المجتمع والبحث عن القدوة الصالحة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/04/08
القراءات: 1491

كم هو الفارق بين أن يردد الانسان مفردات الحكمة، وبين ان يكون حكيماً..؟ وبين أن يبين قيم الثقافة او الاخلاق، وبين ان يكون مثقفاً و خلوقاً..؟ وهكذا الفارق بين التشريع والتطبيق.

إن المطبق للتشريع والحامل للثقافة والاخلاق سلوكاً عملياً، إنما هو مرآة للنظرية من جهة، وعامل بها من جهة اخرى. والذين يطبقون النظريات والافكار الدينية أو السياسية أو الاقتصادية او الاجتماعية او غيرها بنسب عالية جداً، يُعرفون اليوم بـ «المثل الاعلى» أو «القدوة» لمن يتبع تلك النظريات والافكار على اختلافها. ولهذا المعنى معنى قريب منه نستلهمه من القرآن الكريم، ألا وهو «الأسوة»، وهو ذلك المثل الأعلى لكل القيم.. فالأسوة تعني النموذج الكامل لأفضل ما يفكر فيه الإنسان من خُلق وعمل، بينما القدوة، هو ذلك الإنسان الذي يقود ركب البشرية إلى سبيل السلام، فالقدوة تعني الهاديَ إلى السبيل القويم من بين سبل الحياة المتفرقة.

 

أهمية القدوات

إن النظرية سواء أكانت تشريعاً أم خُلقاً أم مبدأ أم حكمةً.. قد تفتح الباب لعديد الاسئلة من قبل البعض، من قبيل هل هي قابلة للتطبيق أم لا؟ فان وجود الانسان المطبق لها وخاصة في مجال التشريعات الالهية، وما يلقيه تطبيقها عليه من آثار ايجابية؛ لدلالة على إمكان تطبيقها، وصحة العمل بها؛ فيكون الانسان المطبق لذلك التشريع شاهداً على غيره من الناس، ورافعاً لتبريراتهم؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام، شهوداً على الامة، بما طبقوه من التشريعات، كذلك كان علماء الدين – وما يزالون- مثلاً أعلى يُحتذى ويُقتدى به من قِبَل الناس؛ لما طبقوه من تعاليم الدين. ويضاهي الشهادة في الاهمية، أن القدوات أشد تاثيراً في المجتمع من النظرية المحضة غير المقترنة بمن يطبقها؛ حيث يمثلون في سيرتهم أمثلة حيّة، وصورة واقعية مع افراد المجتمع، المشابهين لهم في القدرات والامكانات، كونهم بشراً مثلهم، لهم نفس المشاعر والاحاسيس والغرائز والنوازع.. و ربما لهذا السبب، أمرنا الإمام الصادق عليه السلام، بأن ندعو الى الله بافعالنا الحسنة، «ففي الحديث الصحيح  عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ» (1).

 

الاسلام يصوغ النموذج الامثل

ومن ميزات الرسالات الإلهية أنها تصوغ أشخاصاً متميزين ليكونوا النموذج الذي يجب أن يجعله الفرد نصب العين، فيطبق جميع شؤونه وفقه ليتخرج ومعه منهج ناجح لأفضل حياة كريمة.

أما سائر المبادئ فإنها حينما يفشل المنتمون إليها في صياغة نماذج ناجحة، فإنهم يعمدون إلى أحجار جامدة، وأخشاب صامتة، فيجعلونها الأسوة الرمزية التي يجب عندهم اتِّباع ما يُنسب إليها من الأساطير، وهكذا يحاولون سد الفراغ، ومن ذلك كانت قديماً أنصاف الآلهة التي كانت الشعوب المتخلفة تزعمها نماذج للبطولات الخارقة والأمجاد العظيمة. ومن ذلك حديثاً «الجندي المجهول»، الذي يعده البعض رمزاً للتضحية الذي يجب أن يُتبع من قِبَلِ سائر الناس.

أما في الإسلام، فقد جعل اللـه سبحانه حامل رسالته، أسوة للأمة فقال: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (سورة الاحزَاب /21)، حيث عدّ الأسوة معصوماً، وقال:

«وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى» (سورة النجم /3-4)، وهو يعني كونه، لايرتكب أي خطأ ولا يميل إلى أي انحراف، وإن لم يكن كذلك، لم يكن أسوة، ولم يصح ان يجعل الرسول سيداً مطاعاً في الخلق، إذا احتمل ارتكابه الخطأ، فيجر إلى تابعيه الويلات، أو احتمل تعرضه للانحراف، فينكبّ بتابعيه الطريق، واحتمل أن ينجرف إلى الأهواء ويتبع الشهوات فيهوي بالخلق إلى المهاوي بعد أن يبدل حكم السماء ويحرّف كلماته.

