الحج و صياغة مجتمع المؤسسات
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2013/10/22
القراءات: 754

بسم الله الرحمن الرحيم

{وإِذ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير} (سورة الحج : 26 – 28).

صدق الله العلي العظيم 

 

لماذا نحن المسلمين في حالة تشتت؟ والآخرون يعيشون في عالم يزخر بالمؤسسات على مختلف المستويات، مؤسسات اقتصادية، وسياسية وثقافية، واجتماعية، بينما المسلمون يتشتتون ويتمزقون ويعادي بعضهم بعضاً، وتنتشر فيهم حالات الفراق والنزاع .

فهل هناك أمل في عودة اللحمة إلى الحالة الإسلامية؛ لينهضوا بواقعهم المتردي؟ ومن أين نبدأ؟

إن الحج صياغة جديدة للعالم كله وللعالم الإسلامي بالذات، ونفحة ربانية توحيدية يتعرض لها العالم، وهذه رسالة من الحج إلى الآفاق ومن الحجاج المسلمين في كل مكان، ولكن الرسالة في الحقيقة تخصهم دون غيرهم. فالحجاج نموذج لذلك المجتمع الإسلامي المبُشّر به «مجتمع المؤسسات «. ولكن كيف؟

 

* الكعبة محور حركة الأمة

كل شي بحاجة إلى محور، فالوحدة بحاجة إلى محور، ومحور الوحدة الكعبة المشرفة، أ رأيت كيف ويطوف حولها الحجيج، ويصلون نحوها؟ أرأيت كيف ينظّمون حياتهم باتجاهها، فالكعبة ليس بحجارتها، وإنما بقيمتها الإلهية، وبالحجر الأسود الذي فيها.

لقد أحصيت في القرآن الكريم، كلمة «القيام» جاءت في أكثر من مناسبة، كما «المال» قيام للناس، والإمام قيام للناس، كذلك الكعبة قيام للناس، ففي الحديث الشريف: «الكعبة آمان الله لأهل الأرض، لو هدمت لم يناظروا» ؛ أي لو هُدمت فان أهل الأرض لا يُمهلون، بمعنى يؤخذون بذنوبهم سريعاً؛ لأن الكعبة هي مركزالتوبة والرحمة.

لذا فإن الحاج يذهب إلى الكعبة، وفداً يمثل بلاده وشعبه؛ لكي يلتمس من الله الرحمة، ويحمل هذه الرحمة زاداً إلى الشعوب والبلدان، ولنؤسّس من جديد حياتنا على أساس الكعبة، لأن الكعبة تؤسس الوحدة، وإذا التزمنا بهذا المحور الأساسي أكثر فأكثر ستحقق الوحدة.

 

* القرآن محور ثقافة الأمة

الأمر الآخر؛ إن القرآن الكريم هو الناطق الرسمي عن الله تعالى، الذي يحدثنا عما أمرنا الله به ونهى عنه، وما يجب فعله، ولكن علينا أن نتوجه إلى القرآن بفهم عميق لمراد الله منا، ماذا يريد الله منا نحن البشر والمسلمين والموالين في هذه المرحلة الحاسمة من حياتنا؟

الكتاب الكريم يُقرأ ثلاث قراءات، تارة يقرأ من أجل تهذيب النفس، فإذا مرّ الانسان بآية فيها تحذير من العذاب، يستعيذ بالله من النار، وإذا مر بآية فيها جنة و رزق كريم، استبشر بها ويسأل الله أن يرزقه الجنة، فيصبح القرآن أنساً لك وتهذيباً لنفسك.

ولذا نوصي إخواننا أن لا يختاروا لقراءة القرآن الأوقات الضائعة، وإنما يقرأون القرآن في أفضل الأوقات وحين يكون العقل منفتحاً والروح مقبلة للتدبر في آياته، كما نوصي أن يختموا القرآن الكريم في آيام الحج ولو ختمة واحدة، وأن يختموا القرآن الكريم كل شهر ولو مرة واحدة، ليتحول القرآن الكريم يوم القيامة بالنسبة إليهم شافعاً مشفعاً وقريناً.

 

* النبي وأهل بيته (ص)

هم البيت والقرآن

هنيئاً لمن خدم القرآن، ولمن حفظ القرآن وعلّمه، واهتم بالتفسير والتدبر والعمل في سبيل القرآن، لتصبح له علاقة كبيرة بهذا النور وهذه الرحمة الربانية، والذي هو الوجه الآخر لنور النبي، صلى الله عليه وآله وسلم،  والإئمة، عليهم السلام، فهو القرآن الصامت وهم القرآن الناطق. ونشير هنا لتلك الفلسفة الربانية من خلال الآية الكريمة: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق}، ما معنى الكاف هنا في قوله: ﴿يأتوك ولماذا الكاف؟، نحن لم نر إبراهيم النبي، عليه الصلاة والسلام، وإنما رأينا الكعبة، والآية  الثانية تقول: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ}، يقول «إليهم» ولا يقول «إليه»؛ أي البيت، فمن هؤلاء؟

إذن، حضور الحجيج الى الديار المقدسة من أجل أن تتلمسوا نور القرآن و روح الدين، فحين يقول الله: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق}، يقول تعالى بعدها: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}، فأفضل منفعة تجدها هنا أنك تعرف ربك، فإذا لم تعرف ربك لم تعرف رسولك وإذا لم تعرف نبيك لم تعرف حجتك، وإذا لم تعرف حجتك ضللت عن دينك.

