التراث الأموي أضاع فرصة التغيير على الشعوب العربية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2015/01/27
القراءات: 644

  

بسم الله الرحمن الرحيم

 

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ * لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}. (سورة المائدة، 77- 78)

 

صدق الله العلي العظيم

 

لماذا فشل - أو كاد- التيار المسمّى «الاسلام السياسي» في مصر وتونس وليبيا، وايضاً في سوريا وفي نيجيريا وفي الصومال...؟ و لماذا بات هؤلاء... يعكسون صورة بشعة، ليس فقط عن الاسلام، وإنما عن أي تيار سياسي آخر؟

في تونس فقـــــدوا السلطة وسلّموها لشخص مـــــن أركـــــان النظام السابق، فأصبحت الحكومات السابقة، مثل حكومة «بن علي» و حكومة «بورقيبة»، هي التي تعود الى الواجهة ولكن بصورة جديدة.

وهكذا في مصر، تعود الى الواجهة وجوه متقاربة او متطابقة مع الوجوه السابقة.

أما في ليبيا، فحدّث ولا حرج... حيث تكاد ليبيا أن تغرق في بحار من الدماء. وكذا في سوريا وفي الصومال، ليست هناك حرب أهلية فقط، وإنما حالة من الصراع الدامي والمستمر في كل قرية وفي كل مدينة.

لماذا يحصل كل هذا...؟ أليس دين الله جاء لإنقاذ البشر؟ أليس دين الله كسفينة نوح؟ فأين هذه السفينة؟ لماذا غرقت السفينة وغرق معها ركّابها؟!

السبب في ذلك أن الذي جرى على الأمة الاسلامية هو بالضبط الذي جرى على الامم السابقة، فالامم السابقة، وفي الأيام التي عاصروا فيها الانبياء و رسُل السماء، كانت مشكلة الناس في معارضتهم للدين، ثم لمّا فشلوا في ذلك، استوعبوه، لكن بشكل ظاهر، وبعد أن غيّروا واقع وجوهر الدين، وحسب تعبير أمير المؤمنين، سلام الله عليه، فان الدين «لـُبس لِبسَ الفروّ مقلوباً»، وكما قال نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يخاطب ويحذر وينبّه المسلمين من «انكم سوف تتبعون بني اسرائيل في كل شيء كحذو القذّة بالقذّة ولو أنهم دخلوا جحراً لدخلتموه...».

 

* محاولات لإعادة «الإسلام الأموي»

لقد كان مصير بني اسرائيل في تيه وضلال وتشرذم في آفاق في العالم، حيث لم ينقذهم ولم يوحدهم الدين الإلهي الذي أُرسل به اليهم على يد نبي الله موسى وعيسى، عليهما السلام، وذلك لأنهم أخذوا ظواهر الدين وتركوا مضمونه وجوهره و واقعه، بل بدلوه وحرّفوه.

وربنا تعالى في «سورة المائدة» يخاطبهم ويقول: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ}، فالدين كبناء متكامل ومتين، اذا تم الغلو في جانب منه فمعناه النقص في جانب آخر، وبالتالي يتعرض للتشوّه، ولا يكون وسيلة للهداية.

ثم ربنا سبحانه وتعالى يبيّن جانباً من الاخطاء التي ارتكبت عندهم، ويقول: {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}. فاليهود والنصارى حدث انهم اتبعوا الافكار التي كانت شائعة من قبل وهي الافكار التي تسمّى بـ «الامثال الفلسفية»، فأخذوا فلسفة اليونان وطبّقوها على حياتهم وآمنوا بـ «الغنوص» وآمنوا بـ»الحَلول» وآمنوا بتعدد الآلهة، و كما كان ايضاً في عهد اليونان.

وللأسف، فإن هذا شيء حصل عند المسلمين، والمثال الجلي لذلك، هو الحزب الاموي، عندما حكم المسلمين، فكل شيء اسمه دين عندهم، كان بالحقيقة، ضد الدين...! فالصلاة أصبحت ضد الصلاة، والجمعة ضد الجمعة، والجهاد ضد الجهاد، وبالنتيجة حصل أن «لبس الاسلام لبس الفرو مقلوباً». فالجهاد ومقاتلة العدو الكافر المتعدي، أصبح جهاداً وقتالاً ضد أهل البيت، عليهم السلام، ومنها كانت المعركة في كربلاء واستشهاد الامام الحسين، عليه السلام. وكذا صلاتهم؛ كانت «مُكاءً وتصدية»، فقد أبقوا على ظواهر الدين، لكن غيروا واقعه وجوهره. ومع الاسف الشديد فإن تراث بني أمية لا يزال موجوداً، حيث النظرة الخاطئة، بل والمقلوبة الى الدين، وما دام هذا التراث وهذه النظرة الخاطئة موجودة بين المسلمين، ويبقى التيّار السياسي - الاسلامي، عاجزاً عن التخلّص منه، فان النتائج لن تكون افضل مما حدث ويحدث في مصر وتونس وليبيا وسوريا وباقي البلدان.

تنتصرون، لأنكم تقاتلون بإيمان خالص عن دين خالص.

