الإمـــــام الـــــرضا {علــــيه السلام} في مواجهة الانحراف الفكري
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2015/08/30
القراءات: 1179

في الوقت الذي تنعكس فيه الحياة السياسية بشكل او بآخر على الحياة الفكرية؛ فمما لاشك فيه أن الحياة الفكرية ستنعكس على الحياة السياسية ايضا. فاذا كانت الحياة السياسية تعاني الاضطراب والتوتر، فان الجانب الفكري للامة لابد وان يعاني الاضطراب ايضا، وكلما كانت الامة، فاقدة للرؤية الواضحة سياسياً؛ فانها تعيش حالة الضبابية سياسياً. ومتى ما كانت مضطربة فكرياً فإن رؤيتها ومواقفها السياسية ستكون هي الاخرى تعاني اللااتزان أيضا.

ولعل هذا ما يفسر لنا حالة عدم الاستقرار التي عانت منها امتنا الاسلامية في عهد إمامة الامام الرضا، عليه السلام، على الصعيدين الفكري والسياسي. فقد تلاحقت الثورات في الامة الاسلامية في كل من مصر والسودان والعراق والحجاز في الفترة الممتدة من سنة 198- 204 للهجرة، وكان الخليفة العباسي «المأمون» قد اتخذ من خراسان عاصمة له بعد خلعه أخاه الامين من الخلافة، بعد دخول جيش المأمون حاضرة الخلافة العباسية بغداد، وقتله الامين وقطع رأسه.ثم مالبثت الاوضاع ان هدأت في بغداد فرجع الجيش الى خراسان .ثم عاد الاضطراب اليها. وخلع اهل بغداد بيعتهم للمأمون، ونصبوا ابراهيم بن المهدي خليفة عليهم.

وفي ذات الوقت شهدت مصر تحولا خطيراً حيث ثار المسيحيون المصريون على حكم العباسيين وطردوا واليهم. كما ان الهنود الذين استرقوا من باكستان الشرقية والسند والبنجاب وجيء بهم الى البصرة، استغلوا حالة الحرب الداخلية والفوضى؛ فسيطروا على البصرة والبحرين، واخذوا يفرضون الضرائب الثقيلة على التجارة في ميناء البصرة - وهو اهم الموانئ الاسلامية آنذاك وفي الفترة نفسها انفصلت اليمن عن السلطة العباسية حينما قام الوالي محمد الزبادي بإعلان الدولة الزبادية. كما عمت الفوضى والاضطرابات ارمينيا واذربيجان وماحولهما.

 

 المأمون والفقر في الفكر الاسلامي

كما ان العباسيين الذين حكموا بعد الفراغ السياسي الذي احدثه سقوط حكم الامويين وجدوا انفسهم امام تيارات معارضة، تعتمد الفكر وتتسلح بالنظريات الثقافية، وفي طليعتها المعارضة العلوية التي كانت تتزعم المعارضة السياسية مع تسيد الساحة الفكرية؛ فما كان من العباسيين الذين يعانون فقرا فكريا مدقعا الا ان يفتشوا عن مصدر فكري خارجي؛ ينافسون فيه العلويين؛ اذ لم يكن لهم القدرة على منافستهم في مجال الفكر الاسلامي؛ فما كان منهم الا ان شجعوا حركة الترجمة، وبخاصة كتب الفلسفة الى الدرجة التي اصبحت معها سياسة سن القوانين، وطريقة ادارة الدولة تقوم على قواعد غير اسلامية. فأنشأت دور الترجمة وصرفت عليها الاموال الطائلة. ولعل ذلك يعود الى عدة اسباب منها:

