الحرب، نصفها مع العدو الخارجي ونصفها الآخر مع النفس
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2014/10/21
القراءات: 637

يقـــــول ربنا تعـــــالى في آخـــــر «سورة العنكبوت»:

 بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).

صدق الله العلي العظيم

 الدنيا التي نعيش فيها، قائمة على قواعد ثابتة أرساها الله - تعالى - على أنظمة دقيقة، وعلى قيم عادلة. ولو افترضنا ان الانسان استطاع ان يحلق في هذه الاعماق الواسعة الرحيبة من حول الارض و وصل الى آخر نقطةٍ في العالم المحيط بنا، وذهب الى كوكب آخر، لن يجد هناك غير هذه القوانين التي تحكم كوكبنا. كـــــل مجتمع، وكل أمة، وكل مجموعة من البشر، اذا عرفوا هذه الحقيقة الناصعة ونظّموا حياتهم على أساسها، يضمنوا الراحة والاستقرار. فالذي يمشي على طريق الله المستقيم الذي أمر به، وطريق الحق والقيم العادلة، فإن ربنا سبحانه وتعالى يبين ان من يمشي على هذا الطريق، يكون من «غير المغضوب عليهم ولا الضالين». أما الانسان الذي يمشي على غير هدىً في طريقٍ صحراويٍ او جبليٍ غير معبّد، فان هناك اكثر من هاوية واكثر من خطر ممكن ان يحدق به. والسؤال: ما هو الطريق الاجدى والأنفع في سبيل ان نضبط انفسنا على هذه القيم؟

الإنسان في كثير من الاحيان تأخذه العصبيات وتقوده الشهوات ويعيش في موجة من ردود الافعال، والمهاتـــــرات وتراشـــــق الاتهامـــــات والتسقيط،  فيبتعد عن القيم و الصراط المستقيم، ولكي نبقى على الجادة المستقيمة ولا نبتعد عن القيم،  يجب ان نفهم سنن واهداف التنافس في الحياة. ومنها، وجود الصراع الخفي والتنافس بين بني البشر، ولكن ليس بهدف الاقتتال، إنما الاكتمال، فيكمل بعضهم بعضاً، ويقوم كلٌ منهم بوظيفة ودور معيّن يتكامل مع دور الآخرين. ولضبط هذا الصراع والتنافس، ووضعه في سياقه السليم وتحقيق الهدف منه يأمرنا ربنا سبحانه بالاستباق والمسارعة الى الخيرات والتنافس في سبيل الوصول الى الحق، بالتعاون والتعارف وهدف كل ذلك إيجاد نوع من الانسجام بين الفئات المختلفة داخل المجتمع.

 

* اكتشاف نقاط الضعف

و من نتائج سنّة الاختلاف وهذا الصراع الخفي والتنافس بين الفرقاء في الحياة، إكتشاف الإنسان، فرادا وجماعات، لإخطاءه وضعفه، ومن ثم تدارك ذلك بالمعالجة وتطوير وضعه. من خلال التنافس يطور الناس انفسهم ويكتشفوا أخطائهم، وهكذا كل سياسي يفترض به أنه يكتشف خطأه حينما يفشل، سواء في الانتخابات، او من خلال ممارسته للمسؤولية، وهكذا هي كل مجالات الحياة لباقي الناس. لذا فالاستباق والتنافس والصراع هو طريقة لمعرفة الاخطاء و نقاط الضعف ومعالجتها، ومن ابرز الحالات في ذلك هي  الحرب، فهي القمة في كشف الضعف و الاخطاء عند الانسان. 

نحن في العراق اكتشفنا نقاط ضعفنا، و يجب أن نتعلم الدرس ونأخذ العبرة مما حصل في الايام 11 و12 و13 من شهر شعبان المعظم، عندما وقعت محافظة نينوى ومناطق اخرى بيد عناصر تنظيم «داعش»، فقد كشفت تلك الايام نقاط الضعف في جيشنا وطبيعة قراراتنا  وطبيعة وحقيقة هذا وذاك من المدّعين. ولكن مقابل تلك الايام التي كشفت السوءات والثغرات هناك أيضاً أيام 14 و15 من نفس شهر شعبان المعظم، وما بعدها، عندما أظهر هذا الشعب بطولته وركائزه الايمانية، يوم نادى المنادي من المراجع و العلماء، فهبّ الشعب كباراً وصغاراً نساءاً ورجالاً للدفاع عن دينهم وعن قضيتهم ووطنهم ومقدساتهم ولا يزالون. وما بين أيام الغفلة والتعثّر السيئة و حالة الانكماش و الضعف، و أيام الانطلاق و النهوض وتلبية النداء، اصبح لدينا نوع من  التوازن ما بين كفتي السلبيات والايجابيات وكلاهما مستمرة.

