المجتمع وسبل البناء الثقافي
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/05/08
القراءات: 1174

عندما يفتش الانسان عن أساس المشاكل التي يعاني منها المجتمع الاسلامي اليوم، فانه لابد ان يقع على المشكلة الثقافية كواحدة من أخطر المشاكل، التي تتفرع منها الازمات والعقد الحضارية. والقضية الثقافية انما تتبوأ مكانتها الأساسية في هذا الصدد؛ لان الامة الاسلامية هي بالدرجة الاولى أمة تقوم على أساس المبدأ، وتتمحور حول الرسالة، فالاعتقاد بالمبدأ، وحمل الرسالة يعنيان كل شيء بالنسبة الى كيانها، اذ قال تعالى: «ان هذه امتكم امة واحدة» (سورة الانبياء /92)، فالامة الواحدة هنا لا تقوم على أساس الارض، ولا على أساس القومية واللغة والمصالح، إنما على أساس توحيد الله تعالى، وهذا هو أساس الامة الاسلامية. ومن المعروف ان الثقافة تشكل جزءاً أساساً من العقيدة و الايمان والعبادة، فمن دون العلم والوعي السليم والرؤية الصائبة لا يمكن ان تكون لدى الانسان عقيدة او إيمان.

 

* فما هي الثقافة؟

هنالك العديد من التعريفات للثقافة، منها؛ أنها منظومة من الرؤى والافكار المؤثرة في حياة الانسان، والتي تحدد مسار سلوكه وطبيعة مواقفه،  وبالتالي مسار سلوك المجتمع وطبيعته. فلا تعتبر العلوم الطبيعية من الثقافة رغم تأثيرها غير المباشر على الفكر والسلوك. والثقافة أهم افراز ونتاج للعقل. فالثقافة تمثل الخطوط العريضة لعقل الانسان، فهي الاستراتيجية الفكرية الواضحة لهذا العقل. وعلى هذا الأساس، فان الثقافة هي أهم و أبرز مفردات ومفاهيم العقل. وقد أشار القرآن الكريم الى الثقافة في سياق آياته معبراً عنها بـ «البصائر»، أي الرؤى او مجموعة الافكار والتصورات والمفاهيم التي تمثل الارضية لنمو سائر الافكار والسلوكيات والقيم، فقد قال تعالى: «قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ». (سورة الأنعام /104).

 

* دور المؤسسة الدينية

لما كان مجتمعنا قد اعتنق الاسلام ديناً، و مادمنا نؤمن بان الله تعالى هو العالم الحكيم، وما نزله علينا من الوحي هو المنهج الأمثل للحياة؛ فعلينا ان نحمل ثقافة الاسلام منهجاً في الأبعاد كافة.. ولاشك ان الاسلام كدين انما هو محتوى في بصائر الوحي في القرآن الكريم  والسنة الشريفة، ومن المعلوم ان بصائر الوحي منها ما هو سهل الفهم على عامة الناس، ومنها ما لا يكون كذلك فيحتاج الى اهل العلم من علماء الدين الأفاضل الذين وفقهم الله لاستنباط هذه البصائر المباركة. وهكذا اصبحت مهمة عالم الدين المجتهد، استنباط مفردات الثقافة الواردة في بصائر الوحي أولاً، ومسؤولية نشرها بما توفر له من امكانيات ثانياً. ولعل هذا ما أكد عليه الاسلام حينما أكد أن «مداد العلماء خير من دماء الشهداء». فينبغي بعالم الدين ان يتحول الى مؤسسة ثقافية بالاضافة الى مسؤولياته الاخرى.

 

* مؤسسات الدولة وامكاناتها

مما لاشك فيه ان مؤسسات الدولة الرسمية، تنفيذية كانت أم تشريعية، ليس مهمتها استنباط الثقافة الاسلامية من بصائر الوحي، لكن لا يلغي دورها المؤثر والخطير في تحديد نوع الثقافة التي يحملها المجتمع؛ ذلك أنها تملك أسباب القوة والامكانية لتغييب ما يستنبطه عالم الدين من ثقافة السماء، ولها أيضاً إظهارها.. كما يمكنها منع نشر الثقافة الدخيلة والبعيدة عن الاسلام، و يمكنها أيضاً منع ذلك، ولنا ان نتصور حجم هذا الدور الخطير بالعودة الى الوراء وما فعلته السلطات المتعاقبة على حكم البلاد الاسلامية، التي حرفت كثيراً من الامور والمعتقدات والثوابت، بما يلائم مصالحها السياسية، ولعل القول: «الناس على دين ملوكهم»، يسلط الضوء على جانب من هذه الحقيقة. وهكذا تقع على عاتق الحكومات في البلدان الاسلامية مسؤولية نشر ثقافة الاسلام، بما تمتلكه من امكانات هائلة، وبما لها من تحكّم بثروات البلاد، وبما تملكه من أذرع تنفيذية في دوائر ومؤسسات ، وبما لها من إشراف على مؤسسات المجتمع المدني وغيرها. فكلنا طموح ان نرى ذلك اليوم الذي تضع فيه وزارات الثقافة والاعلام في بلداننا، منهجاً مدروساً و واضحاً ومحدداً؛ لزرع ثقافة الاسلام في نفوس الشعوب، بدءاً بالروضة مروراً بالمدرسة والجامعة والاعلام، من تلفاز وراديو وصحف ومجلات، وشبكات الاتصال وبخاصة الانترنت وحتى  السوق والمستشفى والجيش وغيرها... وكلنا أمل ان تقوم بمنع الثقافات الدخيلة من غزو مجتمعاتنا تحت أي حجة ومبرر كان، كالحرية الشخصية، فأية حرية شخصية هذه التي تجرف بأبنائنا ومجتمعاتنا نحو الضياع؟! وعندما يتجاوز تاثير فعل الفرد دائرته ليصل المجتمع المحيط به، لن يبقى للحرية الشخصية معنى.. فعلا أنها «كلمة حق يراد بها باطل»، لذا نأمل أن تكون المنتديات والأمسيات والمهرجانات الثقافية، مكرسة لنشر ثقافة الاسلام الناهضة، لا أن تكون مجرد إطلالة مجردة على الماضي، او نشراً للثقافات الدخيلة المستوردة.

