المناصب الحكومية والطريق نحو العدالة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/03/19
القراءات: 901

إنّ من أهمّ ما عنى به الإسلام في تشريعاته السياسية وأنظمته الإدارية هو العمل على تطوير البلاد في ميادين الزراعة والصناعة، وحماية المواطنين من المرض والفقر، وتوفير فرص العمل المتكافئة، وضمان ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة وغيرها.

ومن المؤكّد أنّ من أهمّ الوسائل الفعّالة لإقامة مجتمع متوازن في سلوكه وأمنه ورخائه، اعتماده على الجهاز الحاكم الكفوء والنزيه، فهو المسؤول عن إيجاد الفعاليّات التي تؤدّي إلى تقدّم البلاد وازدهار الحياة فيها.

 

* اهمية الإمارة وخطورتها

اصحاب المناصب الادارية الرفيعة والحساسة في الدولة، تقع عليهم اليوم مسؤولية تحكيم الحقّ والعدل، و اقامة سنّة الله تعالى وأحكامه، والعمل على تطوير البلاد وتنميته على الصعد كافة، بمعنى ان مسؤولياتهم تبلغ من الخطورة بمكان، أن في حال الإخلال بها والقصور عنها، يكلف الشعب والأمة ثمناً باهظاً في التخلف والحرمان. أما اذا أدّيت على الوجه الصحيح، تقدمت الامة، ونجا صاحبها من عذاب الله وعقابه، وهذا قول رسول الرحمة، صلى الله عليه وآله، يصف فيها «الإمارة» بانها عذاب وندامة وخسران لمن حاد عن الطريق واقترف الظلم والاعتداء على الناس، حيث قال: صلى الله عليه وآله: «..وإن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي..؟

فانبرى إليه عوف بن مالك قائلا: وما هي يا رسول الله؟

قال: «أوّلها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلاّ من عدل، وكيف يعدل مع قريبه..».

ولاشك أن عقاب الاعمال يكون بقدر خطورتها وحساسيتها في حياة الانسان والامة. ومما لاشك فيه، إن الوظائف الرفيعة بما لها من مساس مباشر بحياة الناس؛ فانها غاية في الخطورة، وهنا يقول الامام علي، عليه السلام: «..وإنّي سمعت رسول الله، صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله يقول: يؤتى بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنّم فيدور كما تدور الرّحى، ثمّ يرتبط في قعرها».

 

* إمارة السفهاء

اكتوت أمتنا وعبر تاريخها الطويل بولاية السفهاء الذين دمروا كل مقومات عزتها ورفعتها؛  فعادت بعد عزتها صاغرة ذليلة بين الامم، ولعل هذا من البديهيات التي يعلمها ابناء الامة، ولكن وللاسف فان ما لاتعلمه امتنا اليوم هو ان السفاهة في الحكم لا تتعلق بالأشخاص، تنتهي وتزول بزوال أولئك السفهاء. إنما المسألة تتعلق بالمنهج الممتد على طول الخط، قبل ان يتجسد في اشخاص معينين. فترى الامة تكرر التجربة مراراً وتكراراً، وذلك بسبب افتقاد الناس لبوصلة التشخيص هذه.

وقد حذّر النبيّ، صلى الله عليه وآله، من إمارة السفهاء الذين لا رصيد لهم من الوعي والتقوى، فقد روى كعب بن عجرة عن النبيّ، صلى الله عليه وآله، أنّه قال له: «أعاذك الله يا كعب! من إمارة السّفهاء».

وبادر كعب قائلا: وما إمارة السفهاء يا رسول الله؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي، ولا يستنّون بسنّتي، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فاولئك ليسوا منّي ولست منهم، ولا يردون عليّ حوضي، ومن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منّي وأنا منهم، وسيردون عليّ حوضي..». إنّ إمارة السفهاء ظلم وجور واعتداء على الناس ؛ لأنّهم لا يهتدون بهدي النبيّ، صلى الله عليه وآله، ولا يستنّون بسنّته.