قبل عدة أيام كان ذكرى ميلاد النبي عيسى، عليه وعلى نبينا الاكرم وآله افضل الصلاة والسلام، وقد تمت احتفالات غريبة في اكثر من مكان، وبالخصوص في «دبي» حيث قالت التقارير انه تم إنفاق نحو نصف مليار دولار على إطلاق العاب نارية تبخرت في الجو خلال خمس دقائق تقريبا...! وبالمقابل رأينا ماذا فعل الدواعش حينما احتفل المؤمنون في اليمن بذكرى مولد نبينا الاكرم، حيث قاموا بإقتحام مكان الاحتفال، من خلال رجل انتحاري وفجر نفسه وقتل وجرح العشرات من الابرياء، لانهم كانوا يقرأون المدائح للنبي...! فهذا يمثل صورة للاسلام الداعشي - الاموي الذي ينجح ابداً.

هذه الدرجة من الحقد والعصبية التي تعكس عمق الأموية - الجاهلية، هي التي تفصل الامة عن التفكير، لذا لن ينجح هذا «الاسلام المُدّعى» في الامة، كما لم ينجح أولئك الذين حرفوا دين اليهودية والمسيحية.

من هذا المنطلق نتوجه الى أبنائنا المجاهدين الذين يواجهون الدواعش في ساحات القتال، بأنكم من الناحية الظاهرية تواجهون «داعش» بما لديكم من امكانات، بيد أن الذي يهمنا أنكم تدافعون عن الاسلام الحق، لذلك تنجحون. وانتم؛ أيها الجنود الأشاوس في القوات العسكرية والأمنية العراقية، أيها المجاهدون في صفوف الحشد الشعبي، يا إخواننا في الكتائب، وفي «سرايا السلام»، وفي «في العصائب»، وفي «ألوية الامام الحسين»، عليه السلام، وفي «ألوية الكرامة»، يا إخواني المجاهدين في كل الفصائل والسرايا، وفي كل مكان؛ ثِقوا واعتقدوا بأنكم سوف تنتصرون ليس فقط بما تملكون من إمكانات ومن جهاد وجهود، وإنما بفعل إيمانكم الخالص بالدين الخالص، والله يؤيدكم وينصركم بإذنه تعالى ، وهو القائل سبحانه : ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم.

 

* لا للتمييز بين المجاهدين

ونحن نقول للامة و للعالم: تعالوا الى هذا الدين، فهذا ليس ديناً لنا إنما هو دين الله، نحن لا ندعو الى انفسنا، ولا ندعو الى العصبية، بل لدين الله. تعالوا جميعاً لنكون تحت لواء دين الرحمة والكرامة والحرية والعدل، دين القرآن و النبي الأكرم، ودين علي، صلوات الله عليهما، ودين الخلّص من المؤمنين الصالحين. فلو عادت الامة الى حقيقة وجوهر دين الله الحق، فإن الله ينصرنا بإذنه تعالى، ولكن يجب ان نؤكد أن العودة الى الدين ليست بالشعارات إنما بالشعائر، وليست بالشعائر فقط وإنما بالتقوى. فالدين يجب ان يطبّق بالذي أمر الله وليس بأفكار و أهواء البشر.

ولذا أقول و أؤكد أيضاً في هذا السياق، ولمن يعنيهم الأمر، - وكما قلنا سابقا- ليكن العدل والمساواة والاحتضان والرعاية شاملة للجميع، ولا تميزوا بين مجاهد ومجاهد، ولا تميزوا بين حشدٍ شعبيٍّ وحشدٍ شعبيٍّ آخر، فهذا الاسلوب وهذه الطريقة خاطئة و مهلكة، فالإمام علي، سلام الله عليه، كان يقول: «لو كان المال مالي لساويت بينهم، كيف و المال مال الله»! فالامكانات والمال الذي بأيديكم ليس لكم، ولا يجوز لكم أن تتصرفوا فيه بما تريدون، فلا يجب ابدا أن تعطوا الامكانات والسلاح و الاموال وفق الانتماءات السياسية والحزبية والفئوية، وحرمان من هو بعيد عن هذه الانتماءات، ولا يجوز لأحد أن يفضّل أحداً على غيره ممن له الحق في القدرات والامكانيات المادية والمالية، فهذا أمرٌ معيب جداً أن تكون مجموعة ما متخمة بالامكانات ومجمـــــوعة لا تصل إليهــــــم أي امكانات... فهذا هو الفساد بعينه، وقد أشرنا في اكثر من مناسبة، أن هذا الامر يُفسد الأمن، ويفسد الدوائر الامنية والعسكرية.

لابد من الانتباه الى أن الدين يجب ان يطبّق بالذي أمر الله وليس بأفكار و اهواء منّي او منك... بالأمس القريب، قلنا وحذّرنا من الفساد الاداري، وحذّرنا مما كان في بلادنا من بعض الهنات في الدوائر، ولكن لم تسمعوا فابتُلينا بداعش، واليوم إن لم تسمعوا، فقد تبتلون لاسمح الله بما هو أخطر، فأسمعوا كلام العلماء والناصحين الذي يشخصون الداء ومكامن الزلل والخطأ لإحداث التغيير المطلوب والإصلاح في السلوك والممارسات، ولكي لاتقعوا في الاخطاء وتكرروها، فالمؤمن يتّعظ ويتعلم من التجارب والدروس و «لا يُلدغ من جحر مرتين».


ارسل لصديق