بعد إفلاسها الفكري العلمانية تبحث عن مخرج للهروب من الفشل
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 32

كانت البشرية ولما تزل تخوض صراعات فكرية في شتى الاتجاهات والحقول الفكرية، وتميزت هذه الصراعات بأن بعضا منها يكون مبنيا على مناهج وأسس مرجعية واضحة، مع دراسة لمرتكزات الاتجاهات الفكرية المخالفة الى حد ما، في حين تميز النوع الثاني من هذا الصراع الفكري بأنّه لا يرتكز الى أي أسس أو منهج واضح، مع جهل مطبق لمرتكزات الاتجاه المخالف، ولا يعني الجهل المطبق عدم اطلاعهم على بعض مرتكزات الاتجاه المعارض، بل إنهم فهموه بشكل مشوه وناقص ومضطرب؛ مما جعلهم يعتقدون أنهم فهموا مرتكزات الفكر المقابل، بل وانهم اكثر منه فهما في ذلك، بينما هم أبعد ما يكونون عن الفهم الحقيقي.

وكم هو الفارق بين النوعين! وقد رأينا كلا النوعين في كل من صراع العلمانية مع الكنيسة الذي مثل النوع الاول، كما مثل صراع العلمانيين مع الإسلام في بلاد المسلمين النوع الثاني منه.

 

 العلمانية والكنيسة

في اوربا، لعبت الكنيسة في القرون الماضية دوراً مؤثراً في الحياة في المجالات كافة، غير أنّ دورها في المجال السياسي، وموقفها السلبي من العلم، كان له الأثر الأكبر في ظهور العلمانية في اوربا؛ كردة فعل على الظلم الذي تسببت به من خلال سيطرتها على القرار السياسي، واستخدامه كوسيلة في شرعنة القرارات الجائرة للحكام على حساب الشعوب تارة، وفي معاداة العلم والعلماء تارة أخرى، حيث انها ربطت بعض الظواهر الكونية التي لم تُحط بها علماً فربطتها بالعقيدة، وكفرت كل من يقول خلاف رؤيتها لتلك الظواهر، في حين ان تلك الرؤى لم تكن جزءاً من تعاليم المسيحية، وإنما أدخلت اليها بعد التزوير والوضع غير المسبوق لنصوص الديانة المسيحية المعروف لدى الجميع.

 فلم تكن الكنيسة مهيأة لإدارة الحياة، فلا نصوصها الأصلية احتوت على فلسفة كاملة ورؤية واضحة تصلح للأزمنة والأمكنة المختلفة، فضلا عن ان تلك النصوص الأصلية لم تكن موجودة، وقد طالها التحريف الى حد كبير.

وكان قدرة الكنيسة لإدارة الحياة واضحة عند ادنى تأمل؛ فلاحظ المفكرون ذلك ووجدوا ضرورة الخروج من هذا الطغيان والتخلف والظلم، ولا يكون ذلك إلا بالخروج والثورة على الكنيسة، وعزلها بين جدرانها؛ فجاءت المطالبة بضرورة عزل الدين (الكنيسة) عن الدولة.

وبغض النظر عند مقدار الصحة والخطأ فيها، فقد كان لعلمانيي اوربا رؤية ومنهج واضح وتشخيص لأسباب دعوتهم لعزل الكنيسة ودراسة حقيقية لواقع الكنيسة ومناهجها.

ولكن هل كان لعلمانيي بلاد المسلمين رؤية ومنهج واضح؟ وهل لهم دراسة حقيقية وتقييم حقيقي لمنهج الإسلام ومرتكزاته في إدارة الحياة أم لا؟!

 