الاول: ان الحركة الرسالية كانت في اوج عظمتها في زمن الامام الرضا، عليه السلام، وان الافكار الثورية كانت قد انتشرت في الامة الاسلامية من اقصاها الى اقصاها. فصارت حاجة المأمون ملحة لمحاربة تلك الافكار الثورية عن طريق افكار الكتب المترجمة، وبخاصة الفارسية منها. ففي بلاد فارس كان الملوك يتسلطون على رقاب الرعية بينما كان الناس مستعبدين محرومين. ولم تكن لديهم اي افكار نهضوية بل كانوا مشبعين بافكار استسلامية، كان ينتجها مجموعة من الكتّاب المرتزقة لدى الامبراطور، يدعمون بها سلطانه. فكانت تلك الكتب تدعو الى الاستسلام،مرسخة المقولة المعروفة «الله في السماء والشاهنشاه في الارض» وكذلك القول باللغة الفارسية:»صلاح مملكت خويش .. خسروان دانند» والتي تعني»ان الحكم، لا يعرف اصوله وطرقه إلّا الكبار» ومؤكدة على «ان العائلة المالكة ضرورية لاستقرار البلد». وقد استطاعت هذه الافكارالتغلب على ارادة الجماهير وتخديرها، والسيطرة عليها سيطرة كاملة. وقد اّطلّع المأمون على هذه الافكار في خراسان التي عاش فيها، ووجد فيها خير معين على تثبيت سلطانه.

والدافع الثاني: هو الحركات العلمانية، التي ظهرت  نتيجة الخيبة التي عانى منها معتنقو الاسلام من اتباع الديانات الاخرى، الذين نشدوا في الاسلام العدالة والرحمة والمساواة. فإذا به من حيث التطبيق  مجموعة افكار يتسلط بها بنو امية وبنو العباس على رقاب الناس؛ فانكفأو الى دياناتهم السابقة، او الى معتقدات مستحدثة نسبوها الى الاسلام. ورغم  ان العباسيين ساسوهم بسياسة التقتيل، الا انهم شعروا بحاجتهم الى ما يجابهون به تلك الافكار التي وجدت لها آذاناً صاغية في اوساط المجتمع، الذي حُرم من الفكر الاسلامي الاصيل المتمثل بمدرسة ائمة اهل البيت، عليهم السلام، لذلك عمدوا الى تشجيع حركة الترجمة.

 

 الافكار الدخيلة تهدد الامة

وبنشاط هذه الحركة حدث في الأمة اضطراب فكري وتوتر ثقافي هز كيان الامة -ولاتزال آثاره الخطيرة سارية والى يومنا هذا - مما صار يهدد فكر الامة وثقافتها وعقيدتها.

وكانت عوامل شتى تسهم في تنامي هذا الخطر منها:

اولًا: انشغال المفكرين بقضايا الامة السياسية المضطربة.

ثانياً: ارتفاع وتيرة الاضطراب السياسي، والحروب الداخلية التي سببت المزيد من التوتر الفكري.

ثالثاً: وجود تيارات دخيلة على الأمة تهدف الى إفساد الثقافة ومحاربة الإسلام باسم الإسلام، والتي كانت تغذيها حركات سياسية مغرضة.

وهكذا اصبحت الدولة الاسلامية غارقة في الاضطرابات مما انعكس سلبا على الجانب الفكري. فصار المسلم لا يعرف ما هو دوره في الحياة، وهل ان الدين الذي يؤمن به صحيح ام لا.

ان النظام العباسي هو الذي دفع بالناس الى التمرد ضد الاسلام وذلك لانه جيّر الفكر الاسلامي لصالحه، فالمأمون العباسي، حينما ايقن ان تلك الحركات ستهدد ولايته وسلطانه القائم على اساس اسلامي ولو ظاهرا، اراد الاستعانة بالفكر الغربي او الشرقي في سبيل انتاج فكر اسلامي سلطوي هجين يثبت به سلطانه عن طريق تطعيم الافكار والعقائد الاسلامية وعلم الكلام الاسلامي بافكار ارسطو وافلاطون، وغيرهما، فهو اشبه بالانظمة التي ترتدي لباس الاسلام والتي تأتي بسائر انواع النبيذ ثم تعاقب من يشربه، او تقطع يد السارق مع انها هي التي تدفعه الى السرقة بسبب سياستها الاقتصادية السيئة. لانه حينما ننقل افكار الغربيين والشرقيين الى الفكر الاسلامي وهو يعيش حالة اضطراب سياسي وفكري عميق، فان ذلك يعني اننا ساعدنا الامة الاسلامية على الانحراف.

