العراق يحقق إستقراره ومصالحه بقادته وحكمائه لا بأموال المتآمرين عليه
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2013/01/31
القراءات: 789

«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ *مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ»

صدق الله العلي العظيم

يكاد القرآن الكريم أن يكون بمجمله رواية عن قصة الخلاف والصراع بين الحق والباطل، وهذا الصراع بين الحق والباطل يبدأ من داخل الانسان، حيث هناك نداء رباني يدعوك الى الخير والفضيلة والاحسان الى الآخرين، وهناك نداء اخر شيطاني يدعو الانسان الى الشر، الى الاعتداء، الى الاستهتار بحقوق الآخرين وظلم الناس.

في خضم هذا النداء الذي يتقاسم قلب الانسان، ترى بعض الناس يميلون الى النداء الاول، يحملون الرسالة ويؤمنون بالحق، بينما هناك من تراهم يميلون الى نداء الشيطان ويتبعون وساوسه واهواءهم . ثم يختلف المجتمع بين اهل الحق وجبهته و اهل الباطل وجبهته، في صراع يتخذ اشكالا شتى ومن جملة اشكال هذا الصراع ومستوياته الكبيرة والواضحة هو الصراع السياسي.

 

مجابهة الطغاة والظلم و سُنن النصر

ربنا تعالى يبين في آيات الكتاب المجيد ان الظلمة في الغالب يمتلكون ناصية القوة وعندهم امكانيات واسعة لترسيخ هذا الواقع ويعملون أبدا للاستحواذ على مراكز وعناصر القوة، ولكن مع ذلك فإن المؤمنين الصادقين على قلة عددهم وقلة الامكانات والقوة المادية بأيديهم، إلا أنهم ينتصرون في نهاية المطاف، ليس بقوتهم المادية المجردة وانما بقوة ونصرة وتوفيق الرب الذي خلق الكون وسنّ فيه تلك السنن الراسخة التي تؤيد وتنتصر للعدل والاحسان والحق وأهله. إننا حين نتدبر في سورة ابراهيم (ع) على سبيل المثال، نجد كيف ان هذا الصراع الذي اشرنا اليه آنفاً يتمثل في ان الذين كفروا بالرسل، يقولون للانبياء والرسل «لنخرجنكم من ارضنا او لتعودن في ملتنا» فهم يستخدمون لغة القوة والتهديد، فهناك حسب منطقهم خياران أمام الرسل والأنبياء، إما نفيهم وإبعادهم واخراجهم من هذه الارض والبلاد وهذا المجتمع، وإما ان يعودوا (الرسل والآنبياء) الى ملّة الظالمين والكافرين ومن ثم يخضعوا لسياسة الطغاة والظلمة.

ثم يبين ربنا في الآية التالية بعض مظاهر الغرور والعنجهية الفارغة عند الظلمة حيث يقول: «واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد».. فالذين يجمعون القوى والمال، ويشترون الضمائر، ويستفيدون من كل الامكانات التي تتاح لهم من أجل أن يبقوا متمكنين حاكمين في الارض مسلطين على رقاب الناس، غير منتبهين وآبهين لمآل ونهاية الظلم الوخيمة، الذي يتحول لديهم الى سرطان و داء وبيل لا علاج له.

 

خوارج العصر.. أداة بيد الاستخبارات الدولية

ونحن لو اردنا مثلا أن نختصر كل هذه الصراعات والخلافات السياسية وغيرها في بلداننا والعالم اليوم، وأساسها، لا نستطيع أن نعبر ونختصر ذلك بكلمات مثلما تختصرها القصص و الكلمات القرآنية الكريمة. وهذه الأسس والغايات والأسباب والنتائج لهذه الخلافات والصراعات يمكن ان نجدها واضحة في تأريخنا وايامنا هذه وفي شعوبنا وبلداننا هذه، وقد رأينا وشعوبنا ومازلنا نرى ونعايش ماحدث ويحدث في تونس وليبيا ومصر وغيرها، ومن قبل ذلك في العراق وايران.. فهل ندرك هذه الامور، وهل يدرك الظلمة هذه المسائل؟

لكن هؤلاء وأمثالهم بسبب تشددهم وبسبب اختلافهم مع العلماء والحكماء وبسبب افكار شاذة اصبحوا مطية للاستخبارات الدولية التي أدارت اللعبة و بدأت بالخفاء تارة وعلانية تارة اخرى، بأستغلال جماعات كهذه، فتؤيد هؤلاء، وتخلتف مع اولئك، فاذا بهذه الجماعات وقادتها حين يرون نهاية طريقهم الخاطىء، تراهم بدل أن يواجهوا الكيان الصهيوني الذي طالما زعموا عداءهم ومحاربتهم له، يتوجهون بدلا عن ذلك الى معاداة ومحاربة وقتل شيعة أهل البيت(ع) الذين يحملون في الأساس راية حقيقية ضد هذا الكيان الغاصب.