 العلمانية والإسلام

وعلى نفس المنوال طالب العلمانيون في العالم الإسلامي بنفس مطالب العلمانيين الأوربيين بضرورة فصل الدولة عن الدين، ولكن هذه المرة؛ عن الإسلام لا عن المسيحية، ولكن الفارق بينهم وبين الأوربيين؛ أن أولئك حينما طالبوا بهذا، كان لهم نهجهم الواضح، وأسبابهم المنطقية المبنية على تحليل مقبول الى حد ما، فما هي دوافع فصل الإسلام عن الدولة، كما هي دعوة العلمانية التقليدية، وفصل الإسلام عن الحياة بشكل عام، كما هو مطلب العلمانية المعاصرة؟! فهل هو محاربة الإسلام للعلم والعلماء، والإسلام يقول على لسان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «اطلبوا العلم من المهد الى اللحد» والحديث الآخر: «اطلبوا العلم ولو كان في الصين»، و»طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»؟! أم هو الظلم السياسي، بينما الإسلام يأمر بالعدل والمساواة ومنع الظلم، وضرورة مجاهدة الحاكم الظالم وجعلها من اعظم الجهاد؟! أم سبب هذه الدعوة الظلم الاجتماعي، وقد أمر الإسلام الرجل بامرأته خيرا، وأوصى المرأة بزوجها، وأوصى بالوالدين والجيران وابن السبيل والأيتام والمساكين، وكرّم المرأة أيما تكريم، وقضى على ظاهرة الرق والعبودية بحكمة عالية، وأوصى بضرورة احترام الحقوق الاجتماعية العامة وغيرها الكثير من القيم الإنسانية والأخلاقية؟! أم أن السبب هو الظلم الاقتصادي، وقد شرع الإسلام أدق التشريعات الاقتصادية فيما يتعلق بالزكاة والخمس والإنفاق العام كالصدقات وإعانة المحتاجين وغيرها الكثير؟! أم ان السبب هو التخلف العسكري، والإسلام يأمرنا ببناء قدراتنا الدفاعية، اذ تقول الآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ....}، (سورة الأنفال: 60)، والقائمة تطول، فهل يبقى سبب وجيه لهذه الدعوة؟!

ان العلمانيين لا يملكون منهجاً ولا رؤية، بل ولا يفقهون ما يريدون، ولا يعرفون الهدف، فهم يتخبطون الى درجة انهم لا يفهمون ابسط الفوارق بين شريعة كاملة تدعو الى التقدم والتطور والإنسانية الحقيقية والحضارة ببعديها المادي والمعنوي، وبين قيود الكنيسة على العلم وتكفير وإعدام العلماء، وهذا ينم عن جهلهم بتعاليم الإسلام الحقيقية، والتي لم يحيطوا بها علماً، فالقوم «أعداء ما جهلوا»!

 

 العلمانية والمغالطات المفضوحة

حينما طالب علمانيو اوربا بفصل الكنيسة عن الدولة، كانت الكنيسة تتسيد القرار السياسي آنذاك، وكانت تكفّر العلماء، فهي تمسك بزمام الامور وتديرها وفق رؤيتها لإدارة السلطة، ولكن حينما طالب علمانيونا في الوقت الراهن بفصل الإسلام عن الدولة او الحياة، فهل الحكم في دولنا كان حكماً إسلاميا والحياة تدار وفق رؤية الإسلام، أم ان الأمر مختلف؟

الكل يعلم ان بلداننا حين ظهرت العلمانية فيها، لم يكن فيها أي شكل من أشكال الحكم الإسلامي، بل كانت أنماط الحكم فيها علمانية صرفة، ولذلك كانت الحركات المعارضة بغالبيتها، حركات إسلامية تدعو الى بعث رسالة السماء من جديد كطريق الى بناء الانسان وإعمار الارض، وهنا يتضح جليا من هو الأولى بالمساءلة عن تخلف الأمة، العلمانيون الحاكمون أم الاسلاميون المعارضون؟! والجواب واضح ولاشك، ان تحميل الإسلام مسؤولية التخلف في ظل أنظمة علمانية، يمثل مفارقة عجيبة، واستخفاف بعقول الشعوب، ومحاولة للنيل من مصدر قوة الشعب وأمله في الانبعاث الحضاري، ألا وهو الإسلام.

 

 العبرة في النظام لا في دين مطبقيه

وقد يقول البعض لماذا يكون اللوم على العلمانيين وكل من حكم بلادنا هو من المسلمين؟ ولعل ما جرى في العراق يكون مثالاً؛ من سيطرة أحزاب - سمّت نفسها إسلامية - على السلطة وما يجري فيه من فساد وانحرافات، إنما هي ما جنت انفسهم، فهل يجب أن نحمل الإسلام المسؤولية عن التخلف والفساد؟ ثم إن العلمانيين يحكمون الغالبية العظمى من البلدان الاسلامية، وهي متخلفة الى ابعد الحدود، فلماذا لا يُحمّلون انفسهم المسؤولية ايضا؟ كما ان هناك أمرا يجب ان يعيه العلمانيون بوضوح وهو ان رؤية الإسلام لإدارة الحياة تمثلها نصوص الإسلام، وان من يبين هذه النصوص هي الجهات الاسلامية المعتبرة المعتد بها، فلا يمثل تطبيق حاكم مسلم مقياساً لنظام الإسلام في إدارة الحياة، كما ان أحزاب الإسلام السياسي لا تمثل بالضرورة رؤية الإسلام لإدارة الحياة، فهي لا تعدو كونها أحزابا سياسية يهمها الشعار الذي يوصلها الى السلطة، مثل غيرها من الأحزاب الأخرى.

