حوار حول سورة الليل - القسم الثاني ... (من الآيةالثالثة عشرة حتى نهاية السورة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/03/17
القراءات: 585

(بسم الله الرحمن الرحيم)

وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى (14) لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

 تبتلع الأشقياء

* الإنذار بالنار انذار شديد؛ فلم وصف النار بأنها تتلظى في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى؟

 

إن الله يعاقب الكفار في الدنيا بتسهيل سبيل العسر لهم واستدراجهم فيه بسوء اختيارهم له، ويعاقبهم في الآخرة بنار تتقد وتبتلع الأشقياء، وذلك قوله تعالى: {فأنذرتكم نارا تلظى}.

فنار جهنم، إذن نار ملتهبة، تنتظر كل الأشقياء، وعلينا الحذر منها؛ لان الله قد أنذرنا جميعا؛ فلا يقولن أحد: أنا بعيد عنها لأني أملك مالاً أو جاهاً، أو انتمي- ظاهرا - الى دين الاسلام، أو الى الرسول وآل بيته، عليه وعليهم الصلاة والسلام. كلا؛ انما يتقي النار من اتقى الله في الدنيا.

 

 التكذيب والتوالي

* في قوله تعالى: {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}؛ لماذا وُصف الكافر بالأشقى؟ وبم كذب؟ وعم تولى؟

 

الأشقى يحترق بلهيب النار، ويصطلي بحرها لأنه لم يصنع لنفسه من دونها سترا من الإيمان وصالح الأعمال؛ فـ ﴿لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى؛ وهو الأكثر شقوة من العاصي.

وعلامة الأشقى الكفر بالرسالة، وعصيان الشريعة، فهو ﴿الَّذِي كَذَّبَ؛ بالرسالة ﴿وَتَوَلَّى؛ عن الشريعة بعصيانه لها.

ويبدو ان التكذيب حالة نفسية وعقلية؛ بينما التوالي حالة عملية؛ أي: كذب بقلبه ولسانه، وتولى بعمله ومواقفه.

 

 التقي والأتقى

* في قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى؛ لِمَ لمْ يقل ربنا: التقي وقال: ﴿الأَتْقَى؟

 

إن الذي اتقى الله، فقد اتقى نار غضبه؛ صلاته تقيه، صومه يجنبه، انفاقه يستره، نيته الصالحة تحميه من تلك النار المتقدة؛ ولذلك قال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى}.

ولم يقل ربنا: التقي؛ ربما لان التقي الذي لم يبلغ مستوى ﴿الأتقى؛ كان قد ارتكب بعض الخطايا فاستحق به لهبا من النار بقدرها ان لم يغفرها الله له، وقد قال ربنا سبحانه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، (سورة التوبة، الآية 106).

 وهكذا الذي شقي ببعض الموبقات؛ قد يغفر الله له كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}؛ (سورة النساء، الآية 48)

والى ذلك تشير الرواية المأثورة عن الامام الباقر عليه السلام: «النيران بعضها دون بعض». (1)

وهكذا يبين السياق حالتين متقابلتين تماما لتكونا - كما الليل يقابل النهار - مَثَلاً لاختلاف السعي.

 

 المال والدنيا

* في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى؛ وصف الأتقى بأنه الذي يتصدق بمالِهِ؛ فهل هذه أبرز صفات ﴿الأتقى؟

من أبرز صفات: ﴿الأتقى؛ التصدق بمالِهِ لكي يطهر قلبه من الشح والبخل وحب الدنيا؛ فهو ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ؛ في حال كونه ﴿يَتَزَكَّى؛ بهذا التصدق.

إن كل من يملك مالاً ينفقه، ولكن أكثرهم ينفقون أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة؛ لانهم لا يبحثون عن الزكاة، ونقاوة القلب بقدر ما يبحثون عن الذات وتكريس الأنانية؛ إلا المتقـين الذين يعرفون ان حب الدنيا أصل كل انحراف؛ فيطهرون بالزكاة قلوبَهم من حبها.

 

 وجه الله

* أيضا؛ وصف الأتقى بقوله: {وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى}؛ فهل من توضيح أكثر؟ وماذا أراد بوجه الله؟

 

إن الأتقى لم ينفق مالَه جزاءً على نعمة سبقت اليه من المنفق عليه، ولم يطلب لإنفاقه جزاءً حتى ولو كان من نوع طلب الشكر، أو محاولة اخضاع الفقير لسلطته، وتكريس حالة الطبقية بهذا الإنفاق؛ كإنفاق الكثير من المترفين والمسرفين. كلا؛ انما ينفق لوجه الله، وابتغاء مرضاته، وسعيا وراء الجنة التي وعد الله المنفقين؛ إنه لا ينفق ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى؛ ووجه الله رضاه وما أمر به، ومما أمر به طاعة اوليائه.

 

 لا جبر

* الانسان دائم التطلع عريض الطموح؛ فكيف يــرضى؟ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى؟

 

لأن المؤمن أنفق ابتغاء رضوان الله؛ فان الله يرضيه بفضله، وأنى كانت رغبات الانسان عظيمة؛ فان الجنة أعظم، وفضل الله أكبر؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى.

وهذه السورة بمجملها، ولا سيما خاتمتها تكرس في الانسان حس المسؤولية؛ بيد ان بعض «القَدَرية «حاولوا تفسيرها بما يتناسب ونظرية الجبر التي تنتزع حس المسؤولية عن القلب؛ فاذا كان كل شيء كتب بالقلم وحتى عمل الانسان؛ فأين مسؤوليته؟ ولماذا يحرضنا الله على العطاء ولا نملك من أنفسنا شيئا؟ ولماذا يحذرنا النار ولسنا الذين نقرر الدخول فيها أو اجتنابها؟ هكذا جاء في صحيح مسلم عن أبي الاسود الدؤلي قال: قال لــي عمران بــن حصيـن: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أين قضي ومضى عليهــم من قدر سبق؛