المسؤولية.. درس عاشوراء الأول
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2013/12/15
القراءات: 1189

لعل فكرة المسؤولية هي الفكرة الاولى التي زرعها الامام الحسين،عليه السلام، في روح المجتمع الاسلامي عندما قام بنهضته العظيمة يوم عاشوراء. فهناك الكثير ممن جاء الى الامام، عليه السلام، وطلب منه أن لا يحمل معه عياله و أهل بيته ؛ اذا كان متيقناً من أنه سيقتل في سبيل الله. ولكنه،عليه السلام، اراد ان يعلمنا درس المسؤولية، وان على كل واحد منّا ان يتحمل قدراً منها، كما كان على كل واحد من اهل بيته،عليه السلام، ان يتحملوا قدرا منها.

ان نهضة عاشوراء زرعت في الامة، ثقافة تحمل المسؤولية، ووضعت لنا مقياس تلك الثقافة. فنحن اليوم نعرف الثقافة الصحيحة بمدى بعثها للهمم، وشحذها للعزائم، وقدرتها على توعية الناس بمسؤولياتهم الحياتية. أما الثقافة الجبانة التي تخلق المعاذير للناس، وتزرع في النفوس الخدر والأماني، وتزيّن لهم الحياة الدنيا، وتنسيهم أن الدنيا مزرعة الآخرة و دار فتنة وامتحان. فها هي الثقافة اليزيدية التي لا تمت الى روح عاشوراء بأية صلة.

ان الاوضاع المتردية التي نجدها اليوم في أمتنا، والفساد العريض، والتشتت والاختلاف.. كل ذلك رهن بالمسؤولية التي لابد ان نتحملها، اذ يقول تعالى:{وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}  (سورة الصافات /24). فالعلماء بعلمهم وعملهم، والخطباء بألسنتهم، والكتاب باقلامهم، والتجار بأموالهم، وكل فرد في المجتمع بحسب قدرته وطاقاته. وصدق رسول الله، صلى الله عليه وآله، بقوله: «كلكم راع،وكلكم مسؤول عن رعيته». فبما ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الفرائض الدينية، فالجميع يجب ان يتحمل المسؤولية، إذ يقول تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. (سورة آل عمران /104). وفي هذا الصدد جاءت كلمة الامام الحسين،عليه السلام، المشهورة: «.. وَ أَنِّي لَمْ‏ أَخْرُجْ‏ أَشِراً وَ لَا بَطِراً وَ لَا مُفْسِداً وَ لَا ظَالِماً وَ إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي ص أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَ أَبِي‏...».

ان اهم نقطة يجب ان يعرفها افراد المجتمع اليوم، هي مدى تحملهم مسؤوليتهم عن واقعهم المتردي، و أنهم لا ولن يتجاوزوا هذا الواقع إلا بجهد كل فرد منهم، وان كل فرد في المجتمع  مسؤول عن واقعه و واقع مجتمعه، وما اللامسؤولية واللامبالاة والانزواء، والكسل والتخاذل، ومجمل الثقافة التبريرية و الانهزامية، انما هو السلوك السلبي الذي يريده الحكام الظلمة لمجتمعاتنا.

 

* طاعة القيادة الربانية.. المسؤولية الأولى

ان اول شكل من اشكال المسؤولية التي اتسمت بها ملحمة عاشوراء الخالدة هو مسؤولية الفرد والمجتمع في نبذ حكم الطاغوت والسلطات الزائفة، و إقامة حكم الله في أرضه، و اتباع  اوليائه. هذه المسؤولية تجسدت في ظل قيادة شرعية - ربانية. فعندما حمل الامام الحسين، عليه السلام، راية الإصلاح والتغيير، قال: «إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة،...». (بحار الانوار، ج44:ص325)، بمعنى أن الخط الصحيح يتمثل في قيادة ربانية الهية تتصف بصفة النبوة والرسالة، تحمل الحقائق الالهية الى الناس. فاذا أردت ان تعرف قائدك، تحقق من دفاعه عن قيم الوحي، فهل يدعو الى قيم الرسالة؟ وهل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ أو يداهن السلاطين ويسكت عنهم؟

