التغيير .. و دور المرأة الجوهري
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2014/05/04
القراءات: 1110

منذ قرون طويلة وأمتنا غارقة تحت ركام التخلف والجوع والمرض وتتوالى عليها المحن، محنة أثر اخرى، وانكساراً بعد آخر، واحتلالا بعد احتلال ،تحديات جمّة وانهيارات خطيرة، ربما لو تعرضت لها أي أمة من الامم، إما ان تزول وتتلاشى عن الوجود او تحفزها هذه الهزات العملاقة على النهوض من تحت الركام، لكن الغريب ان امتنا لم تتلاش كما انها لم تنهض! ولعلنا يمكن ان نرد عدم التلاشي لعظمة الاسلام ورصانته.

واذا كان قد بقي للمسلمين من الاسلام، إلا قشره، فان هذا القشر كان له  قوة الحفاظ على كيان الامة.

غير ان الذي يصعب تفسيره هو ان امتنا ورغم الهزات العنيفة المتواصلة ،ورغم مكنونها الثقافي الغزير ،وما فيه من مقومات التغيير والنهوض، ورغم ما تملكه من طاقات وثروات ،رغم كل ذلك فانها لم تنهض من تحت الركام ،ومازالت ترضخ تحت ثقل الجراح.

وهنا نتساءل عن وجهة الطريق الى التغيير والنهوض.

 

* التغيير.. ثقافة قبل كل شيء

بحثت الأمم الناهضة المتقدمة المزدهرة منها ،والمتخلفة التي تلفظ انفاسها تحت الركام، عن عوامل النهضة.. فتلك الناهضة ارادت ان تعرف سر النهضة لتستمر في نهضتها، واما المتخلفة فكانت حاجتها أعظم الى معرفة السبب ؛لانها لاتملك من الحياة إلا اسمه .فهي تعيش تحت ركام التخلف والجهل. فانبرى المهتمون يبحثون عن التغيير والنهضة. فادلى علماء الاجتماع بدلائهم قائلين: ان نهضة الامم وتقدمها انما هو مرهون بتغيرات اجتماعية، (حتميات اجتماعية)، ليس للانسان فيها يد ولاتدخل؛ وهي تبعث المجتمع نحو النهوض؛ فتنقل المجتمع من التخلف الى التغيير والتقدم، مستشهدين بالثورة الصناعية في اوربا وما افرزته من نهضة وتقدم. بينما يرفض الفلاسفة- بالمفهوم العام طبعاً- هذا التوجه قائلين: ان ثقافة المجتمع هي المحور الاساس في نهوض الامة وتقدمها ،وان الثورة الصناعية (التغيير الاجتماعي)، لم يكن ليحدث؛ لولا وجود ثقافة النهضة والثورة في ذلك المجتمع. اما نحن الاسلاميين فنقول: ان كلا الامرين لهما مدخلية في نهضة الامم؛ فالانفجار الاجتماعي له اثر كبير في نهضة الامم وتقدمها .وهذا ما شهدناه حينما بزغ فجر الاسلام على شبه الجزيرة العربية، وكيف اعطى دافعاً عظيما للامة للتحول والنهوض حتى قبل انتشار ثقافة الاسلام. ثم جاءت ثقافة السماء لترسخ مفاهيم التغيير والنهضة، متوازية مع الانفجار الاجتماعي العظيم الذي حصل بنزول الرسالة. وهكذا فان الدور الاساسي والمستمر بلا توقف هو لثقافة النهضة فلا يمكن ان ننتظر تحولات اجتماعية لاتخضع لفعل الانسان وسيطرته، بل على الانسان تحمل مسؤوليته في نهضة امته.

