الحرية نعمة.. اذا خسرناها نخسر معها كل شيء
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2014/05/01
القراءات: 1075

الاختلاف بين الناس هي المسألة الكبرى عند البشرية والتي لو كانت هناك بصيرة كافية لحلها والتعامل معها بالتي هي احسن لاستقامت الحياة ولما انحرفت انحرافات كثيرة.

فلماذا خلــــــق الله النــــــاس مختلفين شعوباً وقبائل؟ ولماذا ليس كل الناس على شاكلة واحدة بل كل انسان له سليقة معينة ورؤية معينة؟

هناك من يقول: بأن الناس ما داموا مختلفين ويختلفون دوماً فدعنا نوحدهم بالكلمة او بالسيف، فيمكن أن نجعلهم يلبسون ثياب موحدة، ويتحدثون بلغة واحدة، فتكون حياتهم على نسق واحد بلا اختلاف، بالرضا إن قبلوا، او بالقوة إن رفضوا.

وهناك من يقول: هذه ارادة الله تعالى، والمجتمع البشري كمجتمع الغابة، البقاء فيها للاقوى، فالقوي يأكل الضعيف، فدع الناس يضرب بعضهم بعضاً ويتصارعوا حتى يحكم الاقوى والاقدر ومن ثم فالبقاء للاقوى.

 

* حكمة وهدف التنوع والاختلاف

و لكن ما هي الحقيقة التي تقتنع بها فطرة الانسان ووجدانه وعقله، وايضا تجارب التاريخ، وقبل ذلك الرسالات الألهية؟

الحقيقة ان الله سبحانه، ما خلق الناس على شاكلة واحدة، بل مختلفين و في تنوع، لحكمة، و ابرز حكمة يبينها القرأن الكريم في آيتين، آية في «سورة الحجرات»، والآية (47 و48) من «سورة المائدة».

ففي سورة الحجرات يقول ربنا سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى..}، بمعنى؛ مصنع واحد، أب واحد و أم واحدة، ثم يقول تعالى بعد هذا: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، فالهدف هو التعارف. وحينما يتعرف الناس بعضهم على بعض يكتشفوا طاقات بعضهم بعضاً، هذه الطاقات والاذواق والطبائع والقدرات المختلفة فيما بين الناس، لها هدف وغاية، وبالمحصلة يتكامل الناس فيما بينهم، في حياتهم وفي بناء حضارتهم، فكل له دور يؤديه مختلف عن الآخر، ولو وضعت هذا مكان ذاك في اداء هذا الدور لفشل. و الان، يقال أن افضل أنواع التربية والتعليم في العالم هي التعليم والتربية التخصصية التي تتناسب مع قدرات وميول وطبيعة هذا الانسان او ذاك، بنفسه وبشخصه. ولذا فان الناس بهذا التنوع والاختلاف فيما بينهم، وإذا تعارفوا واكتشفوا بعضهم بعضاً، يتكاملوا، واذا تكاملوا أدوا المهمة والدور على افضل وجه.

ان الهدف والتدبير في خليقة الله تعالى تجده في هذا الانسان الذي هو قمة الخليقة وقد خلقه الله في احسن تقويم. كما أن الهدف الثاني الذي يبينه القرآن الكريم، هو ان الانسان في حالات التساوي والتشابه المطلق لا يستخرج طاقاته وقدراته، ولا يعود لديه حافز ودافع للتنافس، و الحركة والتطور والابداع والتقدم. لنضرب مثلاً من واقعنا الاجتماعي والسياسي اليوم، وهي الانتخابات البرلمانية.. فلو كانت هناك قائمة واحدة في العراق، لما شارك و ذهب أحد للتصويت، وحتى لو قاموا بتشجيع الناس ورغّبوهم بمكسب او بشىء ما، او بحرمانهم منه إذا لم يشاركوا، لربما يمكن أن يجعلوا الناس تذهب وتنتخب، ولكن بكل تأكيد سيكون ذلك بلا حماس واقتناع وتحفز وتطلع.

 

* الحرية والتنافس .. من قيم الدين الأساسية

السؤال هنا؛ كيف يمكننا استخراج تلكم الطاقات والقدرات ؟

الجواب؛ بالحرية.. فمن دون حرية يكون الوضع مثل ما هو في الصين أيام «ماوتسي تونغ»، او في الاتحاد السوفيتي، لا تتبلور ولا تتفجر الطاقات والابداعات، ولا يتقدم الشعب لعدم وجود أي نوع من التنافس الحر والضروري.

فالتنافس والحرية، من القيم و الاهداف الاساس في الدين، والله سبحانه وتعالى جعل حرية الانسان جزءاً اساس في كيانه وحياته، بل جعل الانسان خفيراً على حريته ومن الواجب عليه ان يحافظ على هذه الحرية، وليس له حق أن يتنازل عن حريته، وكما يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تكن عبداً لغيرك وقد خلقك الله حرّاً». كما أن الله نهانا أن نُكرِه و نجبر الناس حتى على الدين و قال سبحانه: ﴿لا اكراه في الدين. فالله تعالى، ما اكره ولا يكره الناس ويجبرهم، فهل يسمح لك ولي بذلك؟!

