داعش ينتهي بتحمل العلماء مسؤوليتهم
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2000/11/30
القراءات: 17

يواجه العالم أزمة حادة تتمثل في انتشار الارهاب الذي أصبح يضرب في كل مكان وفي أي زمان، ثم العالم يتساءل: كيف نتخلص منه؟، وما هي الأدوات الناجعة من أجل مواجهة هذه الأزمة الحادة؟

قبل أن نجيب عن هذا السؤال وكيفية مواجهة هذه الأزمة حسب رؤيتنا التي نستمدها من الوحي والعقل والواقع، لابد أن نقول بكلمة أن العالم دوما و أبداً يعالج الظواهر الخارجية للمشاكل، ولا يبحث عن الجذور، ولو اردنا مثلاً لذلك من الواقع، فإن العالم اليوم يشبه من يبحث عن حل لمشكلة انتشار البعوض والذباب، فهو يفكر في مكافحة الحشرات، ولا يفكر بمكافحة النفايات المنتشرة هنا وهناك.

العالم يعيش أزمات عديدة، كأزمة الاحتباس الحراري التي تتسبب بفيضانات في مناطق وبلاد عدة، فيما يعاني ايضاً من التصحّر الذي يدفع بالكثير من مناطق العالم إلى المجاعة، ويجعل الملايين من البشر يعيشون المجاعة وسوء التغذية، وهو ما يدفع هؤلاء الى الهجرة عن بلادهم.

وإذن؛ فان الهجرة لم تنتجها الحروب فقط، وإنما هي نتاج التصحر، الذي هو بدوره نتيجة مشكلة أخرى باسم الاحتباس الحراري، مع ذلك، نرى أن العالم لا يفكر لمعالجة الاحتباس الحراري، ولا ظاهرة التصحر، ولا ظاهرة الفقر، إنما يفكر في مواجهة ومعالجة الهجرة التي تُعد نتيجة وإفرازاً وحسب.

إن من اسباب انتشار المشاكل والازمات أن المعنيين على مستوى العالم، وفي هذه الدولة او تلك، من رؤساء و وزراء وكبار المسؤولين، ولغايات و لأسباب شخصية او سياسية او حتى اقتصادية، لا يتجهون لحل اسباب الازمة بشكل جذري، ولا ترى واحداً منهم يفكر جدياً و بإخلاص في معالجات حقيقية لمشاكل و ازمات الانسانية، وإن وجد، فغالبا ما تكون ضيقة الأفق، وربما على حساب الآخرين، ومن ثمّ انتاج مشاكل و ازمات اخرى في مناطق وبلاد اخرى.

 

 العالم بعيد عن الإسلام الحقيقي

حين نقول: إن علينا إصلاح الأمور جميعاً، ونعالج كل جذور واسباب الارهاب، فإن علينا أن لا نغفل عن أحد الاسباب القريبة والواضحة، وهي الرؤية الخاطئة للدين لدى الكثير من الناس، بما يجعل بعضهم على سبيل المثال يأتي من مختلف اطراف الدنيا، ومن جنسيات مختلفة، الى الرقة او الموصل -مثلاً- ليقتلوا انفسهم، بل وحتى نساءهم واطفالهم في احيان كثيرة، لكن؛ لماذا وفي سبيل من؟! انه سؤال خطير.

هل هو -مثلاً- دفاعا عن النفس او الوطن؟ كلا؛ إنما كما يزعمون وحسب فهمهم من أجل الدين، ولكن أيّ دين؟، إنه الدين الذي لم يفهموه، ولم يتعمقوا فيه، والدين القائم على القشرية، وعلى مجموعة مظاهر بلا مخابر، وهنا يبين لنا القرآن الكريم مصير أمثال هؤلاء بـ﴿الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، والسبب في ذلك انهم:

{ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}، فهؤلاء لا يؤمنون إيماناً حقيقياً بالآخرة، ولا يؤمنون أيماناً حقيقياً بآيات الله، فهؤلاء لا يقرؤون القرآن، ولا سيرة النبي، صلى الله عليه وآله، ولا سيرة الأئمة المعصومين، عليهم السلام، ولا حتى تاريخ المسلمين، وكيف أن الاعتدال والتسامح هو اصل من أصول حياتهم.

والسؤال هنا:

لماذا تحول الدين لدى هؤلاء إلى هذه الرؤية القشرية، وما مشكلة العالم في ذلك؟

أقول بصراحة إن مشكلة العالم أنه لم يسمح لدعاة الدين الحقيقيين بأن ينشروا الدين كما أنزله الله -سبحانه وتعالى- فابتلوا بهؤلاء الذين راحوا ينشرون الأفكار التكفيرية المتشددة والإرهابية في أنحاء الأرض، ويستقطبون مجموعة من شذاذ الآفاق ويجمعونهم في مراكز خاصة بعدة بلاد مثل العراق وسوريا ونيجيريا والصومال وافغانستان وغيرها.

