على خطى النهضة الحسينية .. جماهير الأمة؛ من تلبية نداء الحسين عليه السلام إلى الاستجابة لنداء الإصلاح
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2017/10/23
القراءات: 22

كثيرا ما تستفيد الأمم من تجاربها وتاريخها؛ فتأخذ العبر والدروس لحاضرها ومستقبلها. ويفترض بامتنا وشعوبنا الاسلامية تحقيق هذه الاستفادة أيضاً، خاصة، وان لنا من التجارب وما يكفي لبناء حاضر افضل ورسم مستقبل زاهر لشعوبنا، اذا ما تمت الاستفادة من عِبرها ودروسها القيمة.

ولعل ثورة الامام الحسين، عليه السلام، وملحمة عاشوراء الخالدة من أهم تلك الوقائع في تاريخ الأمة الاسلامية؛ لما مثلته من نتيجة حتمية لانحرافات خطيرة في حياة الامة الاسلامية بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله، وبما مثلته من بداية لنمط اصلاحي جديد أخذ يمتد مع امتداد الحياة والى يومنا هذا.

إن عُظم الفاجعة وحجم التضحيات بخيرة خلق الله - تعالى- ، وحجم العناء والمصية التي حلت بأطهر بيت وأزكى خلق الله - تعالى-، وبالشكل الذي جرى في كربلاء يوم العاشر من محرم، انما يكشف لنا خطورة وعظمة واهمية الدروس التي أراد الله - سبحانه وتعالى- بيانها للبشرية من وراء هذه الفاجعة، ومن هنا يتضح لنا؛ ان الالتزام بهذه الدروس والعبر انما يكون الزاميا لا طوعيا، ولعل الإصلاح هو ابرز هذه العبر والدروس التي ينبغي الاستفادة منها اليوم، فالامام الحسين، عليه السلام، اعلنها صراحة: «انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي رسول الله»، وما أحوجنا اليوم الى هذا الاصلاح في حياة شعوبنا ، وعلى كل المسارات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإدارية، بل والأخلاقية حتى.

ان امتنا اليوم تعيش واقعاً خطيراً تجعل الجميع تحت طائلة المسؤولية عن إصلاحه، وهنا تعطينا عاشوراء دروساً في مسؤولية الإصلاح، أهمها:

 

 المبادرة الى الاصلاح مسؤولية العلماء

لعل من أهم دروس عاشوراء؛ تحديدها هوية حامل راية الاصلاح الحصري، الذي يُغني عن كل مصلح سواه، ولا يغني عنه مصلح قط! ألا وهم علماء الامة الربّانيون؛ ذلك ان الاصلاح الحقيقي لايكون إلا ربانياً مستنداً الى احكام الدين الحنيف ،ولاسبيل الى تحقيق ذلك إلا على أيدي العلماء الربانيين؛ فالعلماء هم ورثة الانبياء، ومعلوم ان الانبياء هم مصلحو البشرية. والعلماء انما ورثوا رسالة الإصلاح من الانبياء، وهذا ما يجعل العلماء اليوم امام مسؤولية جسيمة وخطيرة هي تحمل مسؤولية الإصلاح في هذه الأمة، فما دام سيد شباب اهل الجنة وقبله من الانبياء والأوصياء والمعصومين، ومن بعده باقي أبنائه المعصومين، وعلماء الأمة من بعدهم، قد تحملوا مسؤولية الإصلاح في أزمانهم، فان الدور وصل الى علماء اليوم، في تحمل هذه المسؤولية وبكل ابعادها الحياتية.

 

 الجماهير والاستجابة لدعوة الاصلاح

واذا كانت بوصلة واقعة الطف قد حددت من هو المسؤول عن حمل راية الإصلاح، ومن يجب ان يحدد مسالكه وحدوده؟ وما هي هوية المُصلح المُطاع في مسيرة الإصلاح الرباني؟ فإنها بينت أهم وأخطر الدروس على الإطلاق، ألا وهو ضرورة استجابة الأمة لدعوة الإصلاح، وإلا أكبّه الله - تعالى- على منخريه في نار جهنم يوم القيامة، اذ قال الامام الحسين، عليه السلام: «من سمع واعيتنا ولم ينصرنا أكبه الله على منخريه في نار جهنم يوم القيامة»، والإصلاح مسيرة مستمرة لا تنتهي؛ ولذلك فان واعية الامام الحسين، عليه السلام، لايزال صداها يتردد في آذان الامة.

لقد افرزت واقعة الطف درسا بليغا جدا حينما تخلفت الامة عن دعوة الاصلاح التي اطلقها، عليه السلام، وكانت قد تخلفت من قبله عن دعوة ابيه واخيه، عليهما السلام، بل وتخلفت طوائف عريضة منها عن دعوة جده المصطفى، عليه وآله صلوات الله؛ فضربتها الذلة والمسكنة الى يومنا هذا. ولو ان الأمة كانت قد استجابت؛ لكان واقعها اليوم في مصافّ الامم المتقدمة. واليوم ينبغي بالأمة ان تعي الدرس وتستجيب الى دعوات وخطوات الإصلاح التي يطلقها ويحددها العلماء الربانيون.