 

 الامام الرضا عليه السلام طوق نجاة

في هذه الظروف العصيبة جاء الامام الرضا، عليه السلام، منقذا للامة من جو الاضطراب السياسي الذي ينعكس بدوره على الاضطراب الفكري،وانتشار الافكار اللادينية في الامة الاسلامية، التي غذتها ترجمة النظام للكتب الغربية والشرقية المشحونة بالشرك والكفر والافكار الاستسلامية. فضُرِبت رسالات السماء في  صميمها الا وهو التوحيد، فكان عليه السلام بحق منهل الرسالة وينبوعها الخالص الاصيل، وحجتها في وجه التيارات الفكرية الناشئة آنذاك، فمن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة والملحدين والدهرية وغيرهم من انواع الزنادقة، يشهد الحق‏ بما كان للامام الرضا، عليه السلام، من دور في رد اباطيل وخداع هذه الفلسفات والعقائد المزيفة، ومن هنا نستطيع ان نفسر كيف ان اغلب الاحاديث والنصوص الواردة عن الامام  الرضا، عليه السلام، كانت في التوحيد وبقية مباني العقائد، حتى انه اشتهر ان من يحاجج تلامذة الامام، فلابد ان ينخسئ راجعا عن قوله. ولم تكن البدع التي ظهرت في زمانه، عليه السلام، هينة او بسيطة فنرى ان رجلا يدعي النبوة وآخر يدعي انه ابراهيم الخليل وهكذا. وحينما ننظر الى رحلة الامام الرضا، عليه السلام، في طريقه من المدينة الى‏ خراسان بناء على طلب المأمون اياه، هذه الرحلة التي استغرقت عدة شهور. حيث مر بالبصرة، والاهواز، وفارس، و طوس، وحتى مرو. كان الامام اينما يحط برحله، فإنه يبث من علومه ويحاجج الملحدين والمشككين.

 

 الامام يرد اباطيل اصحاب المقالات

فلما قدم الامام الرضا، عليه السلام، على المأمون، فأمر الأخير ان يجمع له اصحاب المقالات مثل: الجاثليق، ورأس الجالوت، ورؤساء الصابئين والهربذ الاكبر، واصحاب زردهشت، وسفاس الرومي، والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فقال: يا جاثليق هذا ابن عم لي هو علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن ابي طالب، عليه السلام، فأحب ان تكلمه وتحاججه وتنصفه. فقال الجاثليق: يا امير المؤمنين كيف احاج رجلا يحتج عليّ بكتاب انا منكره ونبي لا أومن به. فقال الامام، عليه السلام،:» يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك اتقرّ به؟».  قال الجاثليق: هل اقدر على دفع ما نطق به الانجيل، نعم والله اقر به على رغم انفي. ثم قرأ الامام الرضا، عليه السلام، عليه الانجيل، واثبت عليه ان نبينا، صلى الله عليه وآله، مذكور فيه، ثم اخبره بعدد حواري عيسى، عليه السلام، واحوالهم، واحتجّ بحجج كثيرة اقرّ بها، ثم قرأ عليه كتاب شعيا وغيره. الى ان قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت ان في علماء المسلمين مثلك. فالتفت الرضا، عليه السلام، الى رأس الجالوت واحتج عليه بالتوراة والزبور وكتاب شعيا وحيقوق، حتى افحمه. ثم احتج، عليه السلام، على الهربذ الاكبر حتى افحمه، فقال الامام، عليه السلام،: «يا قوم ان كان فيكم احد يخالف الاسلام واراد ان يسأل غير محتشم»، فقام اليه عمران الصابيّ، وكان واحدا من المتكلمين، فقال: يا عالم الناس لولا انك دعوت الى مسألتك لم اقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم اقع على احد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته افتأذن ان اسألك؟  قال الامام الرضا، عليه السلام،:» ان كان في الجماعة عمران الصابيّ فانت هو» قال: انا هو. قال:» سل يا عمران وعليك بالنصفة، واياك والخطل والجور» فقال: والله يا سيدي ما اريد الا ان تثبت لي شيئا اتعلق به فلا اجوزه، قال:»سل عما بدا لك»، فازدحم الناس وانظمّ بعضهم الى بعض، فاحتج الرضا، عليه السلام، عليه، وطال الكلام بينهما الى الزوال؛ فقال الامام الرضا، عليه السلام: «...نصلي ونعود...» فعاد الرضا، عليه السلام، الى مجلسه ودعا بعمران، فقال: سل يا عمران، فسأله عن الصانع تعالى وصفاته واجيب الى ان قال: افهمت يا عمران؟ قال: نعم يا سيدي قد فهمت واشهد ان الله على ما وصفت ووحدت، وان محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجدا نحو القبلة واسلم. فلما رائ المتكلمون حال عمران الصابي ووهن حجته واسلامه وهو افضلهم صمت الجميع ولم يجرؤ واحد منهم على الاستمرار، فانصرف الناس، فكان عمران بعده يجتمع اليه المتكلمون من اصحاب المقالات فيبطل امرهم حتى اجتنبوه‏.

