الانتصار على داعش يستخرج معادن الشعب العراقي
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2016/06/19
القراءات: 496

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، (سورة هود: 111-115).

بسبب تراكمات التجارب وتراكمات الثقافة في الامم تترسخ عند كل أمة ركائز تدخل في العقل الباطن لأبناء هذه الامة، ولا تخرج وتتجلّى بوضوح إلا عند التحديات، مثل الحوادث الاليمة من زلازل، او فيضانات، أو الحروب الطاحنة، والمجاعة، وغيرها، كل هذه العوامل تساهم في استخراج مكنون الانسان وتفعل الركائز الذاتية لكل شعب؛ فالحروب ليست دائماً مطحنة لإمكانات الشعوب، إنما يمكن أن تكون عاملاً لإظهار ركائز هذه الشعوب، وآيات القرآن الكريم أدبت هذه الامة على ركائز نجد بعضها في الآيات الخواتيم التي جاءت في سورة هود، والتي تسمى عند البعض بسورة «الاستقامة»، وهي تفعيل الركائز، فالذي يستقيم هو الانسان الذي يملك الخلق العظيم، ويملك الشجاعة والصبر والنشاط والحيوية والروح العالية، يملك القدرة على التفاعل مع الآخرين.

 

 ركائز لتقدم الشعوب:

أولاً: مسؤولية الانسان إزاء عمله

في ختام سورة هود المباركة، يقول ربنا -تعالى- منبها إيانا بما يلي: اولاً: أن لا أحد يستطيع أن يعيش على خيرات وأعمال وجهد الآخرين، فـ {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، (سورة المدثر: 38) وكل انسان رهين عمله الذي يصنع مستقبله، ومعرفة الانسان بهذه الحقيقة تعطيه المزيد من الحيوية، لذا جاء في خواتيم سورة هود، وبجملة من التأكيدات البليغة: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِير}، فيُرجع لهم اعمالهم؛ قليلها وكثيرها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وهنا يتجسد مفهوم «الاستقامة» الذي دعت اليه سورة هود المباركة، يقول -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}، (سورةفصلت: 30)؛ لكن هذه الاستقامة يجب ان تكون بما، وكما أمر الله حيث يقول -تعالى- مخاطباً نبينا الاكرم، صلى الله عليه وآله، في سورة هود: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، بمعنى أن استقامتك يجب ان تكون على خارطة الطريق المرسومة لك.

وعلى ذلك؛ على كل واحد منّا أن يختزن ارادته وعزيمته، ليوم الاستقامة العظيم في حياة الانسان، وهو قد لا يدوم للحظات؛ إما نعم او لا، إما نجاح او سقوط؛ فعلى الانسان أن يحدث نفسه دائماً بها، وان يطلب من الله التوفيق للاستقامة، لأن الامتحان قد يصلك ويأتيك بغتة بين عشية وضحاها وأنت منشغل وغافل وغارق في تفاصيل امور الحياة.

ثانيا: عدم الطغيان

تقول الآية الشريفة: ﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، (سورة هود: 112)؛ فمن الركائز الاساسية عدم الطغيان، ذلك أن الانسان المستقيم، يرفع الله شأنه، وقد يُعطى قوة ونصرة، وقد يعطيه دولة وسلطة او مالا، ولذا عليه ان يواجه حالة الطغيان، كما يواجه الفساد الاداري والمالي، والرشوة والمحسوبية، فمهما تبرر طغيانك بعد أن نصرك الله، لن ينفعك ولن يقبل هذا التبرير، لان الله سبحانه مطلع وعليم ولا يمكنك ان تخفي عنه ولو مثقال ذرة وما هو اقل وأدق من ذلك.

ثالثاً: عدم الركون الى الظالمين

ومن مرتكزات الاستقامة ما جاء في هذه الآيات المباركات: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}، (سورة هود: 113)، بمعنى؛ انتبه...! إذا أصبحت في منصب مهم، وموقع حساس فابحث عن الصالحين، واذا تبوأت منصب الوزير أو الرئيس، أو اي منصب آخر، فتش عن الصالحين واجعلهم اعوانك ولا تأتي بالظالم والفاسد وتعتمد عليه، ففي كثير من الأحيان قد يكون الإنسان المسؤول طيباً؛ لكنه يأتي معه بشخص فاسد، ربما من أقاربه او أصدقائه، وهؤلاء الذين سيفسدون ويظلمون الناس، سيتحمل وزرهم بنفسه.

رابعاً: ركيزة الصبر

ثم تأتي ركيزة الصبر في قوله تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، (سورة هود: 115)، والصبر يعني انتظار الفرج، كما يعني عدم الجزع، وايضاً الرؤية المستقبلية.

 

 أضواء من البصائر القرآنية

من هذه الركائز التي اشرنا اليها آنفاً، نأتي لنسلط بعض الضوء على الاوضاع في العراق:

اولاً: نهنئ الشعب العراقي على الانتصارات التي حققها ابناؤه في الجبهة الغربية، وتحديداً في معركة تحرير الفلوجة، وغيرها من المناطق، كما نُهنئ المجاهدين والمقاتلين الابطال في الحشد الجهادي، والقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية ونبارك للأمهات التي انجبتهم، وبارك الله لهذه الاسرة التي استطاعة ان تربّي مثل هؤلاء الرجال والشباب المؤمن والمجاهد والمضحي.

