بناء الذات طريقنا إلى تنمية المجتمعات
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 1270

ان اساس بناء ونمو مجد المجتمعات، ودعامة قوة الأمم قائمٌ على بناء الانسان. فكلما كانت القوانين السائدة في أمة ما او مجتمع ما تساعد على عملية بناء الانسان، وتسهم في صنع الفرد المتكامل كانت هذه الأمة وهذا المجتمع اقرب الى المجد والعظمة والنجاح والانتصار. ان اهمية بناء الانسان تأتي من أن بناءه مقدم على كل تحرك. نعم؛ ابن الانسان ثم دعه يعمل لترى انه سيصنع الكثير. أما عندما لا تربيه فعليك ان لا تتوقع منه شيئاً. فالانسان هو الذي يجب ان ينمو. فما فائدة بناء الاحجار اذا كانت بحاجة الى من يسكنها؟! وما جدوى إنشاء المصانع اذا كانت بحاجة الى من يشغلها، ويشرف عليها ؟! فلابد- إذن- من ان نبدأ ببناء الانسان.

ومما لاشك فيه ان البناء الروحي للانسان هو الاهم ، وهو الاصل؛ لان بناء الانسان بالشكل الصحيح روحياً ينعكس على تفجير طاقاته فعلياً و واقعيا ، إلا ان السطور التالية ستركز على بعض الوصايا المهمة، والتي ساقها المختصون في تنمية الانسان وكيفية تطويره لذاته واعماله.

 

* لكي تنجح .. ثق بنفسك

لو قدر لك ان تقابل كل الذين احرزوا النجاح في الحياة من زعماء دين، أو رجال اعمال، أو سياسيين، أو كتاب وغيرهم، لوجدت أن هنالك قواسم مشتركة تجمع بينهم، وان هناك خيطاً يشد افراد هذه المجموعة بعضهم الى بعض. فالنجاح ليس نتيجة لخصوصية ذاتية يولد بها البعض ويُحرم منها آخرون، ولا هو حاصل ذكاء مرتفع او مواهب خاصة، ولا دخل له بالعائلة او البيئة التي يولد فيها الناجحون. ومن هنا نجد ان الناجحين ليسوا فوق البشر، وليس لهم اربع عيون وثماني آذان وست عشرة من الايدي.. بل هم من لحم ودم و اعصاب. ويعتريهم ما يعتري غيرهم. ويتعبون مثل غيرهم. إنما يختلفون عن الفاشلين بمقدار ثقتهم بأنفسهم، وطموحهم وجدهم واجتهادهم . وهي أمور ربما تتوفر لبعض، وتنحسر عند البعض الآخر.

ان (البعض منا يفقد ثقته بنفسه؛ لانه لا يريد ان يجرب . ولو جرب فسوف يكتشف أن كل شيء ممكن. ان فينا من القدرات والطاقات ما يكفينا لاحراز النجاح؛ اذا عرفنا كيف نستغلها). فيجب ان لا نفقد ثقتنا بانفسنا لبداياتنا المتواضعة .فان الانسان ينجح لقدراته وليس لانه يملك افضل الامكانات.

ان الثقة بالنفس تتمثل في ان يعرف الانسان نفسه، ويعرف طاقاته دون زيادة او نقصان. فهي روح الاعمال وريحانة الآمال. فمن عرف ما ضمت عليه جوانحه فانه لا يرضى بالهوان، ويسعى لتحقيق ما يصبو اليه بلا كلل؛ ليحرز النجاح الذي ينشد. وكما يقول الامام علي، عليه السلام: «قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر انفته ، وعفته على قدر غيرته» (نهج البلاغة الباب الثالث47).

 

* الطموح وقود النجاح

أعمد الى أقصى ما يخطر على بالك فاجعله هدفا. فانك على جناح الطموح تُحمَل الى القمم. فعندما تكون همة الروح عالية فان الجسم لا يملك إلا ان يوفر لها متطلباتها. فالناجحون يطمحون اولاً، ثم بعد ذلك ينجحون. فحينما تريد ان تحدد اهدافك فلا تخشَ ان تطمح في الوصول الى أعلى المراتب؛ فمن عادة الحياة ان تمنح كل واحد ما يعتقد انه سيناله. يقول الامام علي، عليه السلام: «ما رام امرؤ شيئاً الا وصله، او مادونه». ان البعض يخاف ان يصوب عالياً ظناً منه بان ذلك يتعبه، على اساس «ان الطموح الكبير سوف يكلف الكثير».غير ان المسألة ليست كذلك، فالتاجر يتعب اقل مما يتعب الحمال، وصاحب المصنع يتحمل من المشاق اقل مما يتحمله العامل فيه.

