سوء الظن آفة التجمعات البشرية
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/07/11
القراءات: 4202

قد لا يختلف اثنان على ان قيام التجمعات البشرية، مهما كان حجمها او مسماها،أسراً كانت،أو شعوباً، او مؤسسات، وتفاهم افرادها وتعاونهم، لا يمكن للانسان الاستغناء عنه, بأي حال من الاحوال، وهذا ما يبينه القرآن الكريم؛ فقال تعالى:»يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»(سورة الحجرات/ 13). غير ان لهذه التجمعات، مع تفاهمها وتعاونها، آفات تنخر جسدها، وسوء الظن هو احد تلك الآفات، والظن: هو التصور الذي ينقصه الدليل، واكثره باطل، والبعض منه يصبح إثما؛ ذلك ان قلب الانسان يتعرض لامواج مختلفة من الهواجس والتصورات، منها ماهو حق، وهي التي تعتمد المصادر الموثوقة للمعرفة، في حين ان اكثرها باطل، وهي وساوس الشيطان وافرازات العقل الباطن، ولهذا أمر القرآن الكريم باجتناب أكثر الظن، فقال تعالى:»يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»(الحجرات 12).
ولعل سوء الظن بالآخرين، أخطر تلك الآفات التي تفكك التجمعات وتضرب افراداً من المجتمع، مما يؤدي الى آثار خطيرة تزعزع علاقة الانسان بالآخرين، ابتداءً بالاسرة وانتهاء بمؤسسة السلطة. 
فكم من اسرة فككها سوء الظن، وهنا يقول الامام علي عليه السلام: «ولا يغلبن عليك سوء الظن فانه لا يدع بينك وبين خليل صلحا» (بحار الانوار ج74 ص 227).
وكما عانت الاسرة من آثار سوء الظن بالآخرين، فان التجمعات الاكبر منها نالت النصيب الاوفر من آثاره ايضا؛ ففكك الكثير منها، واصاب قسما آخر بالشلل؛ لانعدام او قلة التفاهم والتعاون الناتجين عن سوء الظن بين افراد التجمع الواحد، ومعلوم ان التجمعات قائمة على اساس التفاهم والتعاون وتقسيم المهام وتكاملها، فاذا قل التفاهم والتعاون او انعدما، قلّ عطاؤهاأو انعدم؛ فتبقى شكلا بلا محتوى، وفي النهاية يكون مصيرها الانهيار ولا شيء غيره.
واذا كان سوء الظن هو بحد ذاته آفة، فانه سبب لآفات اخرى تضرب النسيج الاجتماعي، كالتجسس على الآخرين، واغتيابهم، فان الاسترسال وراء الظنون ومحاولة التحقق منها، انما يتم بالتجسس على من يساء الظن بهم، وقد يتنامى سوء الظن بين المؤمنين ويتطور الى غيبة بعضهم بعضاً. ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:»فمن سلِم من الظن سلِم من الغيبة»(مستدرك الوسائل ج9ص147). كما ان سوء الظن قد يقود الى الفتن العمياء، فقد جاء في الدعاء عن الامام زين العابدين عليه السلام: «فان الشكوك والظنون لواقح الفتن ومكدرة لصفو المنائح والمنن» (مناجاة المطيعين).
ولخطورة الآثار المترتبة على سوء الظن، فقد أولته النصوص الشريفة اهتماما بالغا، وحذرت منه أيما تحذير، فوصفته تارة بانه كذب، بل أكذب الكذب.! حيث قال رسول الله صلى الله عليه وآله:»اياكم والظن فان الظن اكذب الكذب وكونوا اخوانا في الله كما امركم..»(وسائل الشيعة ج72ص59)، وتارة بينت بأن المؤمن لا يرتقي معه الى مستوى اخوة المؤمنين فقال الامام الباقر عليه السلام: (ان المؤمن أخو المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسيء به الظن) (بحار الانوار ج75ص176). 
وقد نحا الاسلام منحى أعمق، بأن بين حقيقة الخطر المترتب على سوء الظن،وجعله احد ثلاثة حرمها الله من المسلم،مقارناً خطورته بخطورة وحرمة دم المسلم وماله، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (ان الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وان يظن به ظن السوء) (بحار الانوار ج72ص62) وقد جاء في الخبر: (نظر رسول الله صلى الله عليه وآله الى الكعبة فقال مرحبا بك من بيت ما اعظمك وما اعظم حرمتك والله ان المؤمن اعظم حرمة عند الله منك لان الله حرم منك واحدة وحرم من المؤمن ثلاثا دمه وماله وان يظن به السوء) (المجتبى ص30) واذا كانت حرمة سوء الظن بالمؤمن هي احد اوجه تعظيم حرمته على حرمة الكعبة؛ فللانسان ان يتصور عظمة حرمة سوء الظن بالمؤمنين ومن ثم مدى خطورة آثاره في الدنيا والآخرة.
واذا كانت النصوص قد حذرت من سوء الظن بالآخرين تارة، وبينت بعض آثاره على الفرد كما الجماعة تارة اخرى، فان هذا التحذير وهذا البيان كانا طريقين لحمل الانسان تجنب سوء الظن، حيث ان دق ناقوس الخطر بالتحذير اظهار فداحة النتائج بالبيان تدغدغان فطرة الانسان فتحملانه على اجتنابه، كما وتعالج النصوص سوء الظن بالآخرين بذم الظن تارة ثالثة، حيث قال سيد البلغاء والمتكلمين عليه السلام: (سوء الظن بمن لا يخون من اللؤم) (غرر الحكم ودرر الكلم 5674)، ورابعة اتبعت في الترغيب فقال (من كذب سوء الظن باخيه كان اذ عقد صحيح وقلب مستريح) (غرر الحكم ودرر الكلم 9539). وتارة خامسة تبين النصوص العوامل المساعدة على نشوئه؛ لتوجيه الفرد للابتعاد عنها حيث قال امير المؤمنين عليه السلام: (مجالسة الاشرار تورث سوء الظن بالاختيار) (وسائل الشيعة ج16ص 265).