 

* الاسرة .. خندقنا الاخير

وبالرغم من أن امتنا الاسلامية ما لبثت ومنذ بزوغ فجر الاسلام العظيم تعيش التحديات الجسام، الا انها تعيش اليوم تحديات اعظم واخطر بكثير من كل ما مرت به على طول حقب التاريخ ؛لان مواجهتها اليوم لم تعد مواجهة عسكرية ولا اقتصادية فحسب بل انها مواجهة حضارية شاملة وعلى كافة الاصعدة وبخاصة الصعيد الفكري والثقافي؛ فاصبحت المواجهة اليوم تهدد وبشكل حقيقي وجودها و كيانها؛ لانها تعرضت لاهم مقومات هذا الوجود الا وهو الثقافة.

وبسبب تخلينا عن إرثنا الثقافي العظيم، وتخلفنا، تفوق الآخرون علينا لما يمتلكونه من تقنية وسائل الاعلام، ومؤسسات للتخطيط والبرمجة، حتى بات من الواضح ملاحظة عمق تأثير الثقافات الوافدة على مجتمعاتنا. واذا كان من الصعب التحكم بالتوجهات العامة نحو القنوات الفضائية ومواقع النت وسائر وسائل الاتصال السريع، فيبدو لن يبقى لنا إلا التحكّم من خلال خندق الأسرة، لانها السبيل الوحيد الى التحكم في نوعية المعلومة التي تستلمها، ولو احسنّا التعامل معه لكفانا شر الثقافة الهدامة ولنشرنا ثقافة البناء والنهضة والتغيير. فحري بنا الاهتمام بهذا الخندق اذا ما اردنا لكيان الامة ان يبقى ويشق طريقه ناهضاً بين الأمم.

وتمثل الام الحجر الاساس في هذا الخندق ،وعليها تكون الآمال قائمة في التغيير والبناء الثقافي عامة، وثقافة النهضة والتغيير خاصة. فلما كانت النهضة والتغيير هما ثقافة قبل كل شيء، ولما كانت الثقافة هي فكرة وسلوك مكتسبين لم يأت بهما الانسان معه حين ولادته، فان ما تبثه اغلب الفضائيات والاذاعات وما ينشر على الشبكة العنكبوتية وغيرها -إلا مارحم ربي- انما ينشر ثقافة الانحطاط واللامسؤولية، بل ويدمر ما تبقى من جذوة نهوض في نفوس النشء الجديد.. إذن، صار لزاماً ان يكون هناك اهتمام بالغ بما يتلقاه الطفل من ثقافة وافكار. ولاشك ان المسؤول عن هذا الامر هي أسرته وخاصة الوالدين وبالاخص، الام، لانها رفيقة وليدها منذ انعقاده، نطفة  في رحمها، وحتى ولادته ونموه، فبقدر نجاحها في تكريس ثقافة الاسلام الناهضة في نفسه ومن لحظات تكونه الاولى، بقدر ما تضمن مجتمع النهضة للأمة.

 

* المطلوب إعداد الأم

ولما كانت الام حجر الاساس في مشروع النهضة ؛فانه ينبغي بالمعنيين بنهضة الامة وبخاصة المؤسستين الدينية والسياسية، الاهتمام بإعداد المرأة، كأم، ومربية اهتماماً بالغا ،وهذا يتطلب تضافر الجهود، فلابد من اعدادها بما يتناسب وخطورة هذه المسؤولية الجسيمة، فهي خندقنا الاخير الذي اذا انهار ،انهار معه مشروعنا في التغيير والنهوض، ولعل اهم ما ينبغي الاهتمام به في هذا المجال:

1- استثمار المؤسسة الدينية مكانتها الروحية ،وأذرعها التبليغية ،ومساجدها ومؤسساتها ،وخطباءها وطلابها في مشروع اعداد أمهات النهضة والتغيير.