أما من يريد الالتفاف على أوامر القيادة الشرعية، المتمثلة بالرسول الاعظم، صلى الله عليه وآله، في حياته والأئمة المعصومين، عليهم السلام، من بعده ونواب الأئمة من العلماء، فانه يسقط في وادي النفاق والازدواجية. فقد بُعث الرسل من قبل السماء ليتحملوا مسؤولية قيادة الناس، فلو التزم الناس بالقيادة الشرعية وصححوا مسيرتهم، لأصلح الله حياتهم، وغفر لهم سيئاتهم.

وأحياناً تقع الأمة في مطبٍ آخر، عندما تتخذ القيادة، بحد ذاتها، وسيلة للتهرب من مسؤولياتها، نظراً الى أن القيادة بالأساس تمثل نوعاً من المسؤولية البديلة عن الناس، لذا نجد الأمة المبتعدة عن قيم وموازين السماء، تلجأ الى هذه الوسيلة الملتوية، كما فعل النصارى، عندما ادعوا أن نبي الله عيسى ،عليه السلام، حمل آثام اتباعه وذهب. وبهذا تخلصوا جميعاً من مسؤولياتهم، والقوا على كاهل المسيح أعباءها. انها نوع من التملّص عن المسؤولية عند الجمهور، ولكي يكرسوا هذا الواقع في أذهانهم؛ يضفون على القائد هالة من المجد، ويزعمون ان فيه قدرات اضافية هائلة. وهذا يفسر تحول القادة في البلاد المتخلفة عموماً وعندنا - في العراق- بوجه خاص، الى رمز خرافي للمجد، ومنبع اسطوري للقدرات الكبيرة. بينما القائد عند الحضاريين والمتقدمين، لا يعدو كونه بشراً يتحمل نوعاً محدداً من المسؤولية ولا يكلف إلا وسعه، وله مثل الذي عليه من الحقوق.

 

* مسؤولية السياسي

تقع على السياسيين اليوم مهام ومسؤوليات جوهرية، أهمها:

أولاً: اعتماد التشريعات الالهية

لما كان القرآن كتاباً للحياة بكل ابعادها، ولما كان المشرع يضع اليوم القوانين والانظمة التي تنظم هذه الحياة، فعليه الرجوع الى كتاب الله الذي وصفه تعالى بانه لا اختلاف فيه اذ قال تعالى { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (سورة النساء /82)، فالقرآن كتاب متجانس يكمل بعضه بعضاً، ويضع تشريعاً للحياة في مختلف أبعادها، على عكس التشريعات الوضعية التي تظهر فيها الاختلافات والتناقضات، ليس في حقل القيادة أو النظام السياسي، فحسب وانما في كافة أبعاد الحياة على عكس القرآن الذي هو في قمة الانسجام في كافة الجوانب، ففي الاقتصاد ترى ذات القيم التي تجدها في السياسة، من العدالة، و الحرية، و الاستقلال، وفي الاخلاق، و التربية، و الاجتماع. و في العبادات تجد ذات القيم الواحدة، لا تناقض فيها ولا اختلاف.

وهكذا اصبح الرجوع الى القرآن الكريم ضرورة، إن اراد المشرع وضع التشريعات التي تخدم الانسان. والرجوع الى القرآن لا يكون الا بالرجوع الى العلماء به. فالغريب اليوم اننا نرى ان الدستور العراقي، ضمن عدم تشريع أي قانون مخالف لمبادئ الشريعة  الاسلامية، وفي الوقت نفسه نرى ان البرلمان يشرّع القوانين بدون وجود أي مشرّع أو هيئة علمائية. والسؤال: من يضمن ان يكون التشريع موافقاً للشريعة الاسلامية؟ والمشرع السياسي لاشك، لا يملك العلمية الدينية لذلك، حيث انها من اختصاص الفقهاء المجتهدين. الامر الذي يستوجب تشكيل لجنة فقهاء الدستور الشرعية، وايجاد عنوان دستوري لها في كيان الدولة. وتكون هذه اللجنة مستقلة حتى عن المحكمة الاتحادية، ولها حق نقض أي قانون يخالف الشريعة الاسلامية.