 

* الأسرة و ثقافة المجتمع

فيما مضى من الزمن، كان الاولاد - إلا ما ندر- يحظون بمتابعة من قبل الوالدين أولاً بأول، سواء في المدرسة أم في البيت وخارجه، ومع من يلعبون..؟ ومن هم اصدقاؤهم، وما هي تصرفاتهم، وماذا فعلوا اليوم، فكان الوالدان يهتمان بكل تفاصيل حياتنا، ويقولبون جو البيت بالشكل الذي يحقق لنا التربية السليمة وفق الثقافة السليمة، بما يضمن لنا السعادة والهناء.. ثم في تلك الحقبة كانت عوائلنا تتابع قناة تلفزيونية واحدة وهي فقط المتوفرة، وكانت برامجها اذا ما قسناها باليوم، فهي بالغة الحشمة، ومع ذلك كان الوالدان يحددان برنامجاً واحداً لمتابعة التلفاز داخل البيت و بأوقات معينة، ولا يجوز التجاوز عليها بأي حال من الاحوال. الى جانب ذلك، كان الوالدان يقولان: ان جارنا اليوم لديه عمل معين، فاذهبوا لمساعدته، ويخبرونا بان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، أوصى بسابع جار، وهنالك وصايا مثل؛ الحذر من الإطلال على سطح الجيران، وأن بنت الجيران بمنزلة الأخت لديك، ولن يطلبوا منهم بعدم معاكستها ومضايقتها – كما يحصل حالياً- وكانوا يقولون لنا: «من دق باب مسلم دُق بابه». وكانت الام تعلم ابنتها؛ «أن تاج الملوك من ذهب وتاج البنت من أدب»، كما كانت تعلمها ثقافة تجاوز المشكلات، مع زوجها أو عائلته.. هكذا كان الوالدان يغرسان فينا ثقافة النبل والشهامة والمحبة والأخاء والتعاون، فهل الوالدان اليوم يقومان بنفس الامر من غرس الثقافة السليمة في نفوس الاولاد؟

ربما لا نجانب الحقيقة إن قلنا ان كثيراً من الأسر تركت هذه الوظيفة المقدسة، فلم يُعد كثير من الآباء والأمهات، يوصون الاولاد بشيء إلا ما ندر، ولا يهتمون بمتابعتهم ولا حتى في داخل البيت، فليس مهماً ما يفعلون، و أين يذهبون و من يصادقون، وماذا يحملون في هواتفهم النقالة «موبايل»، حقاً انها فاجعة؟ فلم  تعد حرمة الجارة مصانة، وما عاد تاج الفتاة من أدب، وما عاد الجار يهتم بمساعدة جاره، بل قد لا يعرف حتى اسمه، وما عادت الأم تعلم ابنتها كيف تتجاوز المشكلات بل هي من يقوم باثارتها وتعلمها فن ذلك، فالوالدان أما في العمل او منشغلان بمتابعة المسلسلات داخل البيت ولا غير.

 

* الاعلام والثقافة الدخيلة

هل تساءلنا عما بدأ يظهر في مجتمعنا في العقود الاخيرة من ثقافة التحلل الخلقي والتفكك الاسري؟! وهل فكرنا لم صارت نسب الطلاق تعادل او تفوق نسب الزواج؟ وهل تأملنا في أن أمهاتنا عشن مع آبائنا أحلك ظروف الحياة من انعدام لأبسط متطلبات المعيشة؟