ولم تقتصر نعمة الله على المسلمين بجعل النبي أسوة، إذ جعل لهم خلفاء للنبي، وجعل كلاًّ منهم أسوة تُتبع، بعد ان جعلهم معصومين عن الزلل، كما جعل للنساء من الأمة أسوة من جنسهن، تكون رمز الفضائل والقيم، وشاهدة على مدى صلاحية تعاليم السماء للتطبيق العملي بكلّ تفاصيلها، وفي كلّ المجالات. وتلك هي سيدتنا فاطمة الزهراء، سلام الله عليها.

إن الصديقة الطاهرة سلام الله عليها، معصومةٌ شأن سائر الأئمة والأنبياء عليهم صلوات الله.

فهي إذاً، لاتفعل سوى الحق، ولا تتبع غير الحق، وهي إذاً، قد طبقت تعاليم السماء على نفسها تطبيقاً كاملاً. ولذلك أصبحت المثل الاعلى في جميع الفعال والخصال، وهي لذلك كله القدوة  والأسوة.

فإذا كيَّفنا حياتَنا وفق سيرة هذه السيدة العظيمة وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأفكارَنا وفق أفكارهم، وتخلَّقنا بمثلِ خُلقهم، فقد بلغنا الصواب. لأنهم  نسخة ناطقةً عن القرآن الكريم، وشهود صدقٍ على واقعية تعاليمه الحياتية. فقادتنا ليسوا فقط قدوة الأمة  بل هم  أسوة الأمة  أيضا.

فكما يجب أن نستنير بهداهم الذي خلّفوه لنا في أقوالهم، كذلك يجب أن نتأسى بهم في أعمالهم ومواقفهم وسكناتهم وحركاتهم، والتي تعد كلها سنّة للبشر .

 

القدوة غير الحسنة

الغريب ان بعضاً من الشباب والشابات اليوم، يتخذون غير أهل الحق والفضيلة قدوةً  لهم؛ فتراهم يقلدونهم في ملبسهم، وقصة شعرهم، بل ويتابعون اخبارهم، وكل ما يتعلق بهم في محاولة لتقليدهم  في أدق تفاصيل الحياة، مما يؤدي الى اشباعهم بثقافةٍ و أخلاقٍ أبعد ما يكونان عن أخلاق وثقافة الاسلام؛ وبالتالي شيوع ثقافة الفسق والفجور والميوعة في المجتمع الايماني. والبعض الآخر اتخذ من الغرب قدوته، فراح يكيف ويشكل حياته وفق رؤية الغرب وسلوكياته الى درجة تجاوزت الملبس ليصل الى تصميم المنازل التي يسكنونها، رغم الاختلاف الكبير في الاجواء والظروف المقتضية لنمط البناء، ففي بلداننا حيث البرد الصحراوي القارص أيام الشتاء، والحر والرطوبة أيام الصيف. وحيث لا ربيع ولا خريف. وفي هكذا طقس، نجد بعض المهندسين يخصصون للشرفات مساحات كبيرة تقليدا للمناطق التي تتمتع بفصول طبيعية يستفاد فيها من الشرفات. ولقد رأيت مهندساً، صمم «فيلّا» لعائلة مسؤول حكومي كبير، جعل جدران الطابق الأعلى منه من الزجاج. بيد أن هذه العائلة كانت تسدل الستائر من وراء الزجاج ليل نهار، حفاظاً على تقاليدها الدينية في الستر.. والنتيجة عبثية الزجاج والتقليد الأعمى.

وإذا تركنا هندسة البناء، ولاحظنا هذه الظاهرة في ميدان الطب، وجدنا شيئاً يشبه ذلك، كذلك الحال في ميدان الثقافة و التربية والاقتصاد والسياسة، هنالك مظاهر غريبة ومثيرة للاشمئزاز، من عدم التناسب والتعارض بين المعروض وبين الواقع الذي يعيشه الناس.

 

حلول مقترحة..

لنا هنا ان نتساءل عن اسباب هذا التوجه من بعض ابنائنا؛ لعلنا نقف على علته، ومن ثم نحدد علاجه. فلا شك ان هناك اسبابا كثيرة، أهمها:

1- الفراغ الفكري

إن الانسان دائم البحث عما يملأ به الفراغ الحاصل لديه نفسياً وذهنياً، فإذا وجده عند أحد، التهمه، وإلا اخترع لنفسه أوهاماً يتشبث بها. ويمكن ان نشبه هذه الحالة بالأسئلة المتنوعة، التي يفيضها الطفل على من حوله، جراء  ضغط الفراغ على قلبه. والخطير في الامر، ان طبيعة الإنسان أنه لو ملأ فراغ قلبه بفكرة، فانه يجعلها جزءاً من كيانه، فلا يستطيع التخلص منها، إلا بالتجرد عن حبِّه لذاته ولو بمقدار ما. لذلك لا يكون الفراغ عاملاً نفسياً باعثاً على بحث الانسان عن الفكرة أنّى كان مصدرها ، بل وأيضا سبباً لترسيخ هذه الفكرة فيه؛ بسبب حبه لهذه الفكرة التي ملأ بها فراغه، زاعماً أنها أصبحت جزءاً من كيانه فيدافع عنها كما يدافع عن كيانه.

وينبغي في مورد العلاج ملء هذا الفراغ الفكري والروحي بالثقافة والفكر الصالح، عبر ربط النشء بمنابع الثقافة السليمة، ومنذ نعومة اظفاره. ولعل من اهمها تعويد الابناء على التردد على المساجد لأداء الصلاة، وحضور المحافل القرآنية والمجالس الحسينية، والاشتراك في الدورات الثقافية و الهيئات والمواكب الحسينية، والحرص على متابعتهم للقنوات الدينية. وغيرها من منابع الثقافة السليمة.

2- فقد الثقة

إن الانهزامية أمام تيار أو أمة متقدمة، كالانهزامية الفكرية التي يعاني منها المسلمون أمام الغرب، هي إحدى نتائج الانبهار بالآخر، وفقدان الثقة بالنفس، ويمكن ان نشبه الحالة بالطفل حينما يطرح أفكاره البدائية لاستقبال أفكار والديه، أو من هم أكبر منه سنّاً. وهي ذات الحالة التي تصيب البسطاء والسذج الذين لا يفكرون في الحقائق، لعدم ثقتهم بأنفسهم، وحتى لو فكروا فيها، فإنها تطرح أفكارها لحساب أفكار تُعظّمُها. هذا على المستوى الثقافي والفكري. أما على المستوى الاكاديمي و التطبيقي، فان رجال العلم عندنا قليلاً ما يبدعون. و أخطر حالة تصيب الإنسان هي حالة فقدان الثقة بالنفس، وقد أصيب رجال العلم بهذه الحالة مع الأسف. فهم انبهروا كلياً بمظاهر الحضارة الغربية، وتركوا وراء ظهورهم كنوزاً لا تنفد من إمكاناتهم الذاتية.

ان الحل الوحيد لهؤلاء هو، من جهة، العودة إلى التراث حيث يجدون فيه ما يعيد اليهم ثقتهم بأنفسهم ثم، من جهة أخرى، مواجهة الواقع والتعامل معه مباشرة، وليس من وراء صفحات الكتب والدراسات والنظريات.

2- انعدام الرقابة الأسرية على وسائل الاعلام والاتصالات

لاشك ان قدوات السوء - في الاعم الاغلب- لم تصل الى شبابنا، ولم يتعرفوا عليهم ثم تتكون العلاقة معهم، لولا وجود وسائل او طرف ثالث قام بمهمة التعريف والترويج، والمتمثلة اليوم بالقنوات الفضائية ومواقع النت، وايضاً الهاتف الجوال، وما يحمله من تغطية للنت، الى جانب الاعلام المقروء والمسموع. هذه الوسائل وغيرها، ينبغي من أولياء الامور حماية ابنائهم منها، لانها تمثل بالحقيقة غزواً ثقافياً، وذلك من خلال التربية الصالحة والتوجيه الذكي واللين، ثم دعوتهم لاستخدامهم وسائل الاتصال والاعلام بما ينفعهم، والتأكيد على أن كل ما تقدمه وسائل الاتصال الحديثة، ليس بالضرورة تلبي حاجة الشاب والشابة، نظراً الى أن الانسان مخلوق على الفطرة، فكلما تعارض مع فطرة الله تعالى، فهو مرفوض ليس شرعاً، إنما عقلاً ايضاً. ولعل شواهد وأمثلة الاضرار النفسية والاجتماعية لمن يخوض في الثقافة المستوردة.

 

من أجل شخصيتنا الضائعة

وهكذا اصبح من اللازم لملمة الاطراف، وتوحيد الجهود، لمواجهة الحالة السلبية المتمثلة بالاقتداء بغير الصالحين، ممن يدعون الى التحلل الخلقي والديني، من جانب، ومن جانب آخر لبناء قدوات الأمة وكوادرها. وهذا لا يتحصل إلا بوضع الخطط العلمية  العملية المدروسة التي يجب ان تتحمل مسؤوليتها المؤسسة الدينية، متمثلة بالحوزة العلمية، بالاشتراك مع المؤسسة الحكومية، بمختلف وزاراتها ذات الاختصاص، ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الاعلام الهادف والمسؤول، ومراكز البحوث والدراسات ذات العلاقة.

فعلى رجال العلم ان يعملوا لإحياء الشخصية الاسلامية الضائعة، بين تقليد المتزمتين للماضي، وتقليد المتأثرين بالأجنبي. عليهم ان يؤسسوا لنا حياة جديد.. تكون حياتنا نحن، لا حياة من مضى من آبائنا، ولا هي حياة الغرباء عنا.

-------------

1- الكافي – ج 2 / ص 78.


ارسل لصديق