فالطموح يدفع الانسان الى الأعالي، يقول الحديث الشريف: «من كبرت همته كبر اهتمامه». غرر الحكم ودرر الكلم 5/176. ويقول الحديث الشريف: «ثلاث يحجزن المرء عن طلب المعالي، قصر الهمة، وقلة الحيلة، وضعف الرأي». تحف العقول، ص234. ومن هنا فان «من صغرت همته بطلت فضيلته» .غرر الحكم،5/210

 

* حدد أهدافك

أ تعرف أن سؤال: «ماذا تريد..؟ على الرغم من جملته البسيطة، هو من اصعب الاسئلة على الاطلاق؛ ذلك ان الناس يرغبون في كل شيء، غير ان رغباتهم تبقى في حدود الرغبة ، ولا تتجاوز الى حد تعيين اهدافهم في الحياة.

أما الناجحون فهم وحدهم الذين يجعلون ما يرغبون به هدفاً حقيقياً لهم.

فهم مثل كل الناس يرغبون في كل ما لذ طاب ، ولكنهم يريدون بعض ذلك بالفعل فيجعلونه هدفا لهم.

ان ارادة الناجحين هي ارادة محددة وليست ضبابية. أما ارادة الفاشلين فهي مثل بوصلة معطوبة تتجه نحو كل الاتجاهات.

ان الانسان الذي ليس له هدف محدد مثل سفينة بلا دفّة. كلاهما يجنح في النهاية الى صحراء رملية. ولذلك فان استقرار الهدف على شيء محدد هو اول مبادئ النجاح. فالانسان الناجح يركز تفكيره على ما يريده من الحياة، ويجعله هدفاً له وحينئذ يترك ما لا يريده لكي يحقق ما يهدف اليه. فالجهود انما تعطي نتاجها اذا تمركزت حول محور او محاور محددة، و الا فان الجهود لا تضيع فحسب بل وتتناطح ايضا. فاذا بعمل تؤديه اليوم تناقضه غداً، او أمر تبنيه اليوم تهدمه في اليوم التالي.

 

* ارسم خطة عملك

التخطيط للعمل يعزز فرص النجاح فيه، فمشروع يقوم على تصور مسبق يصبح سهل الانجاز. ألا ترى ان شركات المقاولة تقوم بوضع كافة التفاصيل للمشروع قبل البدء بعملية البناء؟ بل ان بعضها لا يكتفي بذلك و انما يصنع مجسماً صغيراً له قبل بدء العمل فيه. لقد ثبت ان التخطيط الجيد يشكل خمسين في المائة من تحقيق نجاح العمل، كما ان اهمال التخطيط يؤدي ليس فقط الى الفوضى وضياع الجهود، بل الى الاهمال والتسويف ايضا.

انك قادر على الحكم بالنجاح او الفشل على أي مشروع من خلال نظرة فاحصة الى مخططه. فاذا كان المخطط فاشلاً فلا يمكن توقع النجاح، أما اذا كان سليماً فالامل بنجاحه يكون كبيرا. وهكذا فمن يملك هدفاً محدداً وخطة سليمة لتحقيقه ويمتلك ارادة لتنفيذها لا يبقى عليه الكثير لكي يحقق ما يريد. وهنا يقول الامام علي عليه السلام: «التدبير قبل العمل يؤمنك الندم». تحف العقول ص70 وقال، عليه السلام: «قدّر ثم اقطع وفكر ثم انطق وتبين ثم اعمل». غرر الحكم 4/506.

 

* اشحذ همتك و ارادتك

كل النجاح يبدأ بإرادة النجاح. وكل الفشل يبدأ بفقدان تلك الارادة. فالطاقات التي في داخلك، والامكانات التي في الكون كلها رهن ارادتك. فان اردت منها ان تحملك الى النجاح فسوف تفعل ذلك ، و إلا سوف تحملك الى الفشل.. فالارادة هي القدرة فمن اراد قدر على ما اراد. والارادة هي الفعل فمن اراد فعل. والارادة هي قلب الحياة وحياة القلب. واذا وجِدَت الارادة وجِدَ الطريق لتنفيذها ايضا. فمع الارادة والصبر لا يبقى شيء صعب وبدونهما لا يتحقق حتى الشيء السهل.

ان ما يحدد مدى نجاح الافراد ليس كثرة الامكانات لديهم بل قوة الارادة فيهم، فكم من اشخاص تهيأت لهم كافة الوسائل فخسروها؛ لضعف ارادتهم ، وكم من آخرين عاشوا ظروفاً صعبة من الفقر والعوز وصنعوا مجدهم بقوة ارادتهم.

 

* نظم وقتك

في قضية النجاح فان الزمن هو البعد الاول وليس البعد الرابع. فلا نجاح من دون ان يعرف المرء كيف يصرف وقته. فالوقت ليس شيئاً يمكنك إيقافه حتى يتسنى لك معرفة ما تفعل به . ولا هو مثل المال يمكن ادخاره او تخزينه لوقت الحاجة ، إنما هو العمر الذي لابد ان ينقضي سواء استعملناه في خير أم في شر . او تركناه حتى يمر وينتهي.