فالمشكلة ليست في كون هذا الحاكم مسلماً او مسيحياً، فمن الطبيعي ان يكون الحكام من المسلمين في بلاد المسلمين، بسبب تكونها من المسلمين، إنما المشكلة في نظام إدارة الدولة وهو الأساس في الموضوع، فهل هو النظام الذي حدده الإسلام لإدارة الحياة، أم انه النظام الذي وضعه العلمانيون انفسهم، فهؤلاء الأفراد سواءٌ كانوا مسلمين أم مسيحيين، انما يسيرون وفق هذا النظام، ولا شك ان النظام في العراق في الوقت الحاضر، ليس نظاماً اسلامياً، لا في السياسة، ولا في الاقتصاد، ولا في التربية ولا في أي مجال آخر، إنما هو نظام علماني صرف وضعه العلمانيون، إلا في بعض جوانب الأحوال الشخصية والذي هو الآخر غيّر العلمانيون قسماً منه بعيداً عن الاسلامي، إذن؛ العبرة في النظام وليست في دين من يسير وفق هذا النظام.

 

 الإسلام دين التحضر

ولو رجعنا الى الوراء ووضعنا تجربة الإسلام في شبه الجزيرة العربية سنفهم مدى عظمة الإسلام، والى أي حد هو دين التحضر والتقدم! فالعرب كانوا عبارة عن قبائل متناحرة تعيش في غالبيتها على القتل، والإغارة على بعضها البعض وتعيش كل أنواع الجهل والمرض والتخلف والوحشية، وهنا يأتي الإسلام، ويصنع المستحيل، فيحول تلك القبائل المتناحرة المتخلفة، الى مصدر نور عمّ الإنسانية كلها. ورغم ان التطبيق الصحيح للإسلام لم يحكم الأمة إلا سنوات قليلة، مع ذلك فان هذا القليل وما تبقى منه من مظاهر الإسلام، زَرع في نفوس ابناء الأمة، بذور الخير والتطور والتقدم؛ فبنيت حضارة متقدمة لايزال يشهد لها العالم بعد مرور قرون متمادية.

ومنذ انهيار تلك المظاهر المتبقية من الإسلام في عهد الدولة العباسية، والمسلمون ما يزالون يعيشون حالة التخلف في الجوانب كافة، وحتى بعد التحرر من الاستعمار، تسلّم العلمانيون الحكم وحكموا ضمن النظام العلماني قروناً عدة والى يومنا هذا، وبعد كل هذا، أيّ دليل واقعي وتجريبي أعظم من هذا على صلاحية الإسلام للتقدم والتحضر؟! وأي فترة يجب ان يعطى العلمانيون في الحكم بعد هذه العقود الطويلة من الزمن ليفهموا فشلهم وجهلهم؟! ان تحميل فشلهم على الإسلام لا يعدو كونه هروباً الى الأمام.

وبعد هذا الفشل الذريع لأنظمة الحكم العلمانية من جهة، والنجاح الذي حققته تجربة النظام الاسلامي، وما قدمته من كل عناصر القوة والبناء للفرد والمجتمع، وما احتوته من عناصر التقدم والتحضر، وبعد ان اتضح فقدان علمانيتنا لأي منهج حقيقي يتوافق مع واقع شعوبنا، وعدم عقلانية دعوتهم لأبعاد الإسلام عن الحياة، حيث انها مبنية على جهل كامل لكل مقومات الإسلام وقدراته العجيبة على تقدم الأمة، اضف الى ذلك فشل أنظمتهم العلمانية منذ التحرر من الاستعمار والى يومنا هذا، بل ومحاولتهم تحميل فشلهم وتصويره على انه بسبب الإسلام؛ كل ذلك يجعلنا نعتقد جازمين بإفلاس العلمانية فكريا ودعوتها هذه لا تعدو عن كونها جهلا فاحشاً، ومحاولة للهروب الى الأمام؛ لذلك صار حريّاً بنا وبالعلمانيين الدعوة الى نظام الإسلام في إدارة الحياة، لو كانوا ينشدون التقدم ومصلحة الأمة كما يدعون.


ارسل لصديق