لذا نقول للعالم: الاسلام دين عميق وله تاريخه وحضارته، وهذا الدين يجب أن يفهم فهماً صحيحاً، ويجب علينا وعلى العالم اولاً؛ أن نشجع الذين فهموا الدين فهماً صحيحاً ومعتدلاً، وندع لهم مجالا حتى ينشروه، أما حين تقومون بمواجهة ومعاداة العلماء، وتحاربون الدين ذاته، وتمنعون القرآن والأذان وما شابه، فإن الناس -بالنتيجة- سيتحولون إلى ذلك الدين الوهمي والقشري، و ينتج هذا الذي تشاهدونه من التكفير والدموية.

 

 العلماء ومهمة التوعية

هذا ما يتعلق بالعالم، أما ما يرتبط بالمسلمين انفسهم، فهنا يأتي السؤال:

أين هم علماء الدين؟ أليس من أهم وظائف علماء الدين أن يحاربوا البدع أذا ظهرت في الأمة؟ وإلاّ سوف يكونون وأهل البدع سواء؟ والبدع تتمثل اليوم في هذا الفهم الخاطئ للدين، وفي ظاهرة تكفير المسلمين من قبل البعض الآخر من المسلمين.

ولماذا سكت ويسكت المسلمون عن كل هذا؟! البعض ممن يحسبون انفسهم على شريحة العلماء، بيد أن الله -تعالى- أضلهم على علم، فاكثرهم كان يعرف أن هذا الفكر المتشدد أمر خاطئ و خطير، ولكن «البترودولار» أعمى عيونهم وبصائرهم و أمات ضمائرهم، و أنا أعرف أمثلة واضحة من هؤلاء الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم، وتركوا فكرهم وعلمهم وفهمهم إلى جهل الآخرين وفكر الضالين والمضللين.

إذن ماذا علينا أن نفعل؟

هنا تأتي مهمة ووظيفة العالم الرباني، أن يحمل الرسالة حتى وإن كان وحده، إذ عليه أن لا يفكر فيمن يعارضه او يؤيده، إنما يتوكل على الله فقط، ويقطع رجاءه من كل شخص وجهة ما، كما ورد الدعاء في اعمال ليلة و فجر الجمعة:

«اللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وآلِهِ وَهَبْ لِيَ الْغَداةَ رِضاكَ وَاَسْكِنْ قَلْبى خَوْفَكَ وَاقْطَعْهُ عَمَّنْ سِواكَ حَتّى لا اَرْجُوَ وَلا اَخافَ إلاّ إِيّاكَ...»، لذا علينا أن نتعرف على عالم الدين هذا، فهو الذي لا تراه متسكعاً على أبواب الملوك، والذي لا يبحث عن الدنيا، وربنا -سبحانه وتعالى- خاطب النبي عيسى، عليه السلام، و وصف علماء الدين المزيفين بأنهم قطّاع الطرق، فإذا رأيت عالم الدين وهو يدعو إلى الزهد و التقوى، ثم هو أول من يتكالب على الدنيا ويبحث عن المناصب والأموال، و يسكت أمام الظلمة و الطغاة، فيجب أن تشك في رسالته.

العلماء يجب أن يحملوا الراية ولا يخشوا إلا الله تعالى، لا يخافوا لومة لائم ولا يخشوا ولا يفكروا لا في مال الأغنياء ولا في قوة الأقوياء، ولا في ارهاب السلاطين، وهنا بيت القصيد، و اساس محور القضية، فنحن ندعو أنفسنا وندعو اخواننا العلماء، أن يدخلوا الساحة ويقوموا بأداء مسؤولياتهم ويجردوا أسلحة الفكر والتوجيه والتوعية، وبالحكمة والموعظة الحسنة، فأنتم بذلك أيها العلماء وأيها الخطباء، تنقذون وتمنعون ملايين البشر من أن يقعوا في شراك هؤلاء الفسقة الفجرة المضلّين الذين وراءهم من وراءهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

إذا فكر العلماء وقالوا الكلمة الصادقة والنظيفة، والكلمة الخالصة لوجه الله -تعالى- والبعيدة عن شوائب الدنيا، فإن ربنا -سبحانه وتعالى- يؤيدهم، و نحن ينبغي أن نقول للناس أن الدين ليس هذه القشريات، وليس الدين طقوساً فارغة، وليس الدين هذه العصبيات الجاهلية.

 قولوا للناس حسنى؛ {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، قولوا الكلمة الصادقة و انشروها، فهي من أهم مسؤوليات علماء الدين، ثم هناك مسؤولية أخرى؛ وهي تقع على عاتق الناس، انهم إذا سمعوا عالماً يتكلم بالصدق والحق وينادي، أن يلبوا، {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا}، هذه الاستجابة من قبل الناس، ثم من بعد الاستجابة، نشر هذه الكلمة الصادقة كلاً بقدره، وكلاً عبر وسيلته الخاصة، وهذه مسؤولية كبيرة، وإلا فإن خطر داعش وهذا التشدد والارهاب ينحسر بعون الله تعالى في العراق وسوريا، ولكن؛ هذا لا يعني أنهم ينتهون، إنما ينتهون إذا قام العلماء بدورهم الحقيقي، وقام عموم المؤمنين بدورهم الحقيقي ايضا، وبثوا الوعي الصحيح في مواجهة كل هذه الأفكار الباطلة، وأفهموا الناس ما هو الدين الحق.


ارسل لصديق