 

 لماذا الإصلاح السياسي؟

تميزت ثورة الامام الحسين، عليه السلام، بإصلاح شامل على مختلف المستويات، غير ان الإصلاح السياسي كان سمتها الأبرز، والسؤال لماذا الإصلاح السياسي وما هي اهميته في اصلاح الامة؟

قد لا يخفى الجواب على كثيرين، ولعل هناك سببين اساسيين؛ الاول يكمن ان الاصلاح السياسي يعني توجيه كل طاقات الامة ومقدراتها نحو اصلاح كافة شؤونها الاخرى. فالسلطة هي من ترسم وتسيطر على السياسات والاجراءات في كافة شؤون حياة الامة، فاذا صلح النظام السياسي، كان ذلك بداية وضمانة لتوجيه كل امكانات الدولة لاصلاح النظام القضائي والصحي والتعليمي والزراعي والخدمي والديني والصناعي والاجتماعي والاقتصادي والأمني، وأما الثاني فيكمن في ان فساد النظام السياسي سيهدم - لا محالة - كل شؤون الحياة الأخرى وأركانها، حتى تلك التي لمّا تزل تحتفظ ببعض عناصر الاستمرار، وقد كانت تجارب الحكم بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحتى وصل الأمر الى يزيد، مثالاً للحكم الفاسد الذي أفسد استمراره كل ما بقي من مقومات الأمة الاسلامية، وكل عناصر الدولة ومقومات بقائها، وهذا ما دفع الامام الحسين، عليه السلام، للنهوض واتخاذ الموقف الحازم لمواجهة هذا الانحراف، والحؤول دون انهيار الدولة الاسلامية وتحول الدين الى طقوس فارغة من المحتوى.

واليوم فان السلطة في الغالبية العظمى لدول عالمنا الاسلامي بحاجة الى اصلاح عظيم ولكلا السببين اعلاه، فهي إما سلطة غير قادرة على إصلاح شؤون الأمة، او أنها سلطة فاسدة تجاوزت الخطوط الحمراء في فسادها، والتي انتهى البعض بها الى انهيار بلدانها، والبعض الآخر على طريق الانهيار لامحالة. فصار لزاما على الامة السعي في اصلاح انظمتها السياسية كاقصر الطرق الى تحقيق الإصلاح الرباني المنشود، والسؤال هنا؛ الى متى ستبقى شرائح واسعة من الامة تتبنى منهج ولاية الفاسدين؛ فتؤيد سلطانهم في الأنظمة الدكتاتورية، وربما تساهم ايضا في ايصالهم الى السلطة في الأنظمة الديمقراطية؟!

 

 الجماهير ودورها في الإصلاح السياسي

لا يخفى على احد ان الامة الاسلامية اليوم تحكم بانماط مختلفة من السلطات، فهي تتدرج من حكم قبلي الى حكم العائلة الواحدة الى حكم الفرد الواحد عبر الحكم الجمهوري المتمثل بالقائد الضرورة، وكل هذه سلطات دكتاتورية مستميتة في الدفاع عن نفسها. ان إصلاح أنظمة كهذه انما يحتاج الى وضع آيات تدريجية، وحسابات دقيقة للوصول الى الاصلاح السياسي المطلوب، لكن الغريب ان عددا من الشعوب الاسلامية تحكمها صناديق الاقتراع؛ لذلك فان الاستجابة لدعوة الاصلاح لا تتطلب التضحيات ولا اراقة الدماء ،فالاستجابة تتمثل بجرة قلم لا غير.

ومع ذلك نرى الأمة لا تستجيب لدعوات الإصلاح. ولنأخذ العراق مثالا، ففي الانتخابات الاخيرة صدرت توجيهات من جميع العلماء الربانيين بضرورة الامتناع عن انتخاب الفاسدين، بل طالبوهم بتغيير هذه الوجوه الكالحة، غير ان الأمة تخلفت عن دعوات الاصلاح ايضا. واعادت انتخاب نفس تلك الوجوه.

غير ان النقطة التي تخفف من وطء هذا التخلف هي: ان البديل غير متوفر ولم يرشح للانتخابات غير تلك الوجوه ونفس الحيتان الكبيرة؛ فكان العراقيون مجبرين على التخير بين نفس تلك الوجوه، وكان حريا بحاملي راية الاصلاح والداعين اليه ان يوفروا البدائل اللازمة بالتزامن مع اطلاق الدعوة، وهذا ما كان متوفراً يوم عاشوراء، وكان بمنزلة الحجة البالغة على الأمة آنذاك، مع فارق واضح؛ أن البديل الإصلاحي كان متمثلاً بإمام معصوم، وثلّة من أهل بيت النبوة، وهذا لا يعني - بأي حال من الأحوال- أن لا نستفيد من هذا الدرس لان الامة مرّت بتجارب كهذه طيلة القرون الماضية.

