الخطاب الإسلامي واطلاق القوة الإصلاحية في الدين
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2016/03/17
القراءات: 592

بالرغم من انتشار التعليم وازدياد نسبة حملة الشهادات،وتوفر وسائل تحصيل الثقافة العامة، لكن؛ مع كل ذلك، فان مظاهر الجهل بأحكام الدين، ومقاصد الشريعة تتفشى في الأمة، بل اضحت من أبرز المظاهر في أوساط الامة، حتى باتت شعوبنا اليوم غارقة في الاستعباد والانقياد للقوى الكبرى، وصارت رسالة الاسلام التي هي اساس نهضتهم، والمنهج المتكامل لحياتهم، ووسيلة لتغيير واقعهم، رسالة مجهولة الهوية غامضة المعاني والمعالم.

لذا فإن الخطاب الاسلامي امام تحد كبير، ومسؤولية عظيمة يتوجب عليه النهوض بها، ولا يتم ذلك إلا بعد وضع هذا الخطاب تحت المجهر؛ لتشخيص نقاط الضعف والخلل فيه لعلاجها، وتشخيص نقاط القوة وتدعيمها.

 

 ابرز ملامح الخطاب الاسلامي المعاصر

هناك خطاب معلن و آخر مغيب. وان السواد الاعظم من الخطاب المعلن غير مؤهل للتعبير عن عظمة الاسلام وحقيقته، ويعتريه الغموض والتشويش؛ ولذا فهو لا يمثل الخطاب الديني الحقيقي، وأما الخطاب المغيب فهو الذي لم تشرق شمسه في عصرنا إلا مدَّة قليلة من تاريخنا، وهو ذلك الخطاب الذي حول تلك الامة الغارقة في التخلف والجهل الى أمة متطورة ومتقدمة في العالم، لذا يجب ان يتضمن الخطاب مشروعاً حضارياً من شأنه إنهاض الامة، ودفع ابنائها للتفاعل معه، لإعادة حضارة الامة الى مجدها الاول.

وقد كثر في ايامنا هذه، نوع من الخطاب يحمل صفة «المصلح» الذي لا بديل له، وحامل لواء العلم والعصرنة والفهم مكثراً من عبارات الحداثة، ثم التنازل عن ثوابت الدين لإرضاء بعض الاتجاهات الفكرية ذات البعد الدنيوي، وما اكثر فتاوى التسهيل والاستسهال في التسويف بأمور الشريعة ومقاصدها وثوابتها الاساسية. فالخطاب الديني الحالي مفكك وفردي، ولا يستند الى أسس فكرية ولا الى اساليب عصرية بينما يشهد العالم تقدماً في الخطاب تعضده تطورات هائلة في مجال تقنية الاتصال والمعلومات. ويمكن تمييز أربع سمات عامة توضح ملامح حالة الخطاب الإسلامي المعاصر:

أولا: الضعف العام الذي اتسمت به معظم أنماط الخطاب الإسلامي على مستوى المحتوى والاهداف منحدرا من المعرفة إلى الجهل، أو ما يشار إليه تقليديا بالأمية الدينية كما يظهر في هشاشة الرؤية، وعدم الإدراك للمسائل والقضايا التي تناولها من الزاوية الإسلامية والتي يتم عرضها - وللأسف - على الرأي العام داخل العالم الإسلامي وخارجه.

ثانياً: الارتجال والعفوية الناتجة عن فقدان التخطيط، وتجاهل المنهج العلمي في الموضوعات والقضايا التي يتم تناولها، والاعتماد على القدرات الفردية في معظم الحالات، متناسين تطور الخطاب وتطور فهم و ادراك المتلقي وتطور وسائل وتقنيات والاتصالات.

ثالثاً: ضيق الأفق والتركيز على القضايا الطارئة والعابرة في تجاهل تام للمستقبل سواء المتوسط أو البعيد. وهذا يفسر إلى حد كبير السبب في اقتصار أنماط عديدة من الخطاب الإسلامي على دائرة رد الفعل، في حين تكاد تغيب المبادرة تماماً عن هذا الخطاب.

