طاعة الوالدين بين الشكر الشرك!
من فقه القرآن الكريم
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/05/04
القراءات: 2080

لاشك ان الشرك بالله هو احد ابرز المواضيع التي أولاها القرآن الكريم اهتماما بالغاً، ان لم نقل انه الابرز على الاطلاق، فقال عز وجل: “فمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً” ، وقال عز من قائل: “وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ”، وفي نفس السياق ذكر القرآن الحكيم:  “وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً “ (سورة الحج -31).

واذا كان الشرك بالله، واضح المعالم، وجلي الظهور، ومتمايزاً عن التوحيد احيانا، فإن هذا التمايز قد يضعف في احيان اخرى، الى الدرجة التي يصعب فيها على عامة الناس اكتشافه، بل قد يتسرب حتى الى مظاهر و شعائر التوحيد نفسها، فتراه يسجل حضوراً قوياً في عبادات الانسان، مثل ذلك الرجل الذي كان قائما يعبد ربه فيصلي له، فاذا به يشعر بحركة خلفه، فظن ان شخصاً خلفه  ينظر اليه، فما كان منه إلا ان اطال صلاته واهتم بها بالغ الاهتمام ، وبعد الفراغ منها ، التفت خلفه وإذا به يرى كلبا جاثما خلفه...! وبهذا تحولت صلاة هذا العابد من مظهر من مظاهر التوحيد، وامتثال لامر الله تعالى، الى صورة من صور الشرك به تعالى، وهذا يصدق على سائر الاعمال العبادية التي يطلب فيها الانسان رضى الله تعالى.

ومن جملة ما امر الله تعالى به الانسان، أن يحسن الى والديه ويبرهما ويطيعهما في غير معصية الله تعالى. إن امتثال هذا الامر - احسانا وبراً وطاعة- هو الآخر قد يتسلل اليه الشرك بالله تعالى، من حيث لا يشعر الانسان.

وعليه؛ فمن الضروري للانسان ان يعلم معنى بر الوالدين، والاحسان اليهما، ومعنى طاعتهما في غير معصية الله تعالى، ومعرفة حدود هذه الطاعة ومساحتها؛ فاذا ما تجاوز ذلك حداً وقع في الشرك.

ان علاقة الانسان بغير الله تعالى – ومنهم الوالدان- اذا كانت في امتداد العلاقة بالله تعالى، فهي سليمة. مثال ذلك؛ اننا نحب المؤمنين، ونطيع اولياء الله. ونتيجة هذا الحب والطاعة، هي حب الله تعالى وطاعته. اما اذا كانت العلاقة علاقة ندّية، وخالية من العلاقة بالله ؛ فهي علاقة شركية، لايمكن القبول بها بالمرة.

ان الله تعالى الذي خلق الانسان وكل شيء في هذا الكون الفسيح، انزل في شرائعه ما ينظم علاقة الانسان بالانسان، كما علاقته بما يحيط به من الموجودات؛ ولهذا حرم عليه ان يرسم لنفسه خارطة الطاعة ولم يجز له ان يشرع لذاته قانونا، يخرج به عن قانون الله عز وجل، وهو القائل في محكم كتابه المجيد: “ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَ لَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ” (سورة الشورى -21). حيث ان التشريع ، وتحديد نوع الطاعة- التي هي عبادة في حقيقتها- خاص بالله وحده ، لا شريك له. فكان حرياً بالانسان، ان يرسم علاقته بغيره ، ابتداءً من ترسيم علاقته بالله سبحانه، فينظمها ويجعل لها ضوابط محددة وفق ما حدده الشرع المقدس.

ولما كانت علاقة الانسان بوالديه بالغة الدقة والحساسية، وعليها تترتب آثار خطيرة تمتد ابعادها لتشمل كل شيء ؛ فقد أولاها القرآن الكريم اهتماما خاصا ووضع ابعادها ومداها في عدد من آيات الذكر الحكيم. قال تعالى: “وَ وَصَّيْنَا الإْنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ” (سورة لقمان -14)، فبيّن تعالى ان علاقة الانسان  بوالديه هي علاقة شكر، وهي تقع امتداداً لشكر الله وطاعته؛ فالشكر ينبغي ان يكون لله اولاً، ويليه الوالدان، لان الله هو خالقهما، وهو الذي القى حب الاولاد في قلبيهما، ولولاه ما كان الآباء والامهات ينجذبون الى صغارهم ابدا. وهذا الشكر الخاص بالوالدين ينبغي ايضا ان يكون لوجه الله تعالى، بسبب ان المصير النهائي يكون الى الله تعالى، فلا تبقى حاجة الى احداث الفصل بين الشكر لله والشكر للوالدين.

اذاً كيف يكون شكر الوالدين؟

لا ريب في ان الشكر لهما لاينحصر بالألفاظ فقط، ولعل قوله تعالى: “ وَ وَصَّيْنَا الإْنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً “، يصور لنا هذا الشكر المطلوب، ألا وهو الاحسان اليهما. والاحسان هو التقدم لهما بما هو مستطاع من الخدمة، وهو يدل على مفهوم أوسع من مفهوم العدل، الذي هو الرد بالمثل. أما الاحسان: فهو العطاء عن طيب قلب، بلا مقابل، او اعلى من المقابل، بلا خضوع او استسلام . وهذا هو الخط الفاصل بين الطاعة العمياء والشكر. اذ الشكر امر ضروري، فيما الطاعة العمياء، والطاعة المنفلتة عن طاعة الله تعالى، امر مرفوض وواقع مذموم ومنهي عنه.

وبهذه المنهجية الرصينة والواعية يضع الله تبارك وتعالى حصناً دون انحراف الاجيال، باعتبار ان الطاعة العمياء من جانب الاولاد لآبائهم وامهاتهم تؤدي الى تصاعد احتمال الانحراف في أنفسم وسلوكياتهم؛ هذا الانحراف الذي لابد ان يكون له مردوداته السلبية حتى على الاحفاد فيما يلي من الزمن.

ولكن الشكر - مع ذلك- ينبغي الا يتحول الى طيف من اطياف الشرك؛ أي الى الطاعة المطلقة ، أو العبودية، فالطاعة والعبودية لا تكون الا لله سبحانه وتعالى ، واذا كان الله تعالى قد امر بطاعة الوالدين ، فانما نطيعهما طاعةً له عز وجل.

اما اذا اختلفت الحالة، فامر احد الابوين بما يخالف امر رب العالمين؛ اي القيام بعمل لا يرضاه الله ويتنافى مع طاعته.. اذ ذاك يكون الانسان امام مفترق طرق؛ فاما ان يعبد الله او يعبد اباه! فاذا عبد اباه خرج من طاعة الله ، وتورط في رذيلة الشرك. وهنا يقول عز اسمه: “وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (سورة لقمان -15).

 فأي شرك هذا...؟ وهل هناك والدان يأمران ولدهما بان يسجد او يركع لهما او لصنم؟!

ان الآباء ليس من طبعهم عادةً، ان يأمروا اولادهم بمثل هذا، انما يطلبون منهم شرك الطاعة؛ أي يأمرونهم بما يخالف تعاليم الدين ويتعارض مع الشريعة، فيطيعهم الاولاد في ذلك، حيث ان للشرك درجات ومستويات؛ فمنها شرك الركوع والسجود ،ومنها شرك الطاعة التي لاتصب في طاعة الله تعالى.

وهنا يامرنا الله عز وجل، بان نتخذ موقف المواجهة. مواجهة الوالدين، وايضاً مواجهة الشعور اطاعة الوالدين وابداء الشكر لهما، فاذا تحدى الولد الوالدين، تحدث حالة الاحتكاك والتقاطع ، وهي التي نسميها بـ (المجاهدة) ، وقد عبر عنها القرآن الكريم قائلا: “وَ إِنْ جاهَداكَ”: اي حاولا اخضاعك بشتى الوسائل وانواع الضغوط لحملك على طاعتهما؛ خلافا لما فيه طاعة الله تعالى.

والواقع ان الوالدين هما القناة الاولى للارتباط بالمجتمع، وعادة يتعرض الفرد لتيار الضغط الاجتماعي من خلالهما، لذا تعد مجاهدتهما الخطوة الاولى في سبيل الاستقلال وتجنب الاستسلام للمجتمع الفاسد؛ ولذلك يأمر القرآن الكريم الولد قائلا: “ وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما”، أي لاتطع الا ما علمت انه يعبر عن ارادة الله وحكمه في المحتوى والاداء.. فيفترض بالعلاقة بين الانسان ووالديه ان تكون واعية ؛ ذلك لان الله عز وجل قال في محكم كتابه الكريم: “الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأْلْبابِ” (سورة الزمر -18). وهكذا وصف الله تعالى عباده الصالحين بانهم لايتبعون كل قول، ولايميلون مع كل ريح، انما هم يتبعون الاحسن؛ أي يبحثون عن الافضل، ليبنوا الواقع الاسمى؛ وهذا ما يجب ان يكون عليه الاولاد تحت ضغط الوالدين. فالمقياس في الطاعة، وان تعاظمت ضغوط الوالدين على الولد، هو ارادة الله وحكمه.

وحيث ان مشيئة الله تعالى هي السلام ، وغايتها ارساء اواصر المحبة والعدل بين افراد الاسرة، فان القرآن الكريم يبين ما يخفف الحدة المتوقع حصولها جراء مجاهدة الآباء اولادهم، لحملهم على الطاعة، وجراء تمرد الاولاد على اوامر الآباء فيما لا يرضي الله تعالى، فيقول: “وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً” اذ لابد من بر الوالدين ، مؤمنين كانا او فاجرين، مادامت العلاقة هي العلاقة، أي علاقة الوالد والمولود.

ورغم كل هذه البصائر التي ساقها القرآن الكريم، إلا ان من الآباء والامهات من يواجه رفض انسياق الابناء لاوامرهما الخارجة عن الشرع، بردود افعال شديدة قد تنتهي الى الطرد من اطار الاسرة، بل وقد يصل الامر الى حد التبرؤ منه، بداعي الخلافات الدينية والفكرية. غير ان الله سبحانه، ازاء هذا الواقع الصعب، يذكر الوالد بالمنيبين الى الله تعالى، ويأمره باتباع نهجهم في الحياة، فقال تعالى: “وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ”.

فالمرجع الحق هو الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهو الذي يرسم منهج الحياة، وهو المالك ليوم المعاد. وحتى ان نفع الوالدان ولدهما في الدنيا، فهو نفع مؤقت ولفترة معينة، الا ان النفع الاكبر هو عند الله سبحانه وتعالى، اذ عنده الجزاء الاوفى لمن يشكره ويطيعه ولا يطيع الانداد من دونه عز وجل، وهكذا يقول تعالى في بيان هذه الحقيقة: “ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ”

ومن هنا نجد خطأ من يعتقد ضرورة الذوبان في افكار وتوجهات الوالدين كطريقة لأثبات المحبة والتعلق بهما، حتى ولو كانت تلك الافكار والتوجهات مخالفة لاحكام الشرع المقدس.


ارسل لصديق