 و جاء في كتب السيرة والحديث والتاريخ أن أمير المؤمنين، سلام الله عليه، مر على دير او كنيسة وأخذ ينظر اليها، فقال له احدهم، ولعله كان من الخوارج، ومن نظراء هؤلاء المتطرفين الذين يكفرون الناس ويقتلونهم، ويهدمون الكنائس، فضلا عن المساجد. قال: «لطالما عُصي الله ها هنا..» وفي نص آخر «لطالما كُفر بالله ها هنا..»، فرد الامام عليه السلام، عليه: «لطالما عُبد الله ها هنا».

وبالعودة الى الآية الكريمة من سورة المائدة يقول تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، فلماذا لكل جماعة منهم عنده شرعة ومنهاجاً ؟ الجواب: ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم، بمعنى يمتحنكم ويستخرج من داخلكم، كنوزكم التي اودعها فيكم، ففي كل انسان معدن وكنز يجب أن يستخرجه، والمرحلة اللاحقة هي: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات}، وكما في آية اخرى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ثم في الختام يقول تعالى: {إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}. فهذه الخلافات مردها الى الله تعالى هو يحلها ويحكم فيها كلها يوم القيامة.

 

* الحرية نعمة الله .. فلنحسن استثمارها

 نحن نتحدث هنا وعيننا على بلدنا العراق، و اقول: إكمالاً لحديثنا في الاسبوع الماضي، أن الحرية في العراق هبة الله سبحانه وتعالى، وفَّر هذه الحرية لكم كما وفر سائر النعم، فكيف نستفيد من هذه الحرية؟ اذا احسنّا ضيافة هذه النعمة الربانية، دامت ونفعتنا، أما اذا قمنا باستغلالها بصورة خاطئة فإنها تنحسر وربما تذهب ايضا سائر النعم معها، سمّوها «ديمقراطية» او «احزاب» و «انتخابات حرة»، لا ضير، فالحرية تتشكل في كل منطقة او بلد بشاكلة معينة ولها صيغ مختلفة، ولكن المهم الجوهر والمضمون والهدف وكيفية الاستفادة منها والحفاظ عليها، ولو سألتك انت أيها الاخ الذي عشت ايام الطاغية صدام، هل كان بامكانك - ونحن معك- أن نجلس في هذا المسجد ونتحدث بهذا؟ و اساسا هل كان يمكن ان نبني هذا المسجد؟! إذن؛ فهل الحرية من أجل الاقتتال والصراع فيما بيننا؟

هنا اقول لجميع اخواننا في العراق، وبالذات السياسيين: لا يجوز للانسان ان ينهش في لحم أخيه بالتهم والغيبة والتسقيط، بل و اكثر من هذا اقول: لا يجوز لك ان تحمل عمله على محمل السوء وانت تستطيع ان تحمله على خير، ألا نستمع ونتدبر في خطاب ربنا سبحانه وتعالى إذا يقول بكل صراحة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}. لذا أقول من هذا المنبر إن الحرية للاسف الشديد تستغل بصورة معكوسة من بعض الناس، ومن بعض الفضائيات والصحف، ومن بعض المنابر و الخطباء أيضاً.

 

* الانتخابات.. إتعضوا ودعوا الاساليب الهدامة

الحرية ما جاءت لكي تنشر الكراهية في المجتمع وحالة التمزق والفرقة فيه، سواء بين افراد الناس او الجماعات، او عبر الطوائف او بعض الاتجاهات السياسية، فهذا أمر غير مقبول وله نتائج سيئة بعيدة كل البعد عن قيم ومقاصد الحرية.

 

* ايها الاخوة..

 دعوا هذه الاساليب الهدامة. احملوا بعضكم البعض على محمل الخير و المحبة. توافقوا على ميثاق شرف بينكم والتزموا به على أن لا تنهشوا لحوم بعضكم بعضاً، إن خيرات العراق تشمل و تسع الجميع، العدل يسع الجميع، قيم التعاون المحبة تسع الجميع، وكل ذلك كفيل لنا لو التزمنا به بان لا نحترب ويضرب بعضنا بعضا، فنهدم بلدنا، ولكم في سوريا والسودان وجنوبه والصومال وغيرها، عبرة وعظة لكم، و ما اكثر العبر، و»السعيد من اتعض بغيره» كما يقول الحديث الشريف. و انني ادعو نفسي، و اخواني العلماء والخطباء، وكل اخوتنا الموجودين في الساحة من سياسيين وغيرهم، ان نتأمل ونفكر ونعيد النظر في طريقة تحدثنا عن الآخرين، لتكن طريقة مهذبة، طريق الالتزام بالخلق الرفيع و احترام الآخر وحسن الظن به.


ارسل لصديق