وهنا يبين الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) المخرج من سوء الظن اذا وقع بالانسان فيه، حيث قال: (ثلاث لا ينجو منها احد الظن والطيرة والحسد وسادلكم بالمخرج من ذلك اذا ظننت فلا تحققن) (مجموعة ورام ج1ص127).
وفي محور علاج سوء الظن فان الاسلام يحمل الفرد مسؤولية القضاء على هذه الآفة بان لا يضع نفسه موضع الظن السيئ، فقال الامام علي عليه السلام: (من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من اساء به الظن) (الكافي ج8 ص 152) ويأمره بان يجد او يلتمس العذر لاخوانه ان وضعوا انفسهم موضع الريبة والشك والظن السيئ حيث قال رسول الله صلى اله عليه وآله: (اطلب لاخيك عذرا فان لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا) (بحارالانوار ج2ص197) بل ذهب الاسلام الى ابعد من ذلك بكثير بان انكر على مسيء الظن عدم التماسه لاخيه المؤمن العذر حتى في موضع الشك والريبة، فعن الامام الصادق عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال: (احسنوا ظنونكم باخوانكم تغتنموا بها صفاء القلب ونماء الطبع، وقال أبي بن كعب اذا رأيتم احد اخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأوّلوها سبعين تأويلا فان اطمأنت قلوبكم على احدها والا فلوموا انفسكم حيث لم تعذروه في خصلة يسترها عليه سبعون تأويلا فانتم اولى بالانكار على انفسكم منه) (مستدرك الوسائل ج9ص145)
ولعل من المؤمنين من يجعل من سوء الظن بالناس وملاحقتهم بتهمة الفسق علامة على ايمانه، وكأن الايمان حكر عليه هو دون غيره، وما ذلك الزعم الا علامة محدودية الافق وقصر النظر، وضيق الصدر، وشدة العجب المفسد للقلب, وما علامة الايمان الحق: الا سعة الصدر وسماحة القلب، وصفاء النفس تجاه الاخرين. وهنا يقول الامام الصادق عليه السلام)حسن الظن اصله من حسن ايمان المرء وسلامة صدره وعلامته ان يرى كلما نظر اليه بعين الطهار والفضل من روكب فيه وقذف في قلبه من الحياء والامانة والصدق). (مستدرك الوسائل ج9ص149)
واذا كان هناك من يقول: ان الظن وان كان اكثر مصدره وساوس الشيطان، فان هناك القليل منه تفرزه الحواس، ويصمد امام النقد الدقيق ويصدقه العقل!! وهذا القول وان كان دقيقا الا ان المشكلة تكمن في ان هذه المجموعة الصغيرة من الظن الحق متناثرة بين سائر الظن الكثير وهو الظن الباطل والاثم؛ مما يجعلنا لا نطمئن اليه جميعا، والاسلام يأمرنا بتجنب سوء الظن بالآخرين حتى بوجود ما يغذي هذا الظن من ظروف وملابسات.
نعم؛ حسن الظن بالاخرين انما يصدق فقط عند صلاح الزمان، او بين افراد التجمع الصالح الذي تتسم علاقاتهم بالاخوة الايمانية، اما اذا فسد الزمان او اردنا الحكم على تجمع فاسد او مجتمع منحل فان حسن الظن لا يصح، لانه غباء، والمؤمن كيّس فطن، وهذا بالطبع لايعني ان نسيء الظن حتى بهؤلاء وانما نلزم الحذر معهم. وهنا يقول الامام الصادق عليه السلام: (اذا كان زمان العدل فيه اغلب من الجور فحرام ان تظن بأحد سوءا حتى تعلم ذلك منه وإذا كان زمان الجور فيه اغلب من العدل فليس لاحد ان يظن باحد خيرا حتى يبدو ذلك منه) (بحار الانوار ج72ص197)
وهكذا فان تجنب سوء الظن، منهج علمي واخلاقي واجتماعي رصين؛ لان وساوس الشيطان وهواجس الافكار تتداخل عادة مع بصائر العقل ومكاسب التجربة، فلا بد من فرزها وذلك بتجنب سوء الظن وعدم الاعتناء به، اما اذا استرسلنا مع كل هاجسة –ظن- في النفس فاننا نفقد المقياس السليم للتفكير. وهنا يُسأل امير المؤمنين (عليه السلام): (كم بين الحق والباطل؟ فقال عليه السلام: (أربعة اصابع) ووضع الامام يده على اذنه وعينيه، فقال عليه السلام: (ما رأته عيناك فهو الحق وما سمعته اذناك فاكثره باطل) (بحار الانوار ج2ص195).
فإذا ما اراد الانسان ان يقيم علاقات طيبة في مجتمعه الايماني اسرة كان او موكبا حسينيا او هيأة خيرية او مؤسسة حكومية او غيرها، واذا ما اراد ان يحقق التفاهم والتعاون ومن ثم افضل النتائج المتوخاة من قيام التجمعات، فعليه اجتناب سوء الظن بالآخرين.


ارسل لصديق