 

 لا عذر لاحد عن التقاعس عن واجب الاصلاح

ومن ابرز دروس عاشوراء وعبرها انها لم تترك عذراً لاحد للتخلف عن مسؤولية الإصلاح، لا على مستوى حملة راية الإصلاح المتمثل بالعلماء الربانيين، ولا على مستوى المستجيبين لدعوة القيام بالإصلاح المتمثل بالجماهير. فعلى مستوى حملة الراية، ليس هناك من هو خير من سيد الشهداء، عليه السلام، وليس هناك ابناء أكرم على الله - تعالى- من ابناء بيت النبوة، وليس هناك حريم اعظم قدسية من حرم رسول الله الذي لم يطلب اجرا على تحمله الرسالة الا المودة لهم، ومع كل ذلك سار بهم الامام الحسين في طريق الإصلاح، فاستشهد واستشهدوا وحملت رؤوسهم على الرماح، وسبيت حرم رسول الله، ومات أطفالهم عطشاً وذبحا.

وعلى مستوى الجماهير ايضا، فليس فينا من هو اقدس منهم، ومع ذلك لبوا النداء، وقتلوا وحملت رؤوسهم على الرماح. لقد استجاب لدعوة الاصلاح الكبير والصغير وشيخ القبيلة والعبد الأسود والأبيض، المسيحي والمسلم، فلم يبقَ لنا من عذر نعتذر به عن استجابة دعوة الإصلاح اذا ما صدرت من علماء الأمة الربانيين.

 

 خطوات على طريق الإصلاح:

1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حدد الامام الحسين، عليه السلام، اهم ادوات الاصلاح التي يجب على الأمة اتباعها، والمتمثلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فامتنا اليوم تعيش حالة الابتعاد عن هذه الفريضة، فرغم ان مظاهر الظلم والفساد والاضطهاد منتشرة في الأمة، الا ان هذه الفريضة مغيبة كليا عن واقعنا؛ مما جعل الظواهر المنكرة تتفاقم بلا رادع.

2- أحكام الشريعة منهج الإصلاح

خلق الله - سبحانه وتعالى- الانسان، وهو اعلم بما يصلح حاله؛ ولذلك شرع له التشريعات التي تضمن تحقيق سعادته وصلاحه في الدارين؛ ذلك ان الله - تعالى- خلق الكون وفق سنن حكيمة تحكم حركته، وكان لابد للانسان ان تكون حركته منسجمة وفق هذه السنن الثابثة. وما التشريعات الا تحقيق لهذا الانسجام والتكامل مع تلك السنن الثابتة، وان أي مخالفة لاي من هذه التشريعات انما يمثل مخالفة لتلك السنن المرتبطة بها؛ ومن ثم ظهور الفساد في البر والبحر كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، (سورة الروم: 41)، ولذلك فان إصلاح هذا الفساد لايكون الا بالعودة الى احكام الشريعة السمحاء؛ لتحقيق ذلك الانسجام المطلوب بين حركة الانسان والسنن الكونية.

ان ابتعاد المسلمين عن شريعة السماء كان سببا في اكثر مآسيهم وتخلفهم فأين نحن اليوم من احكام الشريعة التي تحقق الاصلاح في مجال إعمار الارض؟ مثلا؛ يقول الإسلام: «ان الارض لمن عمرها»، في حين ان تشريعات البشر تمنع ذلك، وأين نحن من تشريعات الاسلام في حرمة الربا في حين ان مصارفنا تقرض المسلمين أموال ثرواتهم بالربا، وتحملهم ديونا ثقيلة تعرقل الإصلاح الاقتصادي؟!

3- الإصلاح الذاتي نقطة البداية

من الدروس التي أفرزتها ملحمة عاشوراء؛ تباين المواقف في تحمل مسؤولية الاصلاح او حتى معاداته، فكل من قتل الامام الحسين، عليه السلام، واهل بيته وأصحابه هم من المسلمين ايضا، ولكن ماهو الفارق بينهم؟ وما الذي جعل بعضهم ينصر الامام والآخر يعاديه؟ والبعض الآخر ينصر ثم يجبُن ويخذل وينسحب، في حين ان الآخر يثبت في نصرته حتى الموت، رغم ان الجميع ابناء عقيدة واحدة وبيئة متقاربة ان لم نقل واحدة؟ فكم هو الفارق بين حبيب بن مظاهر الأسدي وبين الشمر؟! وكم هو الفارق بين عدد من انصار الامام الحسين الذين انسحبوا عنه في سواد الليل قبيل يوم القتال، وبين الحر الذي التحق به في الساعات الأخيرة قبل اندلاع المعركة؟!

لاشك ان الفارق بينهم هو في صلاح الذات، فمن استطاع إصلاح ذاته وفق هدى السماء؛ استطاع ان يلبي دعوة الإصلاح وفي اشد الظروف؛ ولذلك ينبغي بجماهير الامة ان تركز جهودها على اصلاح الذات كنقطة البداية في طريق اصلاح واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي و...الخ. والا تخلفنا عن تلبية دعوة الاصلاح بل وربما عاديناها في موقف يعيد لنا صورة واقعة الطف الأليمة فنكون من الخاسرين.


ارسل لصديق