لعل الجواب واضح.. فرغم انتعاش التوجيه الديني الى حد ما في الوقت الحاضر، فان مصادر تغذية الثقافة السليمة المتمثلة بالمؤسسات الرسمية، والأسرة، قد انحسرت بشكل مخيف.. فلا تشريعات لنشر ثقافة الاسلام، أو لمنع الثقافات الدخيلة من الانتشار، بل ان اكثر النشاطات الرسمية المتمثلة بالمهرجانات وغيرها، أضحت اليوم مصدراً لنشر الثقافات الدخيلة! فأين الرقابة على المطبوعات، وعلى الانترنت وحتى على القنوات الفضائية؟ و أين دور مؤسسات الدولة، في ايجاد البرامج البديلة عن ذلك؟ و أما كارثتنا الكبرى والعامل الاهم في هذا التحول الثقافي هو توقف الوالدين عن القيام بمسؤولياتهم، فلعل عالم الدين لا يتاح له ان يجالس جميع الشباب في المجتمع لفترات طويلة، لكن هذا متاحٌ للوالدين، كما أن الحكومة ومؤسساتها، قد تعتذر عن هذه المهمة، وأن يكون لها السيطرة على مواقع الانترنت، وعلى بث القنوات الفضائية، فتبقى المهمة أمام الوالدين، وهي ليست بالصعبة من خلال تحديد عدد القنوات الفضائية ضمن قائمة المفضلة، والحثّ على متابعة القنوات ذات المضمون المعرفي والثقافي وحتى الترفيهي السليم، الذي من شأنه ان يجذب الشباب وحتى الاطفال الصغار.

ولكن ماذا عن بعض الآباء ممن ليس له همّ إلا ان ينشر ثقافة التحلل الخلقي داخل اسرته، من حيث لا يشعر، فتراه أكثر حرصاً على متابعة مسلسلات أو أفلام وبرامج تعجّ بثقافة التحلل والانحراف الاخلاقي، فهي ليست بالضرورة ذات إيحاءات جنسية، إنما توجه نحو العنف والكراهية وصفات ذميمة تروج بشكل غير مباشر.

 

* بين الثقافة الاسلامية

والثقافة المادية

الثقافة الاسلامية ثقافة سليمة، تعتمد الحق وسيلةً وهدفاً فمن أجل الحق، و بأسلوب الحق تضمن الثقافة الاسلامية للانسان الثورة والصلاح.

فالحق لا الواقع سمة الثقافة الاسلامية، وجزء من الحق متصل بالواقع، على انه يبين حدود تطبيقه، لا أن يكون مُلهم تشريعه، فالثقافة الاسلامية كأي ثقافة تغييرية وإصلاحية، لا تؤمن بالواقع، إلا اذا كان قابلاً للإصلاح والتطوير وفق مقتضيات الحق.

وثقافة السماء هي ثقافة حق انساني، تهدف لاصلاح الانسان وسيلة وهدفاً، اذ ليست القيمة النهائية للحياة سوى تدريب البشر لحياة اخرى، واذا كانت المهمة الاولى والكبرى التي لابد ان يحققها البشر في الدنيا هي تهيئة الذات البشرية للحياة الاخرى.. فان كل شيء في الدنيا يجب ان يوضع لتحقيق هذه المهمة، وهي مهمة تزكية الانسان وتربيته. من هنا؛ فان الحياة لا تهدف الى عمارة الارض بالرغم من ان عمارتها ضرورة لاستمرار حياة الانسان عليها، الا انها ليست غاية نهائية للحياة وهذا هو الفرق بين حضارة السماء وحضارات الارض كلها. فالغاية النهائية لثقافة السماء هي تزكية البشر؛ لتهيئة نفوسهم لدخول جنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين، بينما ثقافة الارض تهدف الى انتاج اكبر قدر مستطاع من وسائل الانتاج، وتصنيع التراب، وتزيين ما على الارض ولو كان على حساب تهذيب الانسان و إعداده للحياة الاخرى.

وتمتاز الثقافة الاسلامية التي تنتمي اليها الأمة على بقية الثقافات، أنها تمتلك رؤى واضحة للحياة، لانها ثقافة الوحي التي جاءت بصائر للناس وهدى. وحاجتنا الى رؤى واضحة الى الحياة، حاجة ماسة لاننا امام خيارات صعبة نتيجة احتكاكنا بالحضارة المادية.

 

* الخيار.. البديل

و أمام هذه التحديات الضخمة لم يبق لنا إلا خيار واحد ولا غير، وهو تضافر الجهود والتنسيق الحثيث والمستمر بين المؤسسة الدينية المستنبطة لبصائر ثقافة الاسلام، وبين مؤسسات الدولة الرسمية، التي من شأنها تشريع القوانين واتخاذ الاجراءات العملية للوقوف أمام نشر الثقافة المنحرفة في المجتمع، من خلال وسائل متعددة.. ومن ثم جعلها حيز التنفيذ بواسطة الجهات التنفيذية لها، وبالتعاون مع المؤسسة الدينية، بما لديها من مبلغين ومساجد ومدارس دينية، وبالتعاون مع الاسرة كوحدة للبناء الاجتماعي، وعليها وفي ساحتها تجرى التحولات الاجتماعية اذا ما أردنا في هذه الامة وهذا المجتمع إصلاحاً. كما ان الجميع يتحمل هذه المسؤولية الجسيمة وكل من موقعه ووظيفته، فلا يتحملها الوالدان او المؤسسة الدينية او السياسية فحسب.


ارسل لصديق