رابعاً: طغيان الخلافات الفكرية والثقافية والمذهبية، فضلاً عن تأثير التجاذبات السياسية، اقليمياً ودولياً، مما يجعل الأطروحات التي يقدمها الخطاب الإسلامي غير مترابطة، واحياناً متناقضة، وتفتقر إلى الانسجام والتنسيق.

خامساً: فقدان الاستقلالية: ولعل أبرز مثال على ذلك؛ «الأزهر الشريف»، حيث كان الجامع الأزهر مستقلاً، في بادئ عهدها، عن الحكام في عصر المماليك والعثمانيين وحتى بداية عصر «محمد علي»، الذي في عهده بدأ تقييد حركة الأزهر وتجريده من نفوذه على مراحل عدة انتهت لما هو عليه الآن. وقد تراجع دور الأزهر منذ ذلك العهد من خلال التدخل في عملية اختيار شيخ الأزهر، فضلا عن نزع مصادر تمويله الذاتية. و أدت هذه التبعية المالية والسياسية للجهات الحكومية، الى تراجع دوره إلى حد بعيد. وفي ظل هذا التراجع ظهرت حركات وجماعات إسلامية أخذت في منازعة الأزهر، دوره كمرجعية لأبناء العامة، وقدمت خطاباً اسلامياً للعالم السنّي. ونتج كل ذلك عن كل تخبّط وتشتت في هذا الخطاب. وهكذا أصبح المسلم العادي يقف حائرا أمام هذا التشتت في الخطاب الإسلامي المعاصر لا يعرف أيَّهم على حق؟!

سادساً: الابتعاد عن مقتضيات ومشاكل العصر، واستنساخ تجارب الماضي واجترارها يومياً بلا توعية للناس بأمور زمانهم ومقتضيات عصرهم وسبيل الخلاص من عواقب شرها، وإنما فقط جعل الأمة في سبات مطبق، أو نسمع خطابا كان يدعو من على المنابر للملك أو الرئيس الفلاني ثم ما إن قامت ثورة ضد الأخير حتى ظهر نفس الخطيب وهو يدعو إلى إزالة هذا الملك أو الرئيس.

ان الفكر الإسلامي، والفقه ومسائل الدين اليوم، تتداخل مع كثير من الأمور، ويجب أن تمزج وتقدم للأمة بخطاب جديد يتناسب مع العصر وعقلية انسان اليوم، مع الحفاظ على ثوابت الدين وحمايتها من التحريف، فكل منّا خلق لزمانه وظروفهِ، للنجاح في عملية جذب الشباب لهذا النوع من الخطاب أكثر، عندما يجد في هذا الخطاب حاجته من الإجابة على كلا الطرفين؛ الديني والدنيوي، وما يدعوه للتفكر والبحث والقراءة. واليوم برز كثير من الخطباء والمفكرين الجدد من يتحدث بالأسلوب العلمي متضمنًا خطاباً دينياً جميلاً مزيجاً بين العلم والواقع وبين الخطاب القرآني، ويقدم فكراً نهضويا، تجدهم يكسبون تعاطفاً سريعاً نتيجة لاحتياج الناس لهذا النوع من الخطاب العقلاني النهضوي.

 

 ضرورة النهوض بواقع الخطاب الاسلامي

ينبغي علينا اليوم التعريف بالخطاب الاسلامي الديني الحقيقي الأصيل لإعادة الأمة الاسلامية الى موقعها الذي تستحقه، وريادتها التي تليق بها، وتوجيه الدعوة للالتفاف حول المشروع الحضاري الاسلامي العالمي لزرع البذرة الأولى لنهضة حقيقية يسعد المسلمون من خلالها ويكونون مصدر سعادة واستقرار ورخاء لغيرهم من الأمم كما كانوا في فجر الحضارة الاسلامية.

إن تطوير هذا الخطاب ضرورة انسانية وفطرية، مما يمكن القول معه؛ بأن أية نهضة أو تنمية في العالم الإسلامي ينادي بها المخلصون من دعاة الإصلاح، إن لم تصدر من مفهوم ديني، فهي محكوم عليها بالفشل، فلابد من خطاب ديني واع ومعاصر ومنضبط يستطيع أن يصنع هذه النهضة ويساعد عليها ويدفعها لإخراج الأمة من هذا التيه والدوران في الحلقة المفرغة، وهذا بحاجة الى قراءة واعية و واعدة للنفس والآخر والواقع، وايضاً قراءة قادرة على إيجاد الحلول الشرعية المناسبة لمشكلات الواقع. إذن؛ لا مناص من التجديد، وإذا لم نؤمن بذلك فأمامنا احد خيارين:

الأول: الجمود، ويعني ذلك الإطاحة بحق الحياة وسحقها في عصر تكتنفه الحركة الثائرة من كل جهة.

والثاني: الذوبان، وذلك معناه الإطاحة بحق الدين والشريعة والثقافة والتراث.

 

 سمات وخصائص الخطاب المطلوب:

1- قاعدته القرآن والسنة

حيث إن الخطاب الديني، رباني المنشأ، فهو - تعالى - الذي أنزل كتابه العزيز ليكون بياناً للناس أجمعين، يقول سبحانه وتعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً}، (سورة الكهف: 106)، وحيث إن القرآن هو المصدر الأول الذي نستمد منه مقومات خطابنا للناس، على ذلك لا يستقيم منا أن نخالف السمت الرئيس لهذا الكتاب العزيز؛ بل نحن مأمورون بالاهتداء بهديه، واتباع سنة نبيه، صلى الله عليه وآله، «وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى» واله الأطهار، «اني تارك فيكم الثقلين.....».

2- غرس ثوابت الدين وروح الشريعة ومقاصدها العالية

بمعنى التوضيح للمسلمين كليات الدين وإزالة الغبش والفوضى حول المفاهيم الدينية الأساسية، إذ ان نسبة كبيرة من ابناء الامة لا يفرق بين الدين والتدين، وبين الأصول والفروع، وبين الفقه والوحي، والعقدي والسياسي، و بين الشريعة والفقه. وأغلب التيارات التكفيرية تستغل هذا الجهل لاستقطاب الشباب. وأن يستوعب هذا الخطاب، منهجية الاسلام وقيمه ومبادئه التي يحتاج إليها الناس جميعاً دون استثناء، وتطبيع قيم العدل التي يأمرنا بها الإسلام تجاه الخلق كلهم ومعاملة الناس كلهم بالحسنى، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}، (سورة البقرة: 83).

لقد أصبح المسلمون عبيداً للكثير من العادات المشينة التي لا تمت للإسلام بصلة وإنما هي وليدة الجهل بالإسلام الصحيح وعجز المسلمين عن اتباع ما عرفوه من أحكامه، وعلاج هذه العلل الكثيرة بالرجوع إلى الإسلام الصحيح، واستعادة أصول هذا الدين، متمثلة في أصول العقائد التي بغيرها لا يكون المسلم مسلماً، والتأكيد على أنه ليس في روح المدنية الحديثة أو في ثمرات العلم الحديث ما يناقض الإسلام الصحيح، إذا أحسن فهمه وأحسن بيانه.

3- السعي لبناء العقول والبصائر

ينبغي اولاً؛ الارتقاء بمستوى الثقافة الاسلامية العام لجميع افراد الأمة على اختلاف مستوياتهم لتحقيق التأثير المطلوب، وإنجاح الأطروحات والمشاريع الخاصة بمشروع التغيير نحو حاضر سعيد وغد مشرق عتيد. ثانياً؛ وضع مساحة كبيرة للشباب الذي يرى ويعيش كمّاً هائلاً من المشاكل والشبهات والتساؤلات، وينتظر من الخطاب الديني أن يقدم له على الاقل جزءاً من الإجابة.

4- غرس الثقافة الاسلامية

وبخاصة ثقافة تحمّل المسؤولية، فالثورة الثقافية تبدأ من اصلاح جذر مشكلة الثقافة عند البشر، حيث يحن الانسان الى الماديات الظاهرة وينسى المعنويات ويغفل عن الغيب وعن قدرة الله وحكمته ورحمته ويلتجئ الى الظواهر الحاضرة من قوة السلطان الجبارة وما يراه من امكاناته الحالية فيخضع لها ويستسلم.

5- استقلالية الخطاب

منبر الخطاب الديني، الشيعي منه، كان مستقلاً منذ العصر الأول سواء التقليدي، المتمثل بالمنبر الحسيني او السياسي منه المتمثل بالشخصيات العلمية والدينية، على العكس منه نجد منبر الخطاب الديني السنّي كيف كان غالباً جزءاً من النظام السياسي الحاكم ويخضع لرؤاه وسيطرته ورعايته مباشرة. بينما المرجع الديني الشيعي، مستقل في جميع شؤونه، ولاسيما موارده المالية، ولا علاقة له في أي جهة كانت من تنصيبه أو عزله بالسلطة السياسية الحاكمة أو غيرها، بينما «المفتي» السني، فهو لا يعدو كونه موظفاً عند الحكومة، يتبع ارادتها في الاختيار و النصب والعزل ويخضع لإملاءات سياساتها الخاصة حسب مقتضيات الظروف.

6- اثارة دفائن العقول:

أي ان يخاطب العقول ويثير دفائنها ويحرك الراكد من افكار الناس، إذ إن اللافت في خطابات القرآن الكريم أنه أكثر من خطاب العقل، حيث كان يحرص على اثارة دفائن العقول وعلى إقناع المخاطبين بالحجة والبرهان، ويطرح القضايا بناء على أسس منطقية سليمة، لا بد للعقل السليم أن يسلم بها.

7- الاهتمام بالقضايا الاساسية للامة:

من خلال ترتيب سلّم الأولويات وتنظيمه للأهم، والمقاصد الكبرى للعلم والدعوة والإصلاح وتسهيل تطبيق ذلك وتوجيهه في أرض الواقع، واهم هذه الاولويات إعادة تشكيل وعي الإنسان، وتوجيه هذا الوعي نحو الاهتمام بالقضايا الاساسية حتى لا يقع شغل الناس بالتوافه و التفاصيل على حساب قضاياهم الكبرى.

إن الخطاب يجب أن يكون له دور في حل المشاكل التي يعيشها المجتمع، أما الحديث عن مشاكل وهمية سواء كانت نتاجا لتوجيه إعلامي أو لإشاعات فايسبوكية، أو سواء كانت مشاكل ثانوية فان إشغال الناس بها تعد خيانة لقضاياهم الأساسية، فلا يزيد الوضع في البلاد إلا تأزما ولا يزيد الخطاب إلا فقدا لمصداقيته.

والعالم الإسلامي يحتاج إلى حركة تجديدية، على الاصعدة الفكرية والعلمية والفقهية، وبصورة متناسقة ومحكومة بالضوابط الشرعية، وتقوم على العلم والمعرفة والدراية والإحساس بالمسؤولية، وبالتقدير لرسالة أهل الذكر والإصلاح، لتعيد الفرع إلى أصله، ولتقوّم ما اعوج من سلوك بعض المسلمين، ولتطلق القوة الإصلاحية الكامنة في الدين في حياة الناس، لأنها جاءت أصلاً لإحيائها. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، (سورة الأنفال: 24). فالإسلام دين الحياة والانفتاح، ويجب أن يحمى من دعاة الموت والانغلاق بنفس درجة حمايته من دعاة الذوبان والانحلال.


ارسل لصديق