الانتخابات إحدى العوامل في طريق مكافحة ثقافة الديكتاتورية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2014/03/17
القراءات: 910

الانسان يؤثر في محيطه، والمحيط بالمقابل يؤثر فيه، الانسان يمارس عملاً ويصوغه حسب نظرته وفكره، ولكن ذلك العمل لا يلبث ان يؤثر فيه. مثال ذلك؛ الصلاة، فهي صنيعة الانسان، وتكون حسب مقدار ايمانه، وهي بالمقابل سرعان ما تؤثر فيه، وكذلك العمل السيئ. والامر ينسحب على المحيط، حيث يؤثر في الانسان، وقد يتغير المحيط ولكن بالمقابل قد يبقى الانسان، كفرد وحتى كمجتمع، مستمراً على آثار ذلك المحيط. وعلى سبيل المثال قد يكون هناك دولة قائمة على القهر و الاستبداد والقمع والدكتاتورية، وهذه الدولة يرفضها الناس، ولكنهم يتأثرون بها، وتنعكس ممارساتها و قوانينها وصفاتها واخلاقها، في نفوسهم، وقد تسقط هذه الدولة الى غير رجعة، ولكن تلك الآثار الخبيثة التي توغلت في النفوس تبقى تضر بالناس وحياتهم.

 

* المشكلة الكبرى عند الانسان

لنتدبر في الآيات القرآنية في (سورة الاعراف)، عن بني اسرائيل، حينما اصبح يوسف الصديق، سلام الله عليه، هو الحاكم الاعلى والرجل القوي الذي يُشرف على مقدرات شعب مصر آنذاك. مع اخوته من ابناء يعقوب، عليه السلام، {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (سورة الاعراف /137-140)، فقد عاشت مصر في تلك الفترة في أمن ورفاه اقتصادي متميز، ثم بدأت هذه الحالة تتراجع من بعده شيئاً فشيئاً حتى سيطر الفراعنة مرة اخرى على مصر، فقاموا بترويج عبادة الشمس، وصنعوا معابد الشمس، علماً أنهم ما كانوا يعتقدون بالشمس و القمر ولا يعترفون بالفلك او الطبيعة، انما كانوا يريدون تحقيق مصالحهم الخاصة، لان الشمس التي صوروها ربّاً الى الناس، تتمثل بهم (أي الفراعنة)، ولذا فعلاقة الناس بها تتم عبرهم. ومع مرور الزمن أخذ الناس يعارضون هذه العقيدة الفرعونية، والفراعنة بدورهم اخذوا يعارضون الناس ويحاولون بالقهر والتسلط منع أي اعتراض، ولكن مع ذلك كانت هناك في بني اسرائيل بذور ثورة ضد الانحراف، وكانوا يريدون عودة النضام الايماني ليوسف الصديق، ولذلك بدأ الصراع بينهم وبين الفراعنة الذين استضعفوهم واذاقوهم الامرين. لذا فقد أيد الله سبحانه وتعالى بني اسرائيل و بعث لهم موسى عليه السلام، فجائهم بيده البيضاء، وبعصاه التي ابتعلت ثعابين سحرة فرعون، ومن ثم البحر الذي شقه لهم وانجاهم وخلصهم من فرعون وجنده الى غير رجعة.

هنا؛ تخلّص بني اسرائيل من فرعون و نضامه ليس بقوتهم الذاتية، انما بفضل الله ونصره، انجاهم حيث شق لهم سبحانه بعصا موسى البحر، فدخلوه وساروا على أرض يابسة، ثم دخل فرعون وجنده في اثرهم ولم يخرجوا إلا وهم غرقى في مياه البحر. والعبرة والدرس المهم أن هؤلاء احتفظوا في نفوسهم بثقافة وآثار الفراعنة، تلك الحقبة المظلمة في حياتهم كانت و بقيت تلاحقهم، و ربما لا تزال تلاحقهم لحد الآن، الى درجة أنك قد تجد في قلب وداخل كل واحد منهم في فلسطين اليوم فرعوناً صغيرا، فهم يتفرعنون في المنطقة نتيجة تأثرهم بتلك الروح و الثقافة الفرعونية.

 

* درسٌ للديمقراطية في العراق

نحن نريد ويجب ان نستوحي من هذه الآيات الكريمة، أمراً ينفعنا وينفع بلادنا. ففي العراق حكمت الدكتاتورية فترة طويلة جداً، ولم نشهد في العراق حكومات نظيفة وعادلة، ربما لحظات بعمر الزمن، ربما كانت هنالك ايام او اشهر، جرت فيها نسمة من العدالة والحرية ونفحة من عمل الخير. تلك الحكومات الدكتاتورية التي حكمت بالنار والحديد، والقوانين الظالمة والفاسدة، خلفت آثارها السيئة في المجتمع الى هذا اليوم. وهكذا آثار ذاك الصنم الكبير والحاكم المقبور لعنة الله عليه وعلى من جاء به، ليس انه بمجرد سقوطه أن كل شيء انتهى، كلا. فآثاره وافكاره وثقافته موجودة. فالكتاتورية قد تستنسخ وتستمر لولا اننا جميعا يجب أن ننهض نهضة واحدة، حتى ننقي البلاد والعباد والنفس العراقية من آثار تلك الحقب المظلمة في حياة العراق.

