استثمار تنوع القدرات والأفكار لإعادة الوحدة الى الأمة
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2017/02/08
القراءات: 116

معرفة سنن الله العامة التي تنتظم عبرها كل الخلائق، تعطينا فرصة ً كافية ً لمعرفة عمق الحقائق والغور فيما يحيط بنا من الخليقة، لأن هذه السنن هي التي تنظم بقية القوانين. فالقوانين تتدرج من المبادئ، ومن ثمّ الدستور، ومن ثمّ القانون، ومن ثمّ اللوائح، وهكذا، كما إننا نحن البشر ننظم قوانيننا عبر هذه الحالة الهرمية، فان ربنا - سبحانه وتعالى- قدّر ان تكون كل القوانين التي تحكم في الخليقة؛ من فيزياء، وكيمياء، فلك وغيرها، وكل شيء في الأرض والسماء، ترتبط بسننه - تعالى- ومعرفة هذه السنن تنفعنا في الغور في الحقائق وليس معرفة الظواهر فقط. ومن أهم سنن الله في الكون والحياة والخلائق؛ سنة التكامل، فالأشياء والخلائق في الحياة تتكامل، وفي مقدمتها؛ الانسان، فإذا أردت أن تعرف كل شيء أعرف نفسك أولاً، فمن عرف نفسه عرف ربه، لأنك خلاصة كل شيء، وأنت تمثل خريطة متكاملة من الخلق كله، وفي حياتك وكل عضو وذرة فيك تتكامل مع بعضها، ومعرفة هذا التكامل تجعلنا نعرف كيف، وما هو العالم كله؟

البعض منّا يريد أن يسيّر العالم كله حسب عقله ونظرته، بأن تكون ثمة خارطة واحدة، وطريقة واحدة، وهذا غير ممكن، فالعالم لم يُخلق هكذا، إنما خلق الله - تعالى- البشر وكل ما في الكون من موجودات بتنوع واختلاف في الانواع والألوان والألسن والقدرات والعقول وفي كل شيء، وهذا التنوع والاختلاف إنما تحكمه سنّة التكامل التي يجب علينا وعيها بدقة والعمل وفقها في الحياة، وهذه إرادة الله - تعالى- لنا بأن نعيش ونسير نحو التكامل في حياتنا، وبناء مجتمعات متكاملة من بشر متنوعين ومختلفين، وليس نحو التنافر والاصطدام.

وقد جرّب بعض الطغاة في التاريخ بأن يجعلوا الناس على شاكلة واحدة دون أي تنوع واختلاف بينهم، فارتكبوا من أجل ذلك المجازر وتسببوا بكوارث مهولة، ومع ذلك، لم ولا يستطيعوا أن يصلوا الى نتيجة سوى دمارهم و زوالهم، ومن ثمّ جمود و انهيار المجتمع. فبعض الطغاة كانوا يريدون للناس أن يكونوا في مستوى واحد، وربما حتى شكل واحد في المظهر الخارجي من الملبس وماشابه، وربما يفرضون على الناس ما يأكلون ويشربون، والاهم والأخطر فرض كيف وبماذا يفكرون ويطمحون ويعملون ويعيشون.

ورغم التجارب المريرة في التاريخ، نلاحظ محاولة جديدة من قبل الوهابية في وأذنابهم التكفيريين تحت مسميات مختفة، فهؤلاء جاؤوا ليفرضون على الناس والمجتمعات طريقة حياة خاصة وجامدة في التفكير والملبس والمأكل وفي كل شيء، والعودة الى الوراء ورفض التعليم والتطور ومواكبة العصر، والتشبث بكل ماهو قديم وإن كان خاطئاً او مكذوباً.

إن أساس ومنطلق هذا التفكير يعود الى استفحال المشاعر الذاتية في كوامن الإنسان، وميله الشديد نحو الأهواء، فنراه يسعى لفرض الطريقة التي يفكر بها ويحبها على الناس جميعاً، وهذه الحالة ليست مقتصرة على فئة محددة، بل ربما نلاحظها في أوساط واسعة في المجتمع، حيث يتأثر البعض بسمات هذه الفكرة الخاطئة، فيصل الأمر الى الامتناع عن أداء التحية والسلام لمجرد وجود شعور غامض بعدم الارتياح من هذا او ذاك...! ولا يتعامل ولا يتعاون معه كون «ظاهره غير مريح»! وهذه الطريقة من التفكير مسؤولة عن تفكك المجتمعات، عندما يُخضع البعض المنطق القرآني والأمر الرباني بالتعاون والتكامل، الى مسار أهوائه وتفكيره الذاتي الضيق، الأمر الذي يتوجب علينا التخلّص من هذا النوع من التفكير.

لقد خلق الله - تعالى- كل إنسان لعمل ودور معين، وكل واحد لديه موهبة، وعنده حرية، فهو يفجر موهبته ضمن هذا الإطار ويحقق طموحه، ولذلك الناس مختلفون بأذواقهم، وبأفكارهم، صحيح؛ أن هنالك أطر عامة؛ عقلية، وفطرية، وإلهية، يجب أن يلتزم بها الجميع، بيد أن الجميع أحرار بتنوع فكرهم وأجناسهم وقدراتهم وطموحاتهم ضمن الإطار العام، ومن ثمّ يتكاملون مع بعضهم بلا تمييز، وهذا هو منطق الإسلام، ولكن؛ مع الأسف؛ تركت هذه الامة هذه الأريحية والسماحة، بينما التزم بها الأخرون وتقدموا من خلالها.

وفي سورة المائدة، يبين الله - تعالى- في الآية (48-49) ما أنزل من أحكام ونور في التوراة لليهود، والإنجيل للمسيح، وأن عليهم أن يعملوا ويحكموا بذلك، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}، ثم تشير الآيات الى أن تلك الكتب والديانات دخلت فيها الأهواء المختلفة، وأن على الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، أن يحكم بينهم: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}، ثم يقول تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، فالله - تعالى- يستطيع ان يجعل الناس جميعاً على دين وشريعة واحدة، ونبي واحد، وعلى الجميع القبول به، لكنه - سبحانه- أرسل أربعة عشر ألف من الرسل والأنبياء بكتب ودساتير وأنظمة ولأقوام شتى مختلفين بلغاتهم ونهجهم وفي اماكن مختلفة. فلماذا هذا التنوع والتعددية؟ الجواب: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وهذه هي التكاملية عبر التنافس الإيجابي البناء الذي بدوره يؤدي الى الخيرات، ثم يقول - تعالى-: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، بمعنى ترحيل الاختلافات الى يوم القيامة، فلا تجلسوا وتجادلوا وتضيعوا الوقت والفرص والإمكانيات في صراعات جانبية وجدال عقيم.

وإذن؛ وجود التنوع والاختلاف منطلق لوجود التكاملية في الحياة، وهذا التنوع والتكاملية يؤدي الى التنافس بين الناس، والاستباق الى الخيرات، وهذا هو هدف بذاته، فلولا هذا التنافس والتسابق لجمدت الحياة، ولما تقدم البشر وتطوروا ونجحوا في مختلف المجالات. ثم اذا طبقنا هذه الرؤية على مستوى أوسع و أعمق على مستوى دولنا وبلداننا الاسلامية ـ وعلى سبيل المثال ـ العراق وايران وتركيا، لكانت النتائج غير ما نعيشه اليوم، فهذه الدول متشابهة بما فيها من تنوعات وإمكانيات مختلفة، وتستطيع ان تتكامل فيما بينها، فالعراق يملك احتياطياً كبير جداً من البترول، وشعب حيوي وتنوع كبير من ناحية الأثنية والدينية والطائفية، وغيرها، مع وجود مراكز مقدسة تجتذب الملايين من البشر، كل هذا يعطي للعراق تميزاً في المنطقة، وهكذا الجمهورية الاسلامية في إيران ومعها تركيا ايضاً؛ دولتان مقتدرتان تملكان تنوعاً كبيراً في الإمكانيات، لنتصور كيف ستكون النتائج المثمرة لو أن هذه الدول تتوحد وتتكامل مع بعضها ضمن فيدرالية قائمة على أساس التعاون الإيجابي، ومن ثم التحرك نحو الأمام، وثم دعوة سائر الدول الإقليمية والإسلامية للانضمام اليها تحت اسم «الولايات الاسلامية المتحدة».

إذن ليس مستحيلا أن تكون لدينا الولايات الاسلامية المتحدة بكل ما سينتج عنها من إيجابيات، ولعل أول ذلك أن تنتهي كل هذه الصراعات وهذه الحروب بالوكالة، وهذا التمزق الداخلي، لدينا قرآن ودستور وتاريخ، وتنوع في القدرات والطاقات بما يتيح لنا ان نوظفها في التعاون والتجمع والتكامل فيما بيننا، ونتخلص شيئاً فشيئاً مما وصل اليه حالنا من تمزق وتقسيم في بلادنا، ووصل بنا الأمر انك يجب ان تحمل جوازاً لتذهب به من إقليم الى آخر.

في الخلاصة نعود ونؤكد بالقول: دعونا نجعل سنة الله - تعالى- في الاختلاف، وسنّة الله في الحرية التي يعطيها للناس وسنّة الله في النظام التكاملي العام الشامل الذي لا يستثني أحداً، وسنّة الله وأمره بالتعاون في ما بيننا، نجعل كل هذا نبراساً ونتحرك عبره لنصل الى نتيجة إيجابية مثمرة، نعم؛ لدينا أمل، كان سابقاً وما يزال ــ وإن ضعف بسبب ما ــ ففي بيت الله الحرام حينما نذهب الى مكة المكرمة نجد حشود المسلمين الذي يأتون من مختلف أنحاء العالم، من الوان وجنسيات وأشكال وألسن وأعراق متنوعة، يطوفون حول نفس البيت وبنفس الطريقة ويسعون بين الصفا والمروة ويقفون في عرفات وفي المشعر، ويؤدون نفس المناسك، هذا كان يعطينا أمل بأن الأمة الاسلامية ستعود بأذن الله، وفي السنوات الأخيرة أضيفت الى هذه الشعيرة الإلهية التي ما تزال تقوم بدور كبير في وحدة الأمة، شعيرة الزيارات المليونية الى كربلاء المقدسة، وهذه أيضاً تمثل رمزاً للمسلمين ولتوحدهم، وتمتص ما بينهم من خلافات، وهذه النعمة الكبيرة يجب ان تستثمر ايجابيا من قبل العلماء والحكماء وأهل البصائر والزعماء المخلصين لتحقيق وحدة الأمة، وفي وحدة النظام القائم بين أبناء الأمة الواحدة.


ارسل لصديق