 

* احذروا عشّاق السلطة وطلابها

لعل شهوة السلطة والنفوذ، أو المناصب الرفيعة من أشد ما يصبو اليه الانسان؛ فترى الكثير من الناس يبذل الغالي والنفيس في سبيل بلوغها؛ وهذا ما حذر منه رسول الرحمة، صلى الله عليه وآله، حينما خاطب اصحابه قائلا: «ستحرصون على الإمارة ثمّ تكون حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة». وقد حرص الكثيرون من الصحابة وتهالكوا على الامارة والسلطان فكانت النتائج المؤسفة أنّ العالم الإسلامي غرق بالفتن والكوارث. وفي هذا السياق حذّر، صلى الله عليه وآله، من توظيف طلاب للسلطة لمناصبهم، فقد روي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله.. استعملني؟ فردّه النبيّ وقال: إنّا لا نستعمل على عملنا من أراده...».

ولعل السرّ في ذلك، أنّ الولايات أمانات، وتصرف في أرواح الخلائق وأموالهم، والتسرّع إلى الأمانة دليل على الخيانة، وأنّه لا يخطبها إلاّ من يريد أكلها.. وإذا اؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم. ولهذا اتخذ أمير المؤمنين، عليه السلام، موقف الشدّة والصرامة مع طلحة والزبير، حين أظهرا له رغبتهما الملحّة في الولاية، فرفض كأشدّ ما يكون الرفض، لأنّه كان على علم أنّهما يتّخذان مال الله دولاً وعباده خولا، ويستخدمان السلطة لتنفيذ رغباتهما. واليوم ينبغي بأبناء الامة ان يبعدوا طلاب السلطة والنفوذ عن تولية شؤون الامة.

وتتحمل الامة مسؤولية منع وصول الجهال الذين لا يفقهون في دين الله، ولا في ادارة شؤون الناس شيئاً، الى المناصب الحكومية. ولعل الجهال انواع واصناف: فمنهم من يسمى جاهلاً باختصاص معين، وان امتلك قاعدة عامة من الثقافة الانسانية، وهناك صنف آخر وهم الجاهلون لا في اختصاص معين فحسب، بل هم جاهلون بابسط القواعد الثقافية المطلوب توافرها في مجال العمل الاداري، بل على العكس تراه يمتلئ بعقدة النقص القاتل التي يعكسها بتعامله مع الناس. ان الشعوب التي تحترم نفسها لا تعطي الولاية للجاهل باختصاصه حتى، وان امتلك قاعدة ثقافية عامة، بل تولّي عليها من امتلك ثقافة عامة كافية وعلماً متميزاً باختصاصه. إلا اننا ومع شديد الاسف قد ابتلينا وفي معظم بلداننا بان ولاتنا يجهلون أبسط القيم الثقافية اللازمة لادارة شؤون الامة علاوة على جهل فاضح بالعلم التخصصي لادارة اعمالهم، فضلا عن جهل مدقع بتعاليم الدين، فلم يقدموا لامتهم شيئا في مجال اعمالهم، وهو دليل جهلهم التخصصي. كما انهم لم يتنازلوا لغيرهم بل ولم يفكروا حتى بعواقب التخلف وما يترتب عليه من مسؤوليات اخلاقية وحضارية. وهنا يقول الامام علي، عليه السلام: «من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم». ولهذا كان الإمام، عليه السلام، يختار ولاته وعمّاله على البلدان من ذوي المعرفة ومن أهل البصائر، الّذين يتمتعون بالمعرفة والوعي والصلابة في العقيدة ليكونوا - الى جانب عملهم الإداري - معلّمين ورجال رسالة، وكان يوجههم نحو هذه المهمة المعينة.