والدكتانور ليس هو المسؤول كفرد، فالدكتاتورية نظام وثقافة، وتسلسل تنظيمي و اجهزة، وهذه الاجهزة قد تمضي ولكن هذا لوحده ليس كافيا. الآن قد رأيتم وعايشتم الثورات في بعض البلاد، فهذه مصر وتونس وليبيا، وهكذا تجارب التاريخ، تجدون أن اكثر الثورات حتى وإن نجحت، لكن للاسف تجد أن الوجوه والصور هي التي تبدلت، و بقي تأثير الدكتاتورية عميقاً ونافذاً.

من هنا نقول: ان النظام الديمقراطي الذي نعيشه في العراق، لعله اقرب الى واقعنا من غيره.. وعلى اقل تقدير هو النظام الممكن في هذه المرحلة وإن كانت لنا تحفظات على كثير من بنوده وآلياته، لكن هذا النظام في الحقيقة لو طبق تطبيقا سليما، ولو كانت النفوس التي تطبقه والتي يطبق عليها على مستوى من المسؤلية والوعي لكانت الديمقراطية وسيلة جيدة للتخلص من آثار الدكتاتورية. والتخلص من هذه الاثار ليست عملية سهلة وبسيطة، لأنها عميقة، لذا فان التخلص منها بحاجة لفترة متطاولة، واجراء انتخابات متعاقبة برلمانية ومحلية للمحافظات او مهنية او انتخابات الاتحادات، كلها يجب ان تكون ضمن مسيرة ممتدة من الشورى والانتخاب، ومن ثم، عمل وبذل جهد مكثف من اجل التخلص من آثار الدكتاتورية. واليوم شعبنا في العراق، على ابواب استحقاق انتخابي، وهذا الاستحقاق يجب ان يستمر، ويجب ان يكون الشعب كله مستعدا له، وأن يكون خفيرا، وليعمل الجميع لكي يبرز من الانتخابات رجال اكفاء صالحون مخلصون يستطعون ان يغيروا الوضع في العراق الى الافضل المنشود.

 

* الديكتاتورية في كل مكان

 ولكن اعود واقول: ان الانتخابات ليست هي وصفة الحل والعلاج كله، بل هي عامل من العوامل واداة وآلية لتحقيق جزء مهم من الهدف، لإن آثار الدكتاتورية ليست خاصة بالجانب السياسي او بالجانب الاداري فقط، كلا، بل إن آثارها عميقة ولابد ان نتخلص من كل تلك الآثار وجذورها. ولو ضربنا أمثلة على ذلك فأن اول اسباب وآثار الدكتاتورية قد نراها في البدء داخل الاسرة وهي الوحدة الاجتماعية الصغيرة، فترى رجلا ومنذ ايام زواجه الاولى يحاول ان يفرض دكتاتوريته على زوجته، ويتناسى أنها مثله، لها حق وكرامة وشخصية، ولايجوز له ابداً ان يتجاوز حقها ويظلمها.

وهكـــــــذا ايــــــضا في الجــــــانب الاسري، تجد المرأة بالمقابل كما الرجل، تمارس دكتاتوريتها على ابنائها، وغالبا ما تجد الكبار في البيت وبالخصوص الأب و الأم يقومون بتحطيم وكسر شخصية ابنائهم منذ الصغر، لدرجة انك قد ترى الطفل الصغير يبكي لأمر ما تجهله، ربما عنده حاجة، ربما أنه متسخ ويريد أحدا أن ينظفه، او انه عطشان او جائع او متألم او به أي شيء آخر، فيعبر عن ذلك بالبكاء، فتجد بعض الأمهات تنهال عليه بالسب والشتم، وتنهره بشدة وربما تضربه ايضا..! بينما النظام الاسري إذا قام على القانون الالهي والشريعة المقدسة، وعلى الاحترام المتبادل والحقوق والعدل، فانه يربي افراداً (رجالاً ونساءً) غير قمعيين وغير دكتاتوريين. وكذا في النظام التربوي والتعليمي، تجد هناك ثقافة الدكتاورية والقمع تمارس على التلاميذ والطلبة بصورة أو اخرى. فهذا المعلم او تلك المدرسة، ربما تتعرض لضنك او مشاكل اجتماعية ومعيشية فتعكس ذلك على تعاملها واسلوبها داخل الصف الدراسي، فيقع الظلم على الطلاب لفظاً او عملاً. وقس على ذلك في الدوائر و مسؤوليها وموظفيها.

إن النظام الذي نريده ونمطح الوصول اليه هو نظام احترام الانسان، واحترام قانون الله، واحترام الاعراف والقيم والنظم الاجتماعية السليمة. هذا النظام ليس المسؤول عنه شخص رئيس الوزاء اورئيس الجمهورية او هذا الشخص او ذاك المسؤول، إنما كلنا مسؤولون، نعم؛ قد تكون مسؤولية البعض اكبر و اوسع و أولى من غيره، لكننا جميعا مسؤولون ان لا نصبح أناساً قمعيين، ومن هنا ننطلق ايضا حتى لا نسمح لأحد اذا اراد ان يصبح قمعياً ان يفرض علينا رأيه وقمعه. هذه هي الحالة التي نحن بحاجة لها، فهذه الاثار السلبية التي تراكمت على ثقافتنا وافكارنا وانظمتنا يجب ان نتخلص منها بشكل جدي على كل المستويات وفي جميع نواحي سلوكنا وحياتنا العامة والخاصة، بل وفي اصغر وادق التفاصيل .


ارسل لصديق