المهاجرون في الغرب نظرة على التبليغ وأخرى على الهوية *
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2016/03/17
القراءات: 571

 {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}، (سورة الأحزاب: 72)

إن الله تبارك وتعالى خلقنا من صلب أبينا آدم، عليه السلام، ثم أخرجنا إلى عالم الذر، عندها خاطبنا رب العزة، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، (سور الأعراف؛ 172)، فذلك كان أول امتحان وبداية حمل الأمانة من الباري عز وجل على بني الإنسان، فعندها: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا. فأي أمانة هذه! وما ثقلها، التي أبت السموات والأرض والجبال - بما فيها من قوة - أن يحملنها وأشفقنَ منها وخشينَ منها، وحملها الإنسان! وقال رب العزة: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا* إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، (سورة الإنسان: 1 - 3)، ماذا تعني كلمة أمشاج: أي الخيوط إذا تداخلت وأصبحت شيئاً داخل شيء، أي الشر داخل الخير، والخير داخل الشر، كما في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، (سورة الشمس: 7 -10)، إذاً؛ هنا «الفجور والتقوى» من جهة، وهناك «أمشاج نبتليه» من جهة أخرى، كما نقرأ في زيارة الزهراء، عليها السلام: «...إن الله امتحنكِ قبل أن يخلقكِ...» أي امتحنها في عوالم قبل هذا العالم، أي قبل أن يخلقها في هذا العالم.

فالانسان في هذه الدنيا قرين الامتحان منذ الحظة الاولى من خلقه، لذا خُلِقنا في هذه الدنيا للابتلاء (الإمتحان)، فيجب أن نستعد لما نتعرض له من الفتن، فالإنسان لا يدري أين يذهب وأين يحط الرحال، فأمره عند الله تعالى، رغم هذا كله يستوجب علينا أن نكون على استعداد لأي امتحان يواجهنا، وكيف نخرج منها بنجاح، كما تعرض أسلافنا لها واستطاعوا أن يجتازوا ذلك بنجاح، فلا يتصور الإنسان أنه يعيش ويقول: أنا مسلم، أو مؤمن، من دون ابتلاء، وهذا هو مصداق الآية المباركة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}، (سورة العنكبوت: 2)، من أمثال سلمان الفارسي وأبو ذر ومقداد وغيرهم، لذا أخاطبكم أيها الأخوة الأعزاء والأخوات الفاضلات وشبابنا الكرام، الذين تعيشون في خارج وطنكم (في أستراليا)، أنتم في بودقة الإمتحان، إما يكون مصيركم النجاح فتكونون في مرضات الله تبارك وتعالى، أو تفشلوا - والعياذ بالله- فيكون عندها كلام آخر.

يجب علينا أن نفكر كيف نعمل، نحن في مكان بعيد عن وطننا، وعندما وصلت إلى هذا البلد وجدت العراقيين - ولله الحمد- بحال جيد، يختلف عن حالهم في بعض الدول الأخرى، بمساعيهم لإقامة الشعائر الحسينية، فهم لم ينسوا أصولهم التي تربوا عليها، فيستوجب عليكم أيها الأعزاء أن تجتهدوا في سعيكم هذا، لكي تصلوا إلى قمة العطاء حتى يتعلم أولادكم وأحفادكم، ليكون طموحكم هذا متواصل لتدخلوا الجنة التي وعدتم بها انتم و أولادكم وأحفادكم معكم كما في قوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}، (سورة الطور: 12).

أريد أن أستغل هذه الفترة القصيرة التي أنا فيها بخدمتكم في مدينة سدني: عندي بعض الوصايا:

 الوصية الأولى: يد الله مع الجماعة

يجب ان تكونوا مع بعض ولا تتفرقوا، واجعلوا بيوتكم قبلة في أماكنكم مع بعض. كما قام النبي موسى، عليه السلام، وأخيه هارون، عندما كانوا يعيشون أقلية مؤمنة وسط أكثرية فاسدة، فكلما كثرت الجوامع والحسينيات والمراكز الدينية، أصبحت وعاءً للتجمع، ويكثر فيها المجالس، ويذكر الله ورسوله وأئمة اهل البيت، صلوات الله عليهم اجمعين، فإنهم يحبون هذه المجالس، لأن فيها ذكر الله وتحف بكم الملائكة وتدعوا لكم. والحمد لله، معروفٌ عن الشعب العراقي أنه «ولودٌ ودود»، بمعنى أنه يحب بعضهم البعض، كما أنه محب للزواج وطلب الولد وكثرة النسل، وهذا الجيل سوف يتكاثر ويزداد، فيستوجب عند ذلك زيادة المجالس الحسينية وفي أماكن عديدة، فتشع نورها في كل مكان ليجلب القاصي والداني.

 الوصية الثانية: الاهتمام بالجيل الواعد

عندما وصلت باب الحسينية، رأيت أولاداً فسلمت عليهم باللغة العربية، أجابوني بلغة أخرى... لا بأس؛ نحن نريد لأولادنا أن يتعلموا اللغات ويندمجوا مع المجتمعات الأخرى بشكل إيجابي، ولكن بشرط أن لا يضيعوا أصولهم، فبالتالي الذي يهمنا من هذا الاندماج أن يكون لدينا علاقات نتعلم منها الخبرات الأخرى في مدارس تعلم اللغة العربية ومدارس أخرى تفتح فيها محافل قرآنية.