ومن تداعيات اللهاث على السلطة والتنافس المحموم على المناصب، ما نشهده اليوم من تطبيقات الولاة والحكام في أمتنا الاسلامية، في مجال التعامل مع الاموال العامة وثروة البلد، فنجدهم يختلقون مسميات مختلفة لشرعنة الظلم في توزيع الاموال، كالعائلة الملكية والانتماء القبلي، او الحزبي، او الذات الاعتبارية. وهنا يقول الامام، عليه السلام، في وصيته لعبد الله ابن عباس حين ولاه البصرة: «أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده...». وهذا ما أكده الامام، عليه السلام، ممن لا يجب توليتهم بقوله: «ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم». والمراد بالحائف بالدول؛ الظالم في توزيع المال حيث يفضل قوماً على قوم في العطاء.

 

* المراقبة والمحاسبة

ان الولاة من اعضاء برلمان أو وزراء او اصحاب درجات وظيفية مختلفة، هم بشر، ولهم اهواء وشهوات؛ ولذلك صار لزاما ان توضع عليهم انظمة مراقبة ومحاسبة مشددة، نظراَ لخطورة مراكزهم، وهو نظام معتمد حديثاً وقديماً، ولنا بما قام به امير المؤمنين، عليه السلام، أسوة حسنة، فالإمام، عليه السلام، وبالرغم من اهتمامه بانتقاء العناصر الكفوءة والورعة، كان يحرص على الإحاطة بأساليبهم في معاملة الرعية من خلال  استحداث نظام المراقبة والتفتيش ليحيط بالوضع الاداري بشكل كامل. فاستعان بجهاز من الرقباء والعيون؛ ليرى مدى طاعة الولاة وتنفيذهم لقواعد العدالة الإسلامية، فسلك سبيل مراقبة طرق جباية الأموال، وكيفية توزيعها على قطاعات الأمة، كما شدد على مراقبة ولاته في الأمصار، فإذا بدا من أحدهم خطأ أو تقصير، بادر الإمام إلى تقويم سلوكه بالوسائل التربوية تارة، وبالتهديد أو بالعزل إذا لزم الأمر. ويتحمل رجال الدين اليوم مسؤولية عظيمة في اسداء النصح والتوجيه الى ولاة الامة بمختلف درجاتهم الوظيفية؛ فالعلماء  اليوم هم الامتداد الطبيعي لولاية الحق المتمثلة بامير المؤمنين، عليه السلام، حيث انه، ورغم استعانته بجهاز من الولاة والموظفين لإدارة دفة الحياة الإسلامية، يعدّ أفراده نموذجاً في مستواهم الروحي والفكري والالتزامي والقدرة الإدارية والقيادية، مثل عثمان بن حنيف، ومحمد بن أبي بكر، ومالك الأشتر وامثالهم، وبالرغم من أن الإمام، عليه السلام، قد زودهم بخطط هادية ومناهج راشدة، يهتدون بها في حياتهم العملية، وفي علاقاتهم مع مختلف قطاعات الأمة التي يباشرون قيادتها. الا انه ما انفك يتعهدهم بالوصية تلو الوصية لضمان استمرار دقة وحسن ادائهم الاداري . ومن هنا تجد الكثير من النصوص التي يوجه فيها الإمام، عليه السلام، والياً أو جابياً للمال باتجاه الطريقة المثلى في عمله المناط به.

من هنا؛ فان مجالسة علماء الدين، تفتح لمسؤولي الدولة، آفاقاً واسعة من الوعي والثقافة والتجارب الثرية، لأن المسؤول يأتي لفترة من الزمن ثم يحلّ محله مسؤول آخر، بينما عالم الدين، يعيش مع المجتمع طيلة حياته، وقد أكّد الإمام، عليه السلام، في عهده الى مالك الاشتر. حيث قال: «وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به النّاس قبلك». 

وجاء في هذا العهد الغني بالدروس والعبر، انه، عليه السلام، نهى ولاته من الاستئثار بما الناس فيه، فليس له من سبيل أن يستأثر بشيء يعود لجميع المواطنين، فإنّ ذلك ينمّ عن الشره والطمع، وذلك ممّا لا يليق بالوالي النزيه، فقال: «وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة، والتّغابي عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون، فإنّه مأخوذ منك لغيرك. وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم».

