قوة الحق ، والحق مع القوة .. سبيلنا الى الانتصار
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2013/03/31
القراءات: 1174

بسم الله الرحمن الرحيم:

 (ولاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

 صدق الله العلي العظيم

 حينما نقرأ القرآن الكريم ونتدبر في بصائره النافذة، نجد انها تمزج بين طاقتين هائلتين للانسان، الاولى: طاقة حركته على الارض، والثانية فضل الله عليه وما يتيحه له من أسباب القوة، ونحن في الحياة  نرى عادة أن القوة والحق في الحياة منفصلان في أكثر الاحيان، فقد ترى أن من له الحق لا قوة له، ومن لديه قوة عادة لا يتحرك ضمن إطار الحق.. ولذلك ندرك أنه لا الحق ينتصر بلا قوة ولا القوة تستمر بلا حق.. اما اذا اجتمعت الطاقتان؛ طاقة الفعل والحركة و الحيوية من جهة، و طاقة الدعم الالهي المباشر من جهة اخرى، واذا كان هناك رجال يؤمنون بالله وينتصرون لله، ويعملون من اجل الحق وفي سبيل الله، ثم يوفرون في انفسهم عناصر القوة كلها، فانهم لا بد ان ينتصروا ..

اقرأوا القرآن بتدبر و بعمق، تجـــدوا هذه السنة الإلهية التي يبينها ربنا في اكثر من سورة مباركة وضمن اكثر من سياق في قصص القرآن الكريم، وهذه السنة فيها عبر، الاولى: أن الكفر والباطل أنى كان قويا فإنه محدود من الناحية الزمنية، فلا يبقى ويستمر الى ما لا نهاية، فاين الملوك؟ وأين أقوام  ثمود وعاد؟ وأين الفراعنة؟ وأين نمرود ورهطه؟ أولئك الذين استعبدوا العباد و كانوا جبابرة أقوياء في هذه الارض، فكان مصيرهم الدمار. أما العبرة والبصيرة الثانية التي نستلهمها من آيات وقصص القرآن الكريم، فهي أنه إذا ما نشأت قوة ربانية في الارض تدعو الى الحق و العدل وتعمل من اجل خدمة الناس، فإنها سوف تكون بديلة عن تلك القوة القائمة على الباطل والانحراف عن سنن الله. والعبرة الثالثة ان هؤلاء الذين يأتون من بعد أولئك، لا يأتون من فراغ، ويجب أن لا يعتمدوا على أنهم على حق فقط، إنما بعد أن يستعدوا ويهيئوا انفسهم ويتحملوا المسؤولية، فهم ينتصرون بكلتا الركيزتين: «القوة والحق»، بالشكل المضاد تماما لإولئك الذين كانت قوتهم قائمة على اساسٍ رخوٍ ضعيف، يعتمد فقط جانب الامكانيات المادية، سياسيا و عسكريا وماليا واعلاميا.

وهكذا كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، في سيرته ومواجهته الاعداء، وأيضاً كان الإمام علي عليه السلام، ومن معه، ومع كونهم على حق، فكانوا يستعدون ويهيئون ما يتاح لهم من اسباب ووسائل القوة، فبكلتا القوتين، الحق والثقة والتوكل على الله، وبعد الاستعداد مادياً، يُحرزون النصر. ولكن يجب الالتفات الى بصيرة اخرى هنا، وهي أنك وإن جمعت اسباب القوة واصبحت قوياً، الى جانب كونك على حق، يجب أن لا تدعوك قوتك الى البحث عن الحرب والصراع والصدام مع الآخر، بل عليك أن تستفيد من هذه القوة قبل كل شيء في طرح السلم والجنوح اليه، وانما استخدام القوة يجب ان يكون في سياق وأطر محددة، ودفاعا عن النفس، لا ابتداءً، وهذا ماكانت عليه سيرة النبي (ص). فنحن يجب ان نستعد بكل قوة ولكن نمد ايدينا للسلم في نفس الوقت.

ولو اردنا أن نشير الى اوضاعنا في العراق حالياً، إنطلاقا مما أشرنا اليه آنفاً، فإن على اخواننا المسؤولين اليوم ان يعرفوا انه لا يمكنهم ان يعتمدوا دوماً على مجرد الشعارات، فإنها وحدها لا تكفي ولاتفيد، وأن لا يعتمدوا أيضاً على أنهم أحق من غيرهم بسبب أو بآخر، بل يجب ان يستعدوا لكل الظروف الصعبة، وهنا نبين على عجالة بصيرتين أساسيتين:

الاولى: الاستعداد المجتمعي، بمعنى أن المجتمع العراقي يجب ان يتحول الى مجتمع منظم، ومؤسساتي، لان المؤسسات والتشكيلات هي أفضل مصادر وأشكال وانواع القوة، وكما يقول الحديث، فإن «يد الله مع الجماعة». وهناك اكثر من صورة او شكل لهذه التشكيلات والمؤسسات المجتمعية، من بينها:

1- التشكيلات الدينية، والحمد لله فان الشعب العراقي الآن لديه مظلّة ومحور في التنظيم لا يفوقه أحد فيه، وهي راية ومظلة الامام الحسين عليه السلام، فالمواكب والهيئات والمؤسسات الحسينية، هذه من أفضل أشكال التنظيم والتشكيل الاجتماعي لأنها في الحقيقة تجعلهم يتمحورون حول أرفع راية في العالم، وهي راية «لا اله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله».. وهنا اوجه كلامي ونصيحتي للمواكب والهيئات الحسينية في كل مكان، و اقول لهم: أيها الاخوة.. إن الامام الحسين عليه السلام، كان يمثل ويحمل معه بصيرتين علينا أن ندركهما: بصيرة الشريعة الالهية، وبصيرة الشعيرة الالهية.. نعم طوبى لهم وحسن مآب من يحييون الشعائر الحسينية، «ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب»، هذا ممتاز، ولكنه وحده لايكفي، فهناك الى جانب الشعائر، شريعة الهية ايضاً، وهي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة والصوم والحج وحقوق الناس، والاصلاح، اصلاح ذات البين، وإصلاح المجتمع وغيرها.

2- منظمات المجتمع المدني بأنواعها. فلابد أن نُفعّل كل انواع التشكيلات والمؤسسات في المجتمع العراقي، اجلسوا وفكروا وخططوا لبناء البلد، وبناء حياتكم ومستقبل اجيالكم.. التفوا حول المخلصين الكفوئين، وهكذا حددوا من هو الأصلح، وادعموه في سبيل الله، في الانتخابات، فإن  نجح نجحتم، وان فشل نجحتم أيضا، فهي تجارب مفيدة وليست سيئة، وقد قلت سابقاً واقول دائماً للكثير من المرشحين، اخلص نيتك لله، حتى تكون ناجحاً حتى وإن لم تفز، فيقول كيف ذلك؟ أقول له: اذا كان عملك ونيتك صادقة في سبيل الله وخدمة عباده، فإنه تعالى يجازيك خير الجزاء في الدنيا او في الآخرة، وربما في كلتيهما.

 وهنا أنوه  وأكرر إننا لا نبرر كل أخطاء الحكومة والسلطة بكل جهاتها، ولكن أقول: ان الناس هم بدورهم عليهم ان يتحملوا مسؤوليتهم، ولا ينتظروا دائما كل شيء من الدولة، عليهم أن  يتوكلوا على الله ويقوموا بدورهم في اصلاح المجتمع، و اعمار البلد، فهو بحاجة الى إعمار وبناء، وبحاجة الى قوة، وهذا ليس من مسؤولية الدولة او السلطة فقط، بل من مسؤولية الشعب أيضا، لاسيما قواه وتنظيماته وتشكيلاته الاجتماعية.

أما كلمتنا للاخوة المسؤولين، فإني وكثيراً منّا نعلم بأن تحمل المسؤولية في مثل هذه الظروف الصعبة والعواصف العاتية التي تأتينا من الشرق والغرب، ومن هنا وهناك ، ليس أمراً هيناً وبسيطا، والله سبحانه  يجازي خيرا كل انسان يدخل في هذه المعمعة بنية صادقة في سبيله تعالى ومن اجل انقاذ وبناء المجتمع والدولة.. ولكن أيها الاخوة، عليكم أن لا تعتمدوا فقط على أنكم على حق؛ فذلك وحده لايكفي، فلابد من الاستعداد و العمل على ارض الواقع، وعدم الاختباء وراء التبريرات والشعارات دائما، فالمجتمع يريد خدمة وواقعا ملموسا، وقد رأيتم ما يجري ولايزال في مصر و تونس وليبيا وغيرها من البلاد، فالناس لايكتفون او يقنعون بأن هؤلاء الذين باتوا يحكمون بلادهم  هم اسلاميون،  وكانوا مضطهدين وفي السجون، أو أن بعضهم لديهم اللحى وماشابه من المظاهر، الناس لا يكتفون ويقنعون بهذه المظاهر، إنما يخرجون في تظاهرات، يريدون خدمة وعملاً من المسؤولين، وأن يروا بلدهم بعدما تولى أولئك الاسلاميون الحكم، بلداً مزدهراً، ينحسر فيه الفساد، ويتحرك اقتصاده الى الامام، وتزداد فرص العمل في المجتمع.

إذن؛ لديكم فرصة ذهبية وفرها لكم الله تعالى لينظر ماذا تعملون، فلا تتوانوا في استخدام كل الوسائل الممكنة لبناء هذا البلد و لخدمة هذا المجتمع، والمستضعفين والفقراء، ولخدمة المناطق المحرومة وتلك التي تسمونها بالتجاوز، فالامكانيات المادية والمعنوية هائلة، والشعب يتعاون معكم بدرجة مقبولة، إن لم تكن ممتازة، فيجب أن نستفيد من ذلك ونوظفه بالشكل السليم، لكي لانهدر هذه الفرص و نستفيق  في المستقبل ولا نجد مثلها.


ارسل لصديق