هذه محاججة من عشرات المحاججات التي واجه بها الامام اصحاب التيارات المنحرفة والمعادية. وان التاريخ حينما يذكر عن الامام الرضا، عليه السلام، ذلك انما ينقل عن المواجهات والمناقشات الفكرية التي كان يقيمها الامام مع مختلف التيارات.

ومن خلال هذه المواجهات نستطيع اكتشاف دور الامام الفكري داخل الامة الاسلامية، ومحاولته اعادة التوازن الفكري اليها، وقد ساعده في ذلك انتقاله إلى حاضرة البلاد الإسلامية، وقبوله لولاية العهد؛ مما جعله في قلب الصراعات الفكرية. وهكذا كثرت حواراته مع سائر الملل والمذاهب، مما حدا بعلمائنا الكرام إفراد كتب حول ما رُوي عنه عليه السلام، مثل ما فعل الصدوق رحمه الله‏ في كتابه عيون أخبار الرضا.

 

 سمات كلماته عليه السلام

وحينما نتدبر في كلمات الإمام الرضا،عليه السلام، وحججه التي ألقاها على خصوم الإسلام أو مخالفي المذهب؛ نراها تتسم بمنهجية علمية عميقة.

مما يدل على مستوى الثقافة في عصره لأن الأئمة- كالأنبياء عليهم السلام- إنما يُكلمون الناس على قدر عقولهم، وبمستوى أفكارهم.

كذلك نستوحي من التأمل في كلماته أنها كانت تصدُّ تشكيكات يبثها الأعداء حول الإسلام وبالذات حول عقلانية أحكامه، من هنا كثر حديثه عن علل الشرائع، والحِكَم التي وراء أحكام الدين.

كما أن طائفة من كلماته المضيئة تُعالج الشؤون الحياتية مثل رسالته الطبية المعروفة بطب الرضا عليه السلام.ومما يُميِّز حياة الإمام الرضا عليه السلام العلمية أن كلماته كانت تلقى قبولًا في كافة الأوساط الإسلامية، ولعل وروده على مدينة نيسابور- التي كانت من الحواضر العلمية في العالم الإسلامي- أظهر مدى اهتمام علماء الإسلام بأحاديث الإمام، عليه السلام.

وما اشبه اليوم بالبارحة فالاضطراب السياسي على اشده،كما ان الاضطراب الفكري على اشده ايضاً، كما ان التيارات المنحرفة تعيث في الارض فسادا، والاقتتال الداخلي في قمته، واذا كانت الترجمة فقط في ذلك الزمان كانت سبباً في دخالة الافكار،فانها اليوم الى جانب الغزو الثقافي والاعلامي الموجه تجاه امتنا وفكرنا الاسلامي - عبر الفضائيات وشبكات الجوال والشبكة العالمية وغيرها - هذا الغزو على اشده اليوم وما اخطره وحري بنا ان نلتفت الى ان امامنا الرضا، عليه السلام، لم يواجه الانحراف الفكري بوصفه عالما ربانيا فحسب، بل استفاد من توليه ولاية العهد ايضا في هذا الهدف وحري بنا اليوم والحال هذه والتاريخ يعيد نفسه ان نعتبر بسيرة الامام الرضا، عليه السلام، في شقها الديني كرجال دين وشقها السياسي كسياسيين في مواجهة هذه الهجمة والانحراف الفكري والغزو الخطير الذي تمر به امتنا الاسلامية.


ارسل لصديق