2- اما المؤسسة السياسية (الدولة)، فعليها مسؤولية عظيمة ؛لانها تملك كل الامكانات للتأثير في واقع المرأة خاصة والمجتمع عامة، ولكن - للأسف - نلاحظ عدم اهتمام المؤسسة الرسمية بدور المرأة كأم ومربية، وبدلاً من ذلك اهتمت ببعض شؤونها مجبرة ،فوضعت لها تشريع «الكوتة» في البرلمان، وتناست دورها العظيم الذي شرفها الله به وهو دور المربية الفاضلة، تلك المهنة الاعظم والاشرف ليس للمرأة فحسب، بل للرجل ايضاً. ولعل من اهم ما يمكن ان تقوم به الدولة، هو استحداث مراكز تعليمية خاصة تعنى بشؤون المرأة والطفل، تقدم فيها مناهج وبرامج خاصة بالتربية الصحيحة وفق الأسس العلمية، وايضاً تعيين درس خاص في مدارس البنات لتربيتهن وتعليمهن أسس تربية النشء او المشاركة في العملية التربوية داخل الاسرة.

3- العمل على التصدّي للثقافات الوافدة التي تتعرض لها المرأة خاصة، والمجتمع عامة، وهي مسؤولية اخلاقية وحضارية، اذا لم تكن قانونية، عندما نشهد رواج مظاهر الميوعة والابتذال في مفاصل عديدة من المجتمع، لاسيما من خلال نمط الملابس، وايضاً بعض الفعاليات الفنية والرياضية. ليس هذا وحسب، إنما العمل على طرح البديل المناسب الذي لا يدع مجالاً للفراغ، فنحن لا نفتقر الى العلوم والمعارف والفنون في رصيدنا الحضاري، الامر الذي يفرض على الحكومات ان تقوم بتأسيس كليات للفنون الجميلة الملتزمة بالقيم الاخلاقية، وإنشاء سينما ومسرح و دور نشر تهتم بالمرأة والطفل، بما يقدم لهما الصورة الناصعة التي يجب ان يكونا عليه، لا حالة الابتذال والمهانة.

 

* بوصلة الاهتمام بالمرأة

بلغ تأثرنا بالغرب حداً اصبحنا نتنكر لابسط مقوماتنا الاخلاقية والثقافية والفكرية والدينية، واذا كانت شدة الغرابة من تأثر شرائح من الناس بالغرب  تقل الى حد ما بسبب عوامل التخلف التي تلف المجتمع، إلا ان الذي لا نفهمه ولا يمكن قبوله، ان هذا التأثر بدأ ينسحب الى من يدير دفة الامة رغم تحكمه بالثروة الوطنية ووجود القدرات الذهنية والعقول المفكرة من اهل الاختصاص في شان التخطيط والبرمجة؛ فانحرفت بوصلة الاهتمام بالمرأة من وجهتها الصحيحة، لينصبّ الاهتمام على اقامة مخيمات كشفية تبيت فيه بناتنا بعيداً عن عوائلهن بادارة مجموعة من الرجال. ثم اصبحنا نبحث عن حقوق الانسان بين شخصية ومكانة المرأة التي عظمها الاسلام، و لم نهتم بحقها بأن تكون أماً يفتخر بها ابناؤها، وايضاً الرجل (الزوج والأب والأخ)، كما لم نهتم بها في حقها بان تعينها الدولة في تربية أبنائها، من خلال برامج تكاملية بين المدرسة والأسرة، الى جانب تنظيف الاعلام المرئي مما يمكن ان يخدش الحياء، لإعانتها على التربية الصالحة.

 

* خطوات للمرأة في مسيرة التغيير

لعل اهم مايجب ان تقوم به المرأة في التغيير والنهوض هو:

1- تربية الاولاد وخاصة البنات على الكرامة. فالكرامة الانسانية هي الاساس في التربية والاعداد بل وفي الحياة، إذا ما اردنا بناء مجتمع النهضة والتغيير؛ لان الانسان  ومنه المرأة ان غرست فيها روح الكرامة فانها لن تقبل إلا ان تعيش كريمة. فلا تقبل بالتخلف بديلا عن التقدم، ولا بالابتذال بديلاً عن العفّة، ولا بالتبرير بديلا عن تحمل المسؤولية، ولا بالظلم بديلا عن العدل، ولا بالضلالة بديلا عن الهداية، ولا بالجبن بديلاً عن الشجاعة، وهكذا؛ لان كرامتها ترسم لها هذا النهج، وهذا هو منهج التغيير بعينه. ولنا ان نفهم ان الأم التي تربت وعاشت بكرامة كيف ستربي الجيل الناشئ؟! فهل يتربى على غير قيمة الكرامة وما يترتب عليها من قيم التغيير والنهضة؟! وبهذه القيم ولا غير تنهض الامة نهضة حقيقية شاملة فكرية واخلاقية ومادية. ولا يمكن غرس روح الكرامة الحقيقية الا بتكريس مفاهيم القرآن الكريم والسنة الشريفة للنبي وآله الاطهار، عليهم السلام، وجعلها منهاج عمل مستمراً داخل الاسرة وخارجها. وعلى الام تحمل مسؤولية تربية ابنائها في أجواء نقية اخلاقياً ودينياً. من خلال انتخاب القنوات والمواقع التي تبث روح الاسلام الصحيح ،وابعاد الاسرة عن كل مصادر الفكر الهدام من فضائيات ومواقع واذاعات وصحف ومجلات وغيرها. وفتح احاديث عن القرآن الكريم وأحاديث أهل البيت داخل البيت، وتشجيع الاطفال على ارتياد المساجد ،والمشاركة بالهيئات الحسينية .وغيرها من مصادر التغذية الفكرية السليمة.

2- العمل على فتح الحوزات النسوية لتثقيف المرأة وتحميلها ثقافة المسؤولية والنهضة والتغيير، وكذلك تعليم الصغار وتربيتهم تربية اسلامية صحيحة.

3- تاسيس التجمعات النسوية في الاحياء السكنية؛ لاحتواء النساء وتوجيه طاقاتهن نحو التغيير.

4- العمل على اقامة الندوات والمؤتمرات والمهرجانات الدينية والثقافية التي تكرس ثقافة النهضة والتغيير .

5- تأسيس الروابط الطلابية في الجامعات والمدارس ؛لتوجيه طاقات المرأة نحو التغيير.

6- تأسيس المؤسسات الخيرية التي تهتم بالمرأة والايتام وفق اسس سليمة، تحفظ للمرأة انسانيتها وكرامتها ،ومن ثم توجيهها في مشروع النهضة والتغيير.

7- التصدي للوضع السياسي وذلك بدعم النخب النهضوية التي يعول عليها بالتغيير. كما تتحمل المرأة داخل قبة البرلمان مسؤوليتها الجسيمة بالعمل على اشاعة ثقافة النهضة، والعمل على تشريع القوانين التي تدعم التغيير.

وهكذا فان المرأة هي نصف المجتمع ،وهي تشغل الحيز الاكبر فيه، وهي موجودة في كل مكان جنبا الى جنب مع الرجل ،وتتحمل معه اصلاح مجتمعها وواقعه المتردي. غير ان الامر الذي يجب ان تفهمه المرأة هو ان مسؤوليتها في التغيير أعظم من مسؤولية الرجل ،وان دورها جوهري فيه ؛لان التغيير والنهوض، ثقافة قبل كل شيء ،وهذه الثقافة مكتسبة و أشد اوقات تعلم الانسان واكتسابه هو السنين الاولى من عمره، بل حتى وهو في بطن امه ؛ولما كان الانسان يعيش في سنواته الاولى في كنف اسرته، فان الاسرة هي المسؤولة عن التغيير قبل غيرها. وكلنا يعلم ان حجر اساس الاسرة والتربية فيها هي الام ؛لانها رفيقة درب اولادها. فينبغي بالمرأة تصحيح بوصلة اهتماماتها وجعل واجب التربية المقدس هو الاول والاساس والذي لايزاحمه أي عمل آخر، مهما كانت الاسباب.


ارسل لصديق