لن تنهض الأمة إلا بتكريم المرأة
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2017/03/26
القراءات: 374

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، (سورة آل عمران: 33). صدق الله العلي العظيم.

لماذا اختار الله - تعالى- هؤلاء الـ «آل»؟

هل لأنهم امتحنوا في الدنيا؟ كلا؛ إنما اختارهم لعلم سابق له، كما اختار آل محمد، صلى الله عليه وآله، من قبل لعلمه، وليس من بعد، أو لأنهم امتحنوا في هذه الدنيا، وقد عبّر النبي الأكرم عن هذه الحقيقة بصراحة بالغة، وجعل أهل بيته عدل القرآن، حين قال: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعتري أهل بيتي»، وهذا الحديث يكفي لأن يكون البرهان الساطع على أن أهل البيت، عليهم السلام، وذريتهم هم الذين حافظوا على الدين، وعلى رسالة جدهم المصطفى.

 

 سلامة الأسرة والدين من بركات الزهراء

أقول بصراحة؛ إني أعتقد؛ لولا فاطمة الزهراء، عليها السلام، ولولا سيرتها وتاريخها المشرق، ولولا ما تعلمت نساؤنا منها من الوفاء والعفاف وخدمة الدين، لما كنا نرى المسلمين عامة الآن، وبخاصة أتباع أهل البيت، بهذه الدرجة من التمسك بأصول بناء الاسرة وبالعفاف والحجاب وغيرها من الفضائل والأخلاق، وعليه؛ لابد أن نقف إجلالاً لكل نسائنا، وكل أمهاتناً فقد أصبحن اليوم رمزاً للمقاومة ورمزا للاستقامة.

ونقول ايضاً: لولا الصديقة الزهراء، ومن ربتهن؛ كالصديقة الصغرى زينب العقيلة، ومن تأثرن بالصديقة الزهراء مثل؛ فضة وأم البنين وغيرهن من النساء الفاضلات، لما شاهدنا هذه الدرجة من الالتزام في بناء الأسرة الفاضلة في حياتنا اليوم.

فنحن نشكر نساءنا وأمهاتنا المؤمنات في كل مكان، وفي العراق بشكل خاص، ونقول لهن: بارك الله فيكن، وفي أبنائكن وبارك الله في جهودكن، ونحن ننتظر المزيد، ونريد أن تكون فاطمة الزهراء، محور السلوك والتربية في بيوتنا اكثر فأكثر، فربنا في سورة النور حين يقول: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، لماذا لا يقول إن نوره كالشمس او القمر، بينما قال: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ}، (سورة النور: 25)؟ جوابنا: ان الآية التي تليها تفسر ذلك، حين يقول تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ}، (سورة النور: 26)، فالشمس والقمر في السماء وليستا في البيت، لكن نور الله الذي شمل السماوات والأرض، يتجلى في البيت المؤمن، بمصباح في مشكاة، وهو بيت فاطمة، عليها السلام، ولذلك يروي عامة المسلمين وخاصتهم، كيف أن النبي، صلّى الله عليه وآله، وفي اكثر من مناسبة حين كان يقرأ آية ﴿في بُيوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرفَعَ... يسألونه: أيُّ بُيوتٍ هذه يا رسول الله؟ فكان يشير بيده إلى بيت فاطمة، عليها السلام.

 

 الأسرة؛ الخندق الأول

وحديثنا الآن وبكل صراحة؛ أننا نعتقد أن الأسرة هي الخندق الأول، وهي منبت الرجال والأبطال، ومركز الفضائل، إن أسرة كأسرة الإمام علي وفاطمة والحسنين، عليهم السلام، يجب علينا السعي دائماً بأن نجعل هذا القبس من النور من هذه المشكاة والمصباح الذي أوقده الله في بيت فاطمة، نجعله في بيوتنا، ونبحث عن كل صغيرة وكبيرة، في تاريخ الصديقة الطاهرة، فكيف نشأت؟ وكيف صلّت؟ و كيف زكّت؟ وكيف دعت؟ كيف عاشت بالزهد والتقوى؟ وكيف استطاعت بسيرتها، وبصلاة ليلها، وبدعائها لجيرانها، وبعشرات مما نقرأه ونسمعه من العلماء والخطباء الأفاضل، من فضائلها ومآثرها، وكيف ربت أبناءها وبناتها؟ بل كيف ربّت فضة، وأمثال فضة، علينا أن نستوحي من كل ذلك، ما ينير دربنا وحياتنا ويبني عوائلنا ويربي أبناءنا.

وأقول لأخواتنا: أنهنّ يجب أن يدرسن كل هذا، ويكون عندهنّ طموح وتطلع كبير وعال، لا أن يكون همّنا الوحيد أن يولد لنا مولود سالم بدنيا، فالسلامة ليست فقط في الجسم، بل أيضاً في الروح والعلم والعقل والأخلاق، فما فائدة تعب وتربية ولد، يكون في الكبر، خادماً للطغاة ومطيعاً لأهوائه وشهواته، ثم يكون مصيره الى النار؟ إنما المهم إعطاء الاهمية الكبرى للتربية الاخلاقية والروحية للطفل منذ اللحظات الاولى لانعقاد النطفة في رحم الأم، وليس فقط بعد الولادة.

