الحروب فيروسات فكرية وأخلاقية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2015/07/12
القراءات: 799

بسم الله الرحمن الرحيم :

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.

استقبلت الأمة الاسلامية شهر الله الفضيل، شهر رمضان المبارك هذا العام وهي مثقلة بالجراح، طامحة لوضع افضل. فيا ترى لماذا تترى علينا المواسم الكريمة والروافد الالهية الميمونة، من شهر رمضان الكريم، وليالي القدر، وايام العيد، ومواسم الحج، وايام عاشوراء والاربعين وغيرها، ولاتزال الامة في وحل التخلف، تعمل في جسدها خناجر التفرقة، وتسيل من اطرافها أنهر من الدماء. يخربون بيوتهم بأيديهم. يقاتل بعضهم بعضاً باسم الدين، وباسم الوطن، وباسم القيم الالهية!

ألا يحين لأصحاب البصائر في هذه الأمة، من مفكرين وعلماء واصحاب الضمائر الحية، أن يتوقفوا لحظة واحدة ويراجعوا انفسهم ويتخذوا من القرآن المجيد ومن السنّة الكريمة، ومن تأريخهم الحافل بالأمجاد، وسيلة لإعادة صياغة انفسهم و اصلاح واقعهم والانطلاق الى الامام في رحاب الايمان؟

 

 الإسلام، دين الواقع واللحظة التي نعيشها

بلى، كل ذلك ممكن اذا قمنا بعمل واحد وأساسي، وهو أن نعبر حدود الدين الى محتواه، من حروف الدين الى معانيه، من ظاهر الدين الى باطنه، فلا نقرأ القرآن لمجرد تلاوة آياته والمرور على حروفه، وإنما لنتدبر فيه، ولنتخذ منه دواءً لدائنا وشفاءً لأمراضنا، وحكماً لما اختلفنا عليه، ومرجعاً لما تصارعنا فيه.

وكذلك السنّة الشريفة، فالنبي الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وهو القائل: «انما انا رحمة مهداة»، أفلا يمكن ان نتخذ منه، صلى الله عليه وآله وسلم، محوراً للوحدة، ووسيلة للألفة وطريقاً الى التحابب والتراحم والتعاون؟ سيرته الوضاءة، كلماته المنيرة، حبنا له، كل ذلك يمكن ان يصبح محوراً للتعاون، والتواصي بالحق والصبر والرحمة. لذا نحن بحاجة الى اعادة النظر في طريقة استفادتنا من القرآن الكريم وانتفاعنا بالسنّة الشريفة، وهذا ممكن اذا غيرنا طريقة تعاطينا مع هذين الثقلين. كما علينا أن لا نقف ونجمد على قراءة وفهم الماضين للقرآن و إسقاط فهمهم على واقعنا اليوم. وكذلك الحال فيما يتعلق بالنبي وأهل بيته، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم. صحيح انهم كانوا في تاريخ معين ولكن التاريخ لم يحددهم بزمانهم، لأنهم جاءوا لكل زمان. فأنت - مثلاً- هل تقرأ الامام الحسين، عليه السلام، كشخص استشهد في سنة (61) للهجرة؟ أم تعيشه وتعيش نهضته، وتعيش كلماته، وتعيش واقعه؟ فتتخذه إماماً لك، تكون معه ويكون معك، وتستلهم توصياته وسيرته، وكذلك فيما يرتبط ببقية الائمة عليهم افضل الصلاة والسلام.

وبتعبير آخر؛ يجب ان نعتبر الدين بكل مفاهيمه وقيمه، وكل ما يرتبط به؛ دين الواقع، و دين العصر، ودين اليوم، ودين هذه اللحظة التي نعايشها.

من هنا؛ على كل فردٍ منّا أن يتحمل مسؤوليته في هذا الشهر الكريم، فهذا هو الطريق الموصل الى رضوان الله، فإنك لو جاهدت نفسك وجاهدت واقعك الفاسد، ولو بدأت بإصلاح ذاتك، فان ذلك هو الطريق السالك بك الى الله تعالى و بذلك تُقبل طاعاتك انشاء الله. فكيف السبيل الى ذلك؟

 

 أولاً: الإصلاح أخلاقياً

نحن نحمل معنا الى شهر رمضان المزيد من الذنوب، ومن الضغائن والاحقاد، ومن سوء الظن بالآخرين، ومن العصبيات الجاهلية، فكل واحد منّا يجب ان يعترف بأنه قد ظلم غيره بطريقة او بأخرى. وليس الظلم مختصاً - مثلاً- بأكل اموال الناس بالباطل فحسب، ربما الظلم يأتي بسوء ظنك بالآخر، أو بتحاملك عليه بعصبية، أو باتخاذ موقف خاطئ منه. و ربما اكثر من ذلك، بإعانة الظالم وعدم الاستجابة لإعانة المظلوم.