والسؤال: كيف نوسع الوقت؟ الجواب؛ بحسن التعامل معه، وذلك يتطلب دراسة اوضاعنا معه أولا؛ ومن ثم التخطيط السليم للاستفادة منه ثانيا. اننا كثيرا ما نمدد اعمالنا في الوقت بدل ان نختزلها فيه ؛ ولذلك نشعر وكأن الشغل يملأ كل الوقت بينما هو ليس كذلك.

ولو لم تخطط لوقتك فانك بالحقيقة لا تضيع وقتك، بل تضيع اعمالك. ان التخطيط السليم هو المفتاح لتوفير وقتنا الضائع وتنظيمه. ان من حاز على عادة تنظيم الوقت فهو يكتسب وقتاً أطول. اما الذي يعتمد على الفوضى فهو قد يرى نفسه مشغولا طوال الوقت، ولكنه ليس كذلك فهو مشغول بصرف الوقت وليس بانجاز الاعمال .

 

* لا تستسلم للفشل

كما لا نهار بلا ليل، ولا ورد بلا اشواك، ولا ربيع بلا خريف، كذلك لا نجاح بلا فشل . وأحياناً فان الفشل هو الطريق الوحيد الى النجاح! ان الناجحين في الحياة ليسوا اولئك الذين لم يفشلوا ، بل هم اولئك الذين لم يستسلموا للفشل. فلكي تنجح لابد من ان لا تخاف من الفشل قبل ان تُقدِم، وان لا تستسلم له اذا وقع.

يقول الامام علي عليه السلام: «الناس من خوف الخوف في خوف» . وهذا يعني ان الناس من خوف الفشل في فشل.

ان الفشل قد يكون طريقك الى النجاح فلماذا الخوف منه . غير ان هذا لا يعني ان نتوقعه في كل اعمالنا ومن ثم نتصرف و كأنه هو المطلوب وليس النجاح.

ان الانسان يتعلم من الفشل اكثر بكثير مما يتعلم من النجاح. وما الفشل في النهاية سوى ثمن الاقدام والمغامرة. فمن اراد النجاح فلابد ان يضع الخوف من الفشل جانبا ،ويتقبله اذا وقع ،ومن ثم يتجاوزه بعد ان يستلهم منه الدرس اللازم.ان الذي ليس له وجود في حياة الناجحين ليس الفشل ذاته ولكن آثار الفشل واهمها فقدان الثقة بالنفس و اليأس والخوف..فبعد الفشل عليك بامور اهمها: المحافظة على الثقة بالنفس ،والتمتع بالروح الايجابية والتفاؤل، وتصحيح الاخطاء،والتوكل على الله ومواصلة العمل بعد اعادة النظر وتطوير الخطط.

 

* توظيف التكنولوجيا

المبادرة الى استخدام أي أداة من شأنها ان توفر لنا الجهد والوقت في تحقيق النجاح، مثل الاحتراف في استخدام الحاسوب، والانترنت، واجهزة الاتصال الذكية والسريعة، والبرامج الحديثة التي تعمل وفق هذه الوسائل. وهذا التوظيف يتمخض ولا شك عن نتائج مثمرة تنعكس على كل مجالات الحياة العامة؛ وذلك بتوفير الوقت والجهد. وعلينا ان لا ننسى في هذا المجال ان استعمال تلك الوسائل التكنولوجية، تبدو مكلفة في ظاهر الامر، ولكن نتائجها الايجابية لا تلبث ان تغطي تلك التكاليف وستكتشف حينئذ ان مقتضيات التدبير الاقتصادي والتنظيم ان نبادر الى استعمالها قدر الامكان.

 

* تطويرالمهارات الخاصة

وبخاصة مهارات القراءة السريعة والطباعة السريعة والحفظ السريع والقدرة على الانصات واسترجاع المعلومات المسموعة والقدرة على الكتابة والتأليف وغيرها.

وهكذا ومع الاعتراف بان الكثير منّا قد لا يستطيع تربية الملايين لتنمية مجتمعه، إلا اننا ومما لاشك فيه نستطيع ان نربي انفسنا ونطور قدراتنا وطاقاتنا. ان كل واحد منا هو انسان واحد ولكن بالعلم سيتحول الى مليون انسان، فبالاجتهاد والتقوى وتزكية الذات والتدبر في بصائر الوحي ، والتدبر في التاريخ والعلوم والتوكل على الله وتطوير المهارات والقدرات وتعلم فنون ادارة الذات، يصبح الانسان الواحد منّا أمة، ففي ذاته يكمن الملايين من البشر، فعليه ان لا ينسى نفسه التي تمتلك الطاقات الكبرى، يقول الامام علي عليه السلام: «أتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر».


ارسل لصديق