كيف ولماذا اصبح وسمح هولاء أن يكونوا مطية الاستخبارات الدولية التي استطاعت أن تتلاعب بعقولهم وغرائزهم بهذا الاسلوب، فباتوا مثل الخوراج الذي خرجوا يحاربون معاوية بدايةً، لكنهم انقلبوا وحاربوا الامام امير المؤمنين سلام الله عليه؟ إن ذلك تجربة ومثل سيئ وخطير يجب الحذر والآنتباه له، فالانسان الذي يفقد البوصلة يضيع ويتيه، كما السفن في اعالي البحار حين كانوا يستخدمون البوصلة لتسيير السفن لتحديد الطريق و الوصول الى الوجهة التي يريدونها، فاذا ما وقعت البوصلة في الماء او فقدت او تعطلت فأنهم يضلون الطريق وتضيع سفنهم في امواج البحار وتسير بهم يمنة يسرة على غير هدىً، وهكذا هؤلاء ضاعوا وتاهوا، واصابوا الأمة في الصميم، بفكرهم الشاذ ونهجهم السقيم، فاذا بهم يرتكبون الفظائع، كما حدث أخيرا في مدينة كويتة الباكستانية مثلا، حيث ارسل هؤلاء بعض الانتحاريين لتفجير أناس يحتفون بالنبي (ص) في ذكرى وفاته وقتلوا بدم بارد اكثر من مئة أنسان وجرحوا اضعاف ذلك من الابرياء.. وهكذا جرى ويجري في العراق، ومن ذلك ماوقع من جرائم تفجير وقتل تطال الزوار خلال أيام زيارة الاربعين، ووقع ماوقع من تلك المجازر في المسيب، وغيرها، والى يومنا هذا نرى تلك التفجيرات والقتل الجماعي..أي عقل وأي منطق وفكر يبرر ذلك ويدعو له؟! وأي علاقة مزعومة له بالاسلام؟!. لقد جاء الأنبياء برسالة العقل والحكمة، برسالة الفقه والبصيرة، بالتذكر والتفكر و القران مليء بذلك.

 

الأعداء يكيدون للعراق

وللأسف ربما نتلمس الآن نفس هذا المخطط يراد له أن يطبق في العراق لجره الى نفس المصير، وفي الحقيقة لا اعرف بأي لغة اتكلم مع البعض منـّا للاسف الشديد، البعض الذي ليس لديه منطق وحكمة، ويتصور أن الله خلق الكون كله له فقط وجعل العقول كلها لديه وأن غيره على خطأ وهو فقط على صواب !. اقول للبعض من هؤلاء: يا من تخرجون في هذا الشتاء وسط البرية والصحراء، لاتتصوروا يوما أن أحدا في الأرض ممن يريد اشعال الفتن ويحرض عليها ويدفع الاموال ويحوك الدسائس لتمزيق الشعب والبلد، يمكن أن يرحمكم او يبحث عن مصالحكم كما يزعم.. لا يرحمكم إلا الله تعالى وهو سبحانه لايرحم انسانا اعطاه عقلا وبصيرة، ثم يقع جهلا منه او عن عمد فريسة لشخص، او جماعة او مخططات هذه الدولة او تلك القوى، ممن يدفعون مالا لهذا وذاك، ولايريدون للعراق خيرا وتقدماً واستقراراً. ثم نتساءل: أين العلماء والحكماء وأهل البصائر؟ هل العراق يحتاج الى أن يمد أحدنا يده الى هذه الدولة وتلك الدولة؟!.. العطاء والجود و الشجاعة والتعاون والاخلاص في العراق هل تسمح لنا بمد يدنا الى البعض ممن لا يعرف أي طرفيه أطول ليعطي لبعضنا الفتات حتى يبقينا في الشوارع نكرس الصراعات والخلافات والانفلات..؟. تعالوا اجلسوا وفكروا في مصيركم، انظروا ماذا يجري في سوريا وماذا يجري في الصومال و في تونس ومصر وليبيا، وأخيرا ما يحدث في دولة مالي.. فلا يجب ان نكرر تجارب الآخرين في ما جرى من الكوارث.

 

أيها الساسة كفى صراعات

بالمقابل أيضا، يجب أن نقول كلمة صاعقة وجدية للسياسيين في العراق: لا تتركوا الجروح النازفة وعالجوها وتداركوها، قليلها وكثيرها، فالجرح والمرض حتى قليله يكون كثيرا، وكما في حديث شريف فإن ثلاثة قليلها كثير: المرض والنوم والنار. فالمرض البسيط قد يتحول الى مرض صعب وقد يقتل، وكذلك فإن ثقاب نار بسيط يمكن ان يحرق غابة واسعة. وجروح المجتمع هكذا أيضا قد تكون بسيطة ولكنها تصبح واسعة وخطيرة وقاتلة إن لم تعالج، فلملموا الجروح وعالجوها، على كل المستويات والاتجاهات، كونوا جديين في في مواجهة الفساد الاداري والمالي و لا تماطلوا، اقطعوا ايادي الفساد والسرقات، وحاسبوا المقصرين والمتلاعبين، ووفروا الخدمات للشعب بلا منّة او وعود كاذبة، لأن الناس اذكياء ويفهمون فلا تستهينوا بعقول الناس ولا تجلسوا في الغرف المغلقة بعيدا عنهم وتضعوهم خارج الاطار، ادخلوا ساحة الشعب ولاتكونوا منقطعين عنه، تابعوا وانظروا وعايشوا شعبكم، واعملوا لتلبية تطلعاته وحقوقه، واسمعوا الفقراء والأيتام والمساكين ومن يشكون من المظالم، ماذا يريدون؟..

ومن حقهم ذلك، فبلدهم ليس فقيرا ولا ضعيفا، فالظلم ظلمات والله ينظر الى مظالم وشكوى الناس وألمهم ولايرضى بالظلم من أي شخص وجهة جاء وعلى أي شخص او فئة وقع، فالظلم ظلم على شيعي وقع أوعلى سني أو مسيحي او يهودي، والعاقبة والنتيجة السيئة لذلك تعم ولاتخص.


ارسل لصديق