لذا علينا ان نخفف من هذا الحمل الثقيل، ومن هذا الوزر و الإصر، عن انفسنا ونستغفر الله استغفار معترف بالذنب وليس استغفار من يقوم به وهو يعتقد انه برئ مما يمكن ان يوصف به، ومعصوم طاهر مطهر...!

 

 ثانياً: الإصلاح اجتماعياً

علينا ان نجعل من شهر رمضان، وسيلة لتصحيح علاقتنا مع الآخرين. فاذا كانت بينك وبين أيّ مسلم شحناء، أو بغضاء، أو خلاف، او أي شيء مما يعكر علاقاتك به، عليك أن تحاول وتبادر انت الى التغاضي عنه، وان تكون لك اليد العليا في ذلك، ولا تقل: ليأتي هو و يعتذر، فهو مسؤل امام ربه، و انت كذلك، فاقهر شيطانك و وساوسه وبادر، وبذلك تنصلح سريرتنا تجاه بعضنا البعض، ثم نبدأ بالتراحم، ونتقي الله ولو بشقّ تمرة، كما يقول الحديث عن نبينا الاكرم، ويحاول كل منّا ان ينفق كل ما يستطيع على اخوانه، وان لم يستطع ذلك كله، فالكلمة الطيبة صدقة.

 

 ثالثاً: إصلاح علاقتنا مع الطبيعة

كيف يتم ذلك؟ يتم ذلك بأمور وخطوات عديدة من بينها: -على سبيل المثال- أن نحدّ من التبذير والإسراف، فان الاسراف وسوء استخدام موارد الطبيعة، له امثلة وصور عدة، منها الاسراف في الماء والطاقة، والطعام واللباس وفي عموم الانفاق غير المبرر.

فالتبذير والاسراف في الماء يبدأ من شرب الانسان الماء وسكب بقيته على الارض، او رميه في حاوية القمامة. وهكذا الاسراف في استخدام الطاقة الكهربائية، مثل استخدام وسائل الانارة في وقت النهار، في الوقت الذي قد يكون هناك غيره ممن هو بحاجة اليها، فيكون اسرافك على حساب غيرك ممن لا يحصل عليها.

إن الاسراف في بعض الاحيان، هو إفساد للطبيعة.

فنحن لسنا مخولين ان نتحرك في الطبيعة إلا بمقدار حدود الشرع، فالتبذير غير جائز، وربنا تعالى يقول: {إنَّ المُبَذَرينَ كانوا إخوانَ الشّياطين}. وهناك نوع اخر من الاسراف والإفساد للطبيعة، وهو عدم الاستفادة من الطبيعة نفسها، فلديك أرض لاتعمرها، ولا تبنيها، أو لديك طاقة لا تستثمرها، ولا تستفيد منها، ولا تبذلها في سبيل الخير، وهذا ايضا نوع من التبذير والاسراف. إذن؛ لو صلُح حالنا إن شاء الله في سلوكنا، فإننا نبدأ بالتكامل في الاخلاقيات، حيث الانسان أمامه درجات في الكمال لا تنتهي؛ علماً وهدى وتقوى وخُلقاً وطاعة. بعض الناس يتنافسون مع بعضهم في البنايات الفخمة والسيارات الفارهة وباقي مظاهر الحياة المادية، فيما التنافس الحقيقي هو في الخُلق الطيب، وفي العبادة و الطاعة، وفي اعمال البر والخير. هذا على مستوى الافراد. اما على مستوى الأمة، فنحن كأمة ينبغي ان تعيد حساباتها. هذه الحروب التي نجدها هنا وهناك، هي من نتائج سوء الافعال، وسوء الاخلاق، فهي ذنوب تحولت الى حروب، و نحن لو بدأنا نصلح انفسنا كأمة، فستنصلح الامور شيئاً فشيئاً.

إن ربنا تعالى وفي اكثر من آية وبتعابير مختلفة يبين أن ما يجري على الانسان كفرد وكمجتمع، انما هو نتيجة اعماله ومواقفه، فيقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، وقوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}، وقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}. ويقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ. وغيرها الكثير من الآيات.

إن هذه المتاعب والمصاعب والمشاكل والحروب، كلها افرازات لفيروسات فكرية، وثقافية، وسلوكية، واخلاقية، فيجب ان ننتبه ونحذر، فاستمرار الامة في هذه المسيرة السيئة والمدمرة، حروباً داخلية، وظلماً، وشحناء وصراعات طائفية، دليل على ان الامة لم تصل لمستوى الرشد، لانها في الحقيقة تسترسل مع الهوى والعصبيات وافكار ما انزل الله بها من سلطان.

وقد جاء في الحديث القدسي: «الظالم سيفي انتقم به وانتقم منه»، فالله تعالى يسلط الظالم على الظَلَمَة، فيظلمون انفسهم ويظلمون بعضهم البعض، فيسلط الله عليهم من هو أظلم منهم، فإن تركوا الظلم فيما بينهم يزيح الله تعالى الظالم.


ارسل لصديق