      

* ثانياً: تغيير المناهج الدراسية

في كل عام حيث يبدأ العام الدراسي الجديد، لابد من التذكير بأن المناهج الدراسية الموجودة، غير كافية لصياغة جيل واعٍ وحريص على صناعة المستقبل الانساني والاسلامي؛ نظراً الى ان الوعي والحرص على صناعة هذا المستقبل بحاجة الى مزيد من البناء الاخلاقي والديني. والدليل على ذلك هو التراجع العلمي الحاصل في بلداننا الاسلامية وحجم الاستعانة العلمية والاستيراد المتواصل من الدول الغربية.

وثمة قضية مهمة اخرى وهي ان اسلوب التعليم بحد ذاته بحاجة الى اعادة النظر اكثر من مرة ؛ فان يتعلم الطالب لمجرد حصوله على شهادة علمية شيء، وان يتعلم منطلقا من عشقه للعلم والمعرفة من اجل صياغة الذات شيء آخر؛ فالأسلوب الاول لا يعود بالفائدة لا على الانسان ولا على مجتمعه ؛ وذلك لان مجرد حصول الطالب على الشهادة العلمية لن يجعل منه مبدعاً، في حين ان السبب الاول في ابداع المبدعين واكتشاف المكتشفين هو حب العلم والمعرفة. وهذا الحب الذي لا يوازيه الا التطور. فمن السفه بمكان ان يبذل المجتمع الثروة الطائلة لتعليم  أشخاصٍ همهم الاكبر النجاح والعبور من مرحلة الامتحانات وحصولهم على الشهادات العلمية ثم الحصول على وظيفة في دوائر الدولة مع راتب مجزٍ فقط. بينما يعمد من جانب آخر الى استيراد الخبراء والمستشارين لإنجاز المشاريع.

ثالثاً:

مسؤولية انهاء الخلافات السياسية

أمســــــينا وكــــــأننا ننتخب السياسيين لا لأجل ان نرى منهم خدمة البلاد و تقديم الخطط والبرامج لتطويره. لقد كان أملنا ان نرى السياسيين من على شاشات الفضائيات، وهم يطرحون آراءهــــــم وافكــــــارهم، ليس فقط لحل مشاكل البلاد التي صنعوها بتقصيرهم، وانما يطرحون خططاً وافكاراً  يجعلون فيها هذا البلد الغني  بإمكاناته وموارده الطبيعية والبشرية في عداد الدول المتطورة والمكتفية ذاتياً - على الأقل- ولكننا، وللأسف لا نراهم، إلا وهم يتلاومون ويتشاجرون، لا لأجل خدمة  الناس، وانما على مصالحهم الشخصية الضيقة والمحرمة.

 

* المسؤولية الحضارية للآباء

ولما كان الاولاد و الاهل بمثابة الجزء من النفس، كان حرياً بالانسان السعي من اجل المحافظة عليهم والعمل على انقاذهم من براثن الجهل والفسق والعصيان وحثهم على ان يكونوا النموذج الأروع للعائلة او العشيرة. وهنا فان من المهم ألا نعتمد في تربيتنا لاولادنا على معلمي المدرسة او برامج التلفزيون، والكتب ولا على المؤسسات التربوية والتثقيفية وحسب، بل الاهم ان نعتمد على انفسنا بعد الاعتماد على الله سبحانه، فالقضية المُسلّم بها هي ان الطبيعة الاجتماعية لبلداننا قد تغيرت نحو الأسوأ، بفعل الكم الهائل من الثقافة الغربية المستوردة عبر مختلف الطرق والوسائل. من هنا ينبغي أن يعي كل واحد منّا انه مسؤول عن مجتمعه امام الله و امام التاريخ، فاذا رأينا فساداً ما في جانب من جوانب مجتمعنا، علينا بذل الجهود لتغييره نحو الصلاح، فاذا كان أولاد الجيران سيئي التربية، فليس من الصحيح الابتعاد عنهم، والاكتفاء بتربية أولادنا، فهؤلاء من شأنهم التأثّر باولاد الجيران، لذا فان السعي لاصلاحهم، يمثل تحصيناً وإصلاحاً غير مباشرين لاولادنا.