أنتم الآن في مجلسكم هذا، هناك قسم للرجال وآخر للنساء، فأين قسم الأطفال...؟! من الطبيعي إنهم يأتوا مع أهلهم، فعلينا ان نهتم بهؤلاء الأطفال، نعلمهم الآيات المباركة والقصص الهادفة الجميلة التي تؤثر فيهم وبسلوكهم، فهم الأصل، فأرى وأسمع أن الشغل الشاغل للبلاد الغربية جميعها، أولادكم، فإنهم يريدون ان يعلموا هؤلاء الاطفال ثقافاتهم الغربية، لذا يجب علينا أن نحافظ على هذه الشريحة التي هي صفحة بيضاء ونعلمهم الثقافة القرآنية، من ثَم هي ثقافة آبائنا وأجدادنا، وفي هذه المسيرة بالامكان مقاومة حالات التميّع وغيرها.

وفي نفس الوقت من خلال هذه الثقافة، بالامكان زيادة إيمان وتقوى الانسان، حتى وإن كان مهندساً أو مدير شركة معينة، فمن الممكن مع تقوية ثقافته الإسلامية، أن يمزج معها الثقافات المتعددة لكي يستطيع أن يكون رجل صلب قادر على بناء بلده، وكما أن الدين المسيحي ينتشر في كل مكان، علماً أنه وصل اليهم من منطقة الشرق الأوسط، يجب علينا أن نبلّغ للتشيع ونوصله إلى كل مكان، ونقول لإخواننا المسيحيين واليهود كما نحن نقبل دينكم، أقبلوا ديننا، فنحن نقبل بالنبي عيسى والنبي موسى، عليهما السلام، وجميع الأنبياء، لا نفرق بين أحد منهم، ونقول لهم: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ، وهذا هو جانب ممكن فيه أن نقترب إليهم ويقتربون إلينا، لكي يعم السلام في العالم بأسره. لذا يجب علينا ان نعرف هذا الدين (الاسلام)، حق معرفته، وندعو الآخرين إليه، لعرفوا محاسن كلامنا، كما قال الأئمة الأطهار، عليهم السلام.

 الوصية الثالية: الإهتمام الأطفال

أقترح تعيين أساتذة جامعيين لتدريس الأطفال، فيجب أن نهتم بهذا الجانب بشكل بالغ، كما قام بهذه التجربة، اليابانيون ونجحوا و وصلوا بالمستوى العلمي الذي هم عليه.

 الوصية الرابعة: الثقة بالنفس

أن تكون عندكم الثقة بالنفس، وإعطاء نسائكم المنزلة اللائقة، كونها عنصراً فعالاً في المجتمع، كما عدّها الإسلام العنصر الأساسي في الأسرة، وأن تتخلصوا من التأثيرات النفسية التي تأثرتم بها في الظروف التي عشتم فيها في الأيام السابقة، فابنوا أنفسكم من جديد بالتوكل على الله. فأوصيكم أن تتخلصوا من الضغوط التي كانت عليكم، وأن تتعاونوا فيما بينكم، يقول الحديث الشريف: «نعم العون على الدين الغنى»، فالإنسان بأمواله يستطيع أن يتمسك بدينه ويكون قوياً في تحديه للأعداء.

 الوصية الخامسة: عدم الانقطاع عن الوطن

عليكم الاتصال بأهاليكم، فلا تبتعدوا عنهم، ولا تتصوروا بأنكم نجيتم بأنفسكم، فهنالك أناس لازال غارقين في مشاكلهم، ويحتاجون من يأخذ بأيديهم، وهم في بلد لا يأمن الإنسان على نفسه لو خرج هل سيعود إلى البيت أم لا، فتواصلكم مع شعوبكم يجب ان يكون مستمراً بأن تقدموا ما لديكم حتى الكلمة الطيبة والدعاء لهم.  

و وصيتي الأخيرة لكم؛ التزامكم نهج بأهل البيت عليهم السلام، وأنا أعلم بأنكم ملتزمون، ويدل على ذلك تمسككم بالشعائر الحسينية، وفقكم الله لكل توفيق، ولكن أريد أن أضيف إلى ذلك برنامج لإحياء الحياة السعيدة لكم في الدنيا، وسعادة الآخرة، وهو الدعاء، فمثلاً الأدعية اليومية، من دعاء يوم السبت وإلى آخر يوم في الاسبوع، فإنه مفيد جداً، بالإضافة إلى بقية الأدعية مثل زيارة عاشوراء وغيرها.

و أوصيكم بصلاتكم جماعة، وأن تسلموا فيها على أئمتكم أو في غير الصلاة لكي تصبح علاقتكم بهم قوية ومتينة.

و وصيتي الأخيرة يا حبذا لو يقوم كل شخص بإقامة المجالس الحسينية في بيته، أو في الحسينية، ولو في الشهر مرة واحدة، لأننا مهما ذكرناهم فلازلنا لم نعط حق مصائبهم، ولنبق متشبثين بهم إلى يوم القيامة، إن شاء الله تعالى لكي ينظرون إلينا ويكونوا شفعاؤنا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

--------------

* هذه الكلمة ألقاها سماحة المرجع المدرسي في حسينية آل ياسين بمدينة سيدني خلال زيارته لاستراليا.


ارسل لصديق