نحن نشهد هذه المنفعة في الحج، فلابد أن نبحث عنها في أعمال الحج: عرفات ومزدلفة ومنى والرمي؛ لكي لا يظل القلب قاسياً ومظلماً ويرجع بدون منفعة.

 

* القرآن وصياغة المجتمع

القراءة الثانية للقرآن الكريم هي قراءة لبناء المجتمع، اقرأ سورة النور، تجد الآيات تدور حول الأسرة الفاضلة،ومثال الأسرة الفاضلة أسرة النبي، صلى الله عليه وآله، و أهل بيته، عليهم السلام: {بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والأصال* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ بَيعٌ عَن ذكِرِ الله}،  وهذا المثل لابد أن يكون نصب عينيك. فالإنسان يستطيع أن يجعل بيته بيت النور والرحمة، إذن نحن نقرأ سورة النور ونتلمس منها الهدى في كيفية بناء الأسرة الصالحة.

 

* القرآن وصياغة الأمة

أما القراءة الثالثة هي لبناء أمتنا. انظر للقرآن الكريم ماذا يقول: {وَإنِّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، ومرة أخرى يقول: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، ومرة أخرى يقول: {كُنتُمْ خَير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالَمعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الُمنكَرِ}، فالقرآن هنا يعطينا صفات الأمة المثالية فيأتي بالمثل الأعلى، وأنت تطبّق ما تستطيع القيام به لكي نصنع خير أمة أخرجت للناس تعمل متعاونة، وتعمل لا لذاتها فقط وإنما من أجل العالم كله.

المسلمون خلال ستة قرون كانوا أكبر أمة في العالم، وكان في العالم شعوب أخرى، ولكن هذه الشعوب كانت متناثرة، والأمة كانت موحدة، ولكن كم حرب وقعت في تلك الفترة؟، وكم إنسان قتل؟، ماذا حدث في العالم؟ كانوا يجمعون زكاتهم ويوزعونها فيما بينهم، وإذا زادت عن حاجتهم بعثوها إلى البلاد الأخرى، كانوا يدعمون المستضعفين ويحققون العدالة في الأرض، لكن هذا التاريخ لا يُقرأ، وإذا قُرئ فهو عن كتابة بأقلام مسمومة.

من هنا يجب أن نقرأ القرآن ثلاث قراءات:

1/ قراءة لتربية أنفسنا.

2/ وقراءة لتنظيم مؤسساتنا.

3/ وقراءة لتنظيم أمتنا.

والذي يهمنا، القراءة الثانية، فلابد للمجتمع أن ينمّي مؤسساته فلا يعيش الواحد بمفرده. أولاً: المؤسسة الأسرية، ثم المؤسسات الأخرى، فلا ينبغي أن يعيش المؤمن بمفرده، إما أن ينتمي لهيئة حسينية أو مؤسسات تهتم بالأيتام أو هيئة ثقافية أو خيرية أو اقتصادية أو اجتماعية، فالعالم عالم الشراكات والمؤسسات، وهو ما يدعو إليه القرآن الكريم: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْابِالَْمرْحَمَةِ}، ويقول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، والقرآن يدعو للتعاون: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى.

والقرآن يدعونا إلى القيم، والقيام بها حسب ظروفنا، فعلى كل العلماء والخطباء والمفكرين والصحفيين والكتّاب أن يوجهوا الناس إلى بناء المجتمع المؤسساتي، ففقدان ذلك هو الذي أضعف وفتك بالمجتمعات والأمة الإسلامية.

 

* الجماعة الممتنعة

أحدهم سألني هل أنت من جماعة الممانعة؟ أم أنت من الموادعة؟ فقلت لا هذا ولا ذاك، أنا من جماعة الممتنعة، نحن نريد أمة قوية، أمة منيعة وعزيزة، وبعدها ترى هل تريد أن تدخل في الممانعة أو الموادعة، أما أنها متشتتة ومتفرقة فلا يمكن أن نحصل على شيء.

ونهيب بإخواننا وخصوصا في العراق، أن يبدأوا البناء من القواعد كما البناية، وما يوجد في تراثنا الإسلامي من حديث عن بناء المؤسسات يفوق حاجة البشرية جمعاء. فعلى الحاج إذن أن يحمل ذلك الزاد والروح من الحج ويتقدّم خطوات نحو بناء المؤسسات.


ارسل لصديق