شهر رمضان المبارك.. النهضة والإنبعاث والتحدي
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2014/07/08
القراءات: 827

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}. (سورة البقرة/ 250-251). من مميزات شهر رمضان المبارك أن المؤمنين يواجهون أعداءهم فيه بروح معنوية عالية. ولم يكن من الصدفة أن الحروب الكبرى التي خاضها المسلمون المؤمنون وانتصروا فيها، قد وقعت في شهر رمضان الكريم، ذلك لأن الله جل جلاله يرفد المؤمنين في هذا الشهر زخماً معنوياً وبركة وقدرة هائلة تمكنهم من التصدي والتحدي.

ففي معركة بدر المظفرة، حيث كان المسلمون أقلية ضعيفة وفقيرة، حدث أنهم انتصروا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين. إذ ان هذه المعركة كانت من الطرف الإسلامي تحت قيادة الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وفي شهر الله المبارك.

إن الرجل ليستطيع إلحاق الهزيمة بأقوى أعدائه بشرط أن يزود نفسه بالإرادة اللازمة، نظراً لأن الحرب بحقيقتها هي حرب إرادات قبل أن تكون حرب وسائل مادية ومواقع جغرافية. كما يستطيع الرجل ان يشحذ العزم ويقوي الإرادة ويعقد الهمة بالتوكل على خالقه ذي الجلال والإكرام والكبرياء والعظمة والجبروت؛ أي إنه يعلق إرادته بمصدر القوة والظهور والغلبة. هذا من ناحية التوكل، أما من ناحية التأثير المباشر الذي يضيفه شهر رمضان على روح الإنسان المؤمن، فيمكن التعبير عنه بأنه إذا صام وكف نفسه عن المحرمات فقد قويت إرادته، وتنزلت عليه الرحمة من ربه بعد أن وطد علاقته بالله وأعلن دعاءه وتواضعه وتوسله وضراعته له.

ويضرب الله لنا المثل الرائع في قصة بني إسرائيل وملكهم طالوت، الذين برزوا للطاغية جالوت، وحيث أصبحت المعركة وشيكة الوقوع، قال المؤمنون متضرعين إلى ربهم القوي العزيز: {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}، فهم لم يطلبوا إليه هزيمة عدوهم بصورة طبيعية، بل طلبوا إليه أن يقوي أنفسهم بالصبر ليلحقوا هم بأنفسهم الهزيمة بعدوهم بتوفيق وإذن الله. ثم قالوا متوسلين: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}، لتكون كل جوارحهم وكل وجودهم رؤية صحيحة على أرضية من اليقين، إذ اليقين والرؤية الصحيحة والثاقبة من شأنهما تثبيت قدم الإنسان.

 

* شهر التبليغ الرسالي

في شهر رمضان المبارك يجد الكثير من علماء الاسلام، والدعاة الى الله تعالى، والقادة الى سبيله، والمصلحون فرصة التبشير والانذار، وتوعية الامة، وإحياء المفاهيم الاسلامية. ولا ريب ان هذه الفرصة - لو خطط لها تخطيطاً شاملاً ودقيقاً- لكانت فوائدها اكبر مما لو تركت من دون تخطيط. عندما يجتمع الخطباء والكتّاب والمفكرون على خطة معينة، تكثفت الفكرة لدى الجمهور، وتركزت الى درجة الانطلاق والعمل. فعندما يحضر المستمعون في اكثر من مجلس ويستمعون الى نفس التوجيهات، ويلاحظون ذات التركيز باساليب وصور مختلفة دون الاختلاف في الجوهر، لتحركوا في اتجاه واحد. ومن هنا نجد ان من الضروري ان يتجه خطباؤنا ومفكرونا، وكل من يحاول ان يقوم بدور توجيهي في مثل هذا الاتجاه، وهو التخطيط الشامل والموحد لأحاديثهم.

 

* تحديد المشكلة الحقيقية للامة

من أهم الأمور، واكثرها شمولية ونفعاً، ان نحدد المشكلة الحقيقية التي تعاني منها الامة تحديداً دقيقاً ونحاول معالجتها، فما هي هذه المشكلة ياترى؟

ان البعض يزعم ان المشكلة الحقيقية في الامة انما هي مشكلة الافراد، لان المجتمع يتكون -على أية حال- من مجموعة من الافراد. وللجواب على ذلك نقول: صحيح ان للفرد دوراً هاماً في بناء المجتمع، ولكنه ليس الدور الوحيد. لان طبيعة العلاقات الاجتماعية ونوعيتها وكيفية بنائها، كل ذلك يلعب دوراً حاسماً في تحديد نوعية المجتمع، وسيره في اتجاه دون آخر. فالمجتمع الذي تسوده الاختلافات لا يمكنه الانتفاع من الافراد الصالحين، لان هؤلاء الاشخاص، مهما بلغوا من الصلاح، ومهما كانت نشاطاتهم واسعة ومكثفة، فان جهودهم ستتعارض مع بعضها البعض. فما فائدة الافراد الصالحين -اذن- في مجتمع يفتقر الى العلاقات الاجتماعية البناءة؟ ان مثل هذا المجتمع يشبه الى حد كبير مجموعة من السيارات الفاخرة التي يقودها سواق مهرة، ثم تسير في شوارع ليس فيها اشارات مرور، فاذا بعضها يسير في اتجاه والآخر يسير في اتجاه آخر، واذا بالفوضى تسود الشوارع لانه لا توجد اشارات مرور تنظّم سيرها مهما بلغت من القوة والمتانة، ومهما بلغ سواقها من المهارة.  وهكذا الحال بالنسبة الى المجتمع الذي يرتبط افراده ببعضهم عبر علاقات صالحة، فيكمل بعضهم بعضا، ويشجّع بعضهم بعضا، ويتعاونون فيما بينهم. فلا تتزاحم طاقاتهم، ولاتتناقض اتجاهاتهم، ولاتتعارض شخصياتهم، وهذا هو المجتمع النموذجي الكامل. اما المجتمع الذي يفقد هذه الخصائص او بعضها، فانه سوف لاينجح مهما بلغ صلاح افراده. فالمجتمع الذي لا يقبل التحدي - مثلاً - او يرفض الحرب دفاعاً عن قيمه وشخصيته وكيانه، فانه زائل لامحالة. وكذلك الحال بالنسبة الى المجتمع الذي يحارب، ولكن ليس من أجل القيم والمبادئ، بل بسبب الانفعالات الوقتية فانه - بدوره - مضمحل وزائل.

 

* قيم الرسالة في حياتنا الاجتماعية

أرى ان المشكلة التي نعاني منها - نحن المسلمون - هي مشكلة اجتماعية بالدرجة الاولى. فنحن لم نلتزم بالقيم الاسلامية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها في حياتنا الاجتماعية. فقد يكون الافراد صالحون، ولكن صلاحهم يبقى أثره محدوداً في واقعهم، دون ان ينتقل الى واقع المجتمع وواقع السياسة والاقتصاد في حياتهم. وفيما يلي نورد آيات كريمة من سورة الشورى، محاولين ان نقيس عليها اوضاعنا الراهنة، ونستخلص منها بصائر لمعالجة هذه الاوضاع: {فَمَآ أُوتِيتُم مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. (سورة الشورى / 36 - 41)

ان الله - تبارك وتعالى- يقرر في هذه الآيات منذ البدء، أن وجهة المجتمع الاسلامي، لابد ان تكون وجهة الهية يتطلع فيها الجميع الى مرضاته. فما يمتلك الانسان من اشياء فيها متعة وفائدة يجب ان تكون سبباً لأن تكون نظرته الى الحياة أسمى، فعليه ان يوجه نظرته الى الله سبحانه وتعالى، والى الحياة الاخرى، لان هذه الحياة، {خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. فاذا كانت وجهة المجتمع سامية تتطلع نحو الأرفع والأعلى وهي الآخرة، فان هذا المجتمع لا يمكن ان تؤثر فيه الضغوط، لان أبناءه لو طلب منهم التنازل عن كل ما يمتلكون ليحصلوا على رضوان الله تعالى وحبه وجنته، فانهم سيبادرون الى التنازل طواعية ومن دون أي تردد.

أولاً: التوكل على الله

ومن صفات افراد المجتمع الاسلامي انهــــــــم ﴿عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وهــــــــــذه هي صفتهم السامية. ومن صفاتهم الاخرى، تلك التي يشير اليها عز وجل في قوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}. فهذا المجتمع ذو ظاهر وباطن نقيين طاهرين. فلا وجود فيه للزنا والخمر والظلم والبغي والرشوة. اما علاقة افراده ببعضهم البعض فهي علاقة الغفران، فاذا ما غضب أحدهم على الآخر فانه سرعان ما يغفر له، ويصفح عن خطئه.

ثانياً: الشورى

وفي مجال العلاقات الاجتماعية، من الواجب تحكيم مبدأ الشورى، كما يشير الى ذلك ربنا عز وجل في قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. وهذه الشورى يجب ان تسود ابتداءً من البيت؛ ففي داخل نطاق الاسرة يجب ان تكون العلاقة السائدة هي علاقة الشورى؛ فالأب يستشير ابناءه، والأبناء يستشيرون آباءهم، وكذلك الحال بالنسبة الى الأمهات. ومثل هذه العلاقة يجب ان تستمر لتمتد الى المجتمع، ولتصبح الشورى هي العلاقة المتبادلة بين أبنائه، وبين الامة وقيادتها. والمجتمع الاسلامي هو مجتمع يأخذ حقه من الاعداء، ولا يدعهم يعتدون عليه، كما تصرح بذلك الآية التالية: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ}. ثم يقول الله تعالى: ﴿وَجَزآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. فلا يجوز لنا ان نجازي اعداءنا على سيئتهم بحسنة. واما العلاقة بين افراد المجتمع الاسلامي، فيجب ان يسودها قانون : {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَاَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. فالعلاقة بين بعضنا البعض يجب ان تكون علاقة عفو وإصلاح.


ارسل لصديق