وهناك قضية مهمة اخرى وهي ان الآباء مسؤولون ايضا عن معرفة طبيعة واخلاقية المدرسين في مدارسنا، نظراً الى ان مجرد حشر الاولاد في مدارسٍ لا يتمتع اغلب مدرسيها بالنزاهة الاخلاقية، وجودة التعليم لا يبرئ ذممهم تجاه الاولاد. فهناك بعض المدرسين يمارسون مع الطلاب أسوأ أساليب التعليم ويعرضونهم للضرب والاهانة وتحطيم الشخصية.

أما أهم مسؤوليات المدرسين و أهل الثقافة في مجتمعنا، فهي تكمن في  ضرورة النهوض بالمستوى الثقافي لدى الجيل الجديد المتأثر بترهات العصر وموضات الميوعة، وهذا يستدعي إدخال شواخص التزكية والتربية الاخلاقية القائمة على اساس احترام الآباء والعائلة و إحراز الهدفية من الحياة لتحقيق المسؤوليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و نشر كل ذلك باسلوب علمي في المناهج المدرسية والتوجيهية، لكي يتخلص الجيل الجديد من الثقافة الضحلة التي ابتلي بها في زمن التمييع.

ثم انك ايها الطالب عليك الا تعـــــــتقد أنك قد قــــــــدمت كل الخدمة في انـــك قد تعلمــــــــــت او حصلت على الشهادة الجامعية - مثلا- إنما عليك ان تقيس مصداقية ما تعلمته بما تقدمه من خدمات لدينك وعائلتك ومجتمعك .

 

* الشعور بالمسؤولية سبيل الخلاص:

ان مشكلة المسلمين اليوم هي انهم لا يشعرون بالمسؤولية ولا يتحملون اعباءها. فنحن لو امعنا النظر في حقيقة ديننا وفي مرتكزات النهضة الرسالية لوجدناها قائمة على اساس الشعور بالمسؤولية الكبرى. فديننا هو دين المسؤولية والوعي، ودين التحدي وتفجير الطاقات. انه الدين الذي يجعل الانسان يعيش ويحيا في اطار مبادئه واهدافه وقيمه الرسالية ويدفعه الى ان يفكر في شرفه وكرامته قبل ان يفكر في بطنه كيف يملؤها. لقد انعدم للاسف الشديد الاحساس المسؤول الذي هو بمثابة النور في القلب، وانعدامه يعني حياة الظلمة والظلمات، وهكذا فان الشعور بالمسؤولية هو المهم وهو دواؤنا وخلاصنا من تلك الاوضاع، فالمشكلة قائمة في نفوسنا نحن الذين لا نحسب للمسؤولية حسابها، قبل ان تكون في حكامنا الطغاة انها تكمن في سكوتنا وخضوعنا لكل من هب ودب، ان الانسان الذي يجهل كونه مسؤولاً و أميناً، فهذا الانسان لا قيمة له البتة، بل انه يخرج عن نطاق تعريف الانسانية فتراه يهبط الى مستوى الحيوانات الاخرى و أضل سبيلا. ولعلنا لا ننسى قول نبينا الاكرم، صلى الله عليه وآله: «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»، (الاصول من الكافي،ج2،ص164).

---------------------

* استاذ في الحوزة العلمية


ارسل لصديق