إذن؛ على الوالدين أن يعكفا على تربية الطفل منذ اللحظات الأولى للولادة، على تنشئته وتربيته، ألا يقول الحديث النبوي الشريف: «أطلبوا العلم من المهد الى اللحد»؟ بمعنى أن ثمة امكانية وقدرة للأبوين بأن يغذيا الطفل بالعلم وهو في المهد صبيا، وهكذا عموم المجتمع، قادر على ترك تأثيرات أخرى على الطفل، لا أن نترك الاطفال للمؤثرات الخارجية المشبوهة القادمة من شاشة التلفاز وجهاز الهاتف النقال وغيرها، مما يحمل لنا مختلف أنواع المغريات والمرديات ايضاً، من برامج ترفيهية وموسيقى بيد أنها تخفي آثاراً مستقبلية خطيرة ومدمرة، ومن هذه المرديات؛ الموسيقى التي اعتقد أنها تسهم بشكل كبيرة في إضعاف الاعصاب ومن ثم يتحول الى نوع من الإدمان، وهو نفسه يجر صاحبه  إلى الادمان على المخدرات وسائر الموبقات التي لن تتمكن من سلوك الانسان إلا عندما يتحلل بدنياً ونفسياً وعقلياً، وغير ذلك من السلوك الخطير والسقوط في مهاوي الرذائل وصولا الى حالات الضياع والعنف والانتحار.

 

 وكلمة للرجال أيضاً

والى جانب كلمتنا للأخوات؛ لابد أن تكون لنا كلمة للأخوة الرجال ايضا، خصوصاً إلى الشباب الحديثي الزواج او من هم مقبلون على الزواج و تأسيس أسرة جديدة؛ فأقول لهم:

أيها الأفاضل...! يجب أن لا نحقرّ ونستصغر المرأة، فاحتقار المرأة في بلادنا سببٌ رئيس لحقارتنا ولضعفنا ولتخلفنا، ومن الطبيعي أن الأمة لا تنهض إلا حينما تكرم المرأة، فقد اكرم الله - تعالى- والإسلام ايضاً؛ الانسان المرأة، وأعطى لذلك نموذجاً سامياً وهي فاطمة الزهراء، عليها السلام.

لذا نؤكد على اننا يجب أن نجعل المرأة شريكة حياتنا بكل معنى الكلمة، نتحدث إليها بكل احترام، وفي كل شؤوننا، ونحترمها ومن ثم - بحول الله وقوته - نستشيرها، ثم من قال لكم أن المرأة يجب أن لا تستشار؟! إن نصف حياتنا على الأقل مشتركة في حياتها، فلنستشرها فيما يرتبط بها.

إن النظام الأسري، يعد أساس بناء حياتنا ومجتمعنا، فلماذا أهملناه؟ ولماذا تشعبت وكثرت الشكاوى في العوائل وتفاقمت الأزمات بين الرجل وشريكة حياته لأسباب تافهة؟ فأين التفكير المشترك والانسجام الذي كان يسود مجتمعنا في سالف الأيام؟ وأين ذهبت تلك الأسر التي عاشت مع بعض لسبعين سنة او أكثر في حياة كلها ود وتراحم وانسجام، بينما نلاحظ الآن شيوع الطلاق بين الزوج و زوجته وبكل سهولة.

إن الحل نستلهمه من حياة وبيت وأسرة الصديقة الزهراء والإمام علي، عليهما السلام، وعلاقتهما المتبادلة التي ملؤها الاحترام والمودة والنضج والانسجام، فنجد - مثلاً- كيف أن الامام علياً، عليه السلام، يخاطب الزهراء، عليها السلام، بكل تقدير واحترام عظيم، ثم لا يولّي وجهه عنها عندما يخرج من البيت بل يخرج القهقري، فلماذا لا يسود هذا النظام في العلاقة الأسرية في الوقت الحاضر؟ لنا أيضاً؟ وإذن؛ لابد من احترام وتبجيل المرأة، لاسيما اذا كانت أُماً و زوجة، فعندما تحترم أولادك، وتحترم نفسك، وتحترم تاريخك، عليك أن تحترم زوجتك ايضاً.

نحن نريد - بحول الله وقوته - تأسيس مجتمع إسلامي فاضل، ولن نؤسس هذا المجتمع إلا على أسس ثابتة ودينية، وأساس المجتمع الإنساني الصحيح هي الأسرة، ونرجو من الخطباء الافاضل حين يصعد احدهم المنبر، وربما يتكلم ساعة، أن يتضمن خطابه التنويه والبحث عن جذور المشاكل بغية معالجاتها.

ولأن الجذور التي يجب أن نعرفها في التربية الصحيحة لأبنائنا وفي بناء أسرنا والمجتمع هي جذور وحوافز دينية سامية، فإننا مع كل ما نشير اليه من وجود سلبيات، فإن في مجتمعنا ايضا الكثير الكثير من ثمار التربية الصالحة؛ من فضيلة وتمسك بالدين والشعائر الحسينية، والولاء لأهل البيت، عليهم السلام.

وبــذل وعطاء في المجتمع، وجذور هذه التربية الصالحة نلمسها اليوم ايضا في النماذج من رجالنا وشبابنا الذين تطوعوا في الحشد الشعبي ويحاربون الإرهاب، ونسبة كبيرة من هذا الفضل انما هو من فضيلة تربية أمهاتهم.


ارسل لصديق