 

* الامة ومسؤولية عزل الفاسدين

مع كل ذلك، يبقى الدور الأساس للانسان الفرد وايضاً المجتمع، في تحمّل مسؤولية الاصلاح والتغيير، فيما يتعلق بعمل وأداء المسؤولين، مهما كانت درجاتهم ومناصبهم، اذا ما ثبت فسادهم. فأين أمتنا عن «سودة بنت عمارة»، تلك المرأة التي ثبت التاريخ اسمها دون ملايين النساء، بموقفها الجريء والشجاع بتوجيه الانتقاد الى الحاكم والوالي في منطقتها عند أمير المؤمنين، عليه السلام، فما كان من الإمام، إلا ان كتب كتاباً بعزله. وجاء في التاريخ عن المرأة المؤمنة:

 والله لقد جئته ـ تعني أمير المؤمنين، عليه السلام، في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا. فصادفته قائماً يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل عليّ بلطف ورفق ورحمة وتعطف. وقال: ألك حاجة؟ قلت نعم، فاخبرته الخبر. فبكى، عليه السلام، ثم قال: رافعاً طرفه إلى السماء : «اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، وأني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك». ثم أخرج، عليه السلام، قطعة جلد كتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم .. {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}.  (الأعراف /86) فاذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه. والسلام».

قالت: ثم دفع الرقعة إلي، فوالله ما ختمها بطين، ولا خذمها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنّا معزولاً.

واليوم وحسب الاوضاع على أرض الواقع،  فان بناء الدولة  لن يستقيم ولن ينجح من دون ولاة يخافون الله تعالى، ولهم صفات متميزة. وهؤلاء تتحمل الدولة، شعباً وحكومة مسؤولية انتخابهم، وتقويم أدائهم، ووضع انظمة الرقابة والمحاسبة عليهم. وتتحمل المؤسسة الدينية مسؤولية امدادهم بالنصح، وتذكيرهم بحق الله والناس وحق انفسهم عليهم. ويتحملون هم مسؤولية إقامة العدل والرفق بالرعية. والجلوس الى علماء الدين الاعلام، واقامة حكم الله في ارضه.

 

* ولاية المظالم

واليوم ومع كثرة مظالم الناس صار من المهم فتح ولاية مظالم حقيقية في ربوع الامة كما فعل إمامنا أمير المؤمنين، عليه السلام، فأوّل من أسّس ولاية المظالم في الإسلام هو الإمام علي، عليه السلام، فقد اتّخذ في الكوفة بيتا سمّاه بيت المظالم، وأمر المظلومين أن يسجّلوا فيه ظلامتهم، وقد تطوّرت هذه الولاية في العصر العباسي، وفاقت منصب القضاء، وقد عهد إليها النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة والحكّام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ وجاروا على الرعية. وفي جور العمّال إذا شذّوا في جباية الأموال وغيرها من الواجبات. وقد اهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب و أخطرها، فقد أنيط بها تطبيق العدل وصيانة الحقوق وإقصاء الظلم عن الناس.

وهكذا؛ وبالرغم من قصر المدة التي قضاها أمير المؤمنين،عليه السلام، في قيادة الأمة، فإن منهج الإصلاح والبناء القويم الذي قدمه لنا الإمام، عليه السلام، كفيل بتغطية حاجات الإنسان مهما تغيرت الظروف والاحوال، فقد جاءت خطبه، عليه السلام، ورسائله وأوامره وإرشاداته زاخرة بهذا النهج الوضّاء، مجسداً أروع أطروحة وأنضجها لإدارة شؤون الحياة الإنسانية. فقد طرح الإمام، عليه السلام، نظاماً متكاملاً لعلاج المشكلات، وحدد برامج واضحة تتجاوز الأخطاء المتراكمة. ولم يلتمس الإمام ،عليه السلام، المواقف الوعظية في علاج المشكلات المختلفة فحسب وإنما سلك - إلى جانب مخاطبة الضمائر والاستفادة من رصيد الإيمان بالله فيها- سبيل استخدام الضوابط القانونية في تحقيق التوازن والعيش الرغيد، وإنهاء حالة الظلم في المجتمع.


ارسل لصديق