء الإرهابيين، فالكثير من شبابنا وحتى كبار السن، وهكذا الكثير من تجارنا وإخواننا يقدمون كل ما لديهم من أجل توفير احتياجات المقالتين، فنحن منتصرون بهذه الحوافز الدينية والمعنوية.

لذا؛ ومن أجل القضاء على الفساد، ومن ثم بناء بلدنا ومجتمعنا، لابد من تغيير القوانين، وأن يتحفز الشعب بالحوافز المادية والمعنوية، وأن نقلل ما أمكن من دوائر الدولة، ونجعلها تقوم بأداء جدي ومحكم وسريع لوظائفها عبر وسائل وخطوات عدة منها؛ اعتماد وسائل العمل الإلكتروني والتكنولوجي فيها.

من البصمة الى البطاقة الوطنية الموحدة، وكل ما من شأنه اختصار الوقت وتسريع العمل في انجاز معاملات ومتطلبات الناس. ومن جانب آخر العمل على مكافحة الرشوة والحد من الفساد الإداري والمالي.


ارسل لصديق