ثانياً: إن الشعب العراقي، وبتراكمات التجارب، يعرف انه اذا تهاون ولم يتحدّ، ولا يدخل المعارك بعزم، يصبح ذليلا، وهذا الدرس تعلمه من تجارب التاريخ التي مر بها، وفي ذلك أمثلة عديدة، منها؛ ما حصل لأهل الكوفة، حين لم يقفوا ويقوموا مع الامام الحسن، عليه السلام، وخذلوه ولم ينصروه، وكيف اصبح مآلهم، وصاروا أذلاء عند اهل الشام، ومنذ ذلك الحين تتالت عليهم الهزائم والمصائب وبقيت الكوفة في حروب وفتن ومشاكل وتحولات الى أن كادت الكوفة أن تنتهي.

هذه التجارب وغيرها، صارت درساً للشعب العراقي؛ خلاصته أن لا يتركوا العلماء والقادة وحدهم في الساحة، وهذه ركيزة مهمة جداً اعطتهم ثقافة حيوية، لذا ترى انهم بمجرد إعطاء المراجع والعلماء الفتوى بالجهاد والدعوة الى مواجهة العدو، اذا بالحشد الجهادي والشعبي يندفع كغيث السماء، بما أذهل العالم وغيروا المعادلات والحسابات السياسية كلها.

 

 العراق يمتلك ركائز النصر

الى جانب التجارب المشار اليها؛ لدينا ايضا أسس ومنابع وتراكمات الثقافة، فثقافة شعبنا؛ هي ثقافة الامام علي، عليه السلام، «كرار غير فرار»، وثقافة الامام الحسن، عليه السلام؛ «الشجاعة والصلابة الحسنية»، والثقافة الحسينية والعباسية، وثقافة الشهادة، وباجتماع تلك التجارب، وهذه الثقافة، ولدت هذه الركائز القوية لدى الشعب العراقي، وهنا نشير ونؤكد انه لن تنال من شعبنا وركائزه بعض الاصوات النشاز، من بعض «الفضائيات الصفراء»، التي تحاول أن توحي الى أن الشعب العراقي لا يشكل قوة وتأثيراً في الساحة، في حين أن الامر معكوس تماما، فالشعب العراقي قوي ومقتدر بحول الله، ولديه تاريخه المجيد، وعنده هذه الثقافة، وهذه الروح التي رأيتم وترون انجازاتها على الارض.

من هنا نقول:

أولاً: نبارك لهذا الشعب، ونبارك لحشدنا الجهادي، ولقواتنا المسلحة، ولكن في نفس الوقت نذكرهم ايضا؛ بالاستقامة، فالحرب سجال، فإن انتصرت في معركة لا يعني انك انتصرت في الحرب، كذلك الحال بالنسبة للهزيمة.

2ـ اذا انتصرنا، فهذا الانتصار لن يكون حكراً لأحد، إنما هو انتصار لكل الشعب العراقي؛ تحقق بدماء وتضحيات وشجاعة ابنائهم، وبامكاناتهم، وصبرهم.

3ـ الى إخواننا الابطال في جبهات القتال نوصي بالالتزام بالمسائل الشرعية والدينية والاخلاقية، وبشيم وقيم هذا الشعب، ولا أن يظلموا أحداً، ومع اننا متأكدون من التزام ابناء شعبنا والمجاهدين في ساحة المعارك، بالشرع والقيم والاخلاق والشيم، فإننا نرجو أن يكون صدى وآثر هذا واضحاً، اكثر واكثر في ساحة المعارك، فليس من الشيمة العربية والاسلامية ان تظلم ضعيفاً أو من وقع امامك او استسلم او اصبح اسيراً.

4- بعد أن نحرر البلاد بأيدينا، نريد تطبيق أحكام الاسلام الحنيف بحذافيره، بما فيه من قيم وتعاليم، وهذه الاحكام التي يتم سنّها ونطبقها، يجب ان تكون وفق القوانين المرعية، مائة بالمئة، وليس هدفنا أن نضم مدينة الفلوجة -مثلاً- الى محافظة كربلاء المقدسة، أو الى بغداد، إنما نريدها لأهلها، كما نريد نينوى لأهلها وهكذا الانبار، ولابد ان نتعاون على البناء والاصلاح ، فأبناء الشعب في الوسط او الجنوب يدركون أن المنطقة الغربية اليوم تعاني الامرين؛ أولاً من الحرب، وثانياً من الارهاب، ونسأل الله - تعالى- أن يساعد أهلها ويساعدنا معهم لإنهاء الوضع الشاذ هناك، وهذا واجبنا الشرعي، ونؤكد للعالم بأن حربنا، دفاعية، تلتزم بالقيم الدينية والحضارية، قبل أن نؤكد على الانتصار، فنحن ابناء رسول الله و الامام علي، صلوات الله عليهما، الذي يعرف الجميع كيف تعامل مع الاسرى في حرب الجمل وغيرها، وكيف تعامل مع معارضيه، وهكذا كان الامام الحسين، عليه السلام، الذي سقى اعداءه، وكما يقول الشاعر: «ملكنا فكان العفو منا سجية»، فنحن نريد ألاّ يكون بيننا الا العفو والتعافي و الرحمة والمحبة، وهذه القيم الاخلاقية يجب ان تكون نصب أعيننا، ونجعل من التزامنا بها -ان شاء الله- درساً للتاريخ والمنطقة والعالم.


ارسل لصديق