 

* تصحيح وتقويم ذاتي

نحن في العراق، لم نكن نحتاج الى اربعين دولة تجتمع في باريس او جدة او غيرهما  ليقرروا مصير العراق و مصير داعش فقد كان علينا في العراق ان تتم المبادرة منا قبل ذلك ولكن تلكؤنا دعا الاخرين  الى ان يستغلوا الوضع ويتحركوا وفق اجنداتهم... يجب أن نفكر ونتعلم من اخطائنا وعللها ونتسائل ما هي نقطة الضعف في بلدنا كعراقيين امام داعش و امثالها حتى يتم استدعاء أربعين دولة لكي تدعم العراق كما يقولون..! لماذا نحن  بحاجة  لكي نستجدي العون و النصر من هذا وذاك؟ هل قليلٌ عديد شعبنا؟ وهل هنالك قلّة في امكانياتنا المادية؟ وهل نظامنا وحكومتنا أقل شعبيةً من الحكومة السورية - مثلاً- حيث صمد الجيش وهو يقاوم الارهاب مع الشعب السوري، منذ اكثر من 3سنوات دون مؤتمرات لتحالف ودعم من 40 دولة ولا 10 دولة حتى؟  فما هي مشكلتنا؟

هنا ندرك إننا عبر الجهاد وعبر التضحيات وعبر التحدي نكتشف مشاكلنا، لذا فان أول نقطة مهمّة، أن نعمل جدّياً في إعادة النظر في أخلاقنا و ثقافتنا و افكارنا، فالحرب نصفها فقط مع عدوك ونصفها الآخر مع نفسك، فتلك مع عدوك هي الجهاد الاصغر الذي لن ننجح فيه إلا بنجاحنا في الجهاد الاكبر، وهو في ميدان انفسنا كما ورد في الحديث عن النبي الاكرم، صلى الله عليه وأله وسلم، وهو الذي حينما يكون مع المجاهدين في ساحة المواجهة ما كان يحدثهم عن المعركة فقط ، بل  يحدثهم عن الصلاة و الصيام والاخلاق والآخرة وعن كل الحقائق. فكثير من اخبار الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، والروايات حول الاخلاق و الصلاة والصوم وغيرها كثير، إنما جاءت في اثناء الحرب مع الاعداء، وفي أثناء ذهابهم و إيابهم، بمعنى أن الحرب  كانت مدرسة.

من هنا نقول أولاً: الى قواتنا في الحشود الشعبية والنظامية.. أيها الاخوة..! أين ما كنتم، حوّلوا الجبهة مع العدو الى مدرسة لتعلّم وفهم السنن والقيم الالهية، وليكن جهادكم ليس مدرسة للقتال فقط، بل مدرسة للاخلاق وللسياسة والتخطيط والفكـــــر والتعـــــاون والتكامل وانطلاقة للتقدم، ففي هذا الجهاد هداية لسبل الحياة والسلام كما يقول تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.

ثانياً: هذه المعركة والمواجهة التي يخوضها شعبنا ضد اعدائه من «الدواعش» وحلفائهم ومن يقف خلفهم هي في المحصلة معركة إرادات وعلى مختلف المستويات ومعركة الارادات هذه بحاجة الى تعبئة دائمة. صحيح ان العلماء والحوزات العلمية والسياسيين الكبار قاموا بدور يُشكرون عليه في تعبئة الناس وتقوية ارادتهم وحيويتهم، ولكن الحرب لم تنته بعد حتى يسكتوا، انها مستمرة وعلينا أن نواصل التعبئة والاستعداد ولا نستكين و نصاب بالغفلة والتراخي، فعلينا جميعا لاسيما من السياسيين والعلماء وغيرهم من القيادات، أن  يخرجوا من قوقعة البحث عن المكاسب و المصالح والمنافع الذاتية وضيق الأفق ويرتفعوا الى مستوى حيوية وتضحية شعبنا و ما يواجه بلدنا ومصيرنا من تحديات، فالحرب على شعبنا وبلدنا ومستقبلنا ومقدساتنا مستمرة، وما دامت مستمرة، يجب أن تستمر التعبئة وتقوية إرادة وحيوية الناس.

ثالثاً: نقول ايضاً للساسة والنواب وذوي العلاقة والمسؤولين في ادارة هذا البلد: من المعيب والمخزي أن تستمر آفة الفساد المالي والاداري و أن يبقى بلدنا مصنفاً في آخر ما تسمى بقائمة ونظام الشفافية في العالم، حيث تهدر اموال الشعب منذ سنوات والى الآن، وتسرق وتتسرب بالمليارات الى حيث لا يعرف هذا الشعب المضحي الصابر، بدلاً من أن يكون العراق مثلاً لمكافحة الفساد وللنصيحة وللضبط الاداري والادارة النزيهة والتطبيق الصحيح للقوانين. فحتى مع هذه الحرب والمواجهة العسكرية والامنية التي نخوضها مع الارهاب، يجب أن نأخذ العبرة ونعالج آفة الفساد و نكتشف ونشخص أي قائد و مسؤول «ذو يد عوجاء سارقة» و أي قائد ومسؤول له يد مستقيمة نزيهة.

وفي الختام اقول يجب أن ننبه بكل جدية الى حربنا ومواجهتنا مع العدو، فارهابه ومخططاته لم تنته، وهي مستمرة، يقول الامام علي، عليه السلام: «صاحب الحرب لا ينام وإن نام لم يُنم عنه». فعلينا الحذر واليقظة والاستعداد حتى لا نتفاجأ مرة اخرى بعدونا ونحن نائمين غافلين كما حصل في نينوى وغيرها، حين وهنت وتلاشت فرقنا العسكرية واستفاد عدونا من اسلحتنا ليهاجم بها مدننا ويقتل شعبنا، وأن لا نركن الى الدعة او الاعتماد على هذا الطرف الخارجي او ذاك. وبالمحصلة مما جرى ولا يزال، علينا ان نعمل من اجل التخطيط الايجابي وان نكتشف أخطائنا سواءً على مستوى السياسة او الأمن وعلى مستوى ادارة المعركة ككل وعلى كافة  الجبهات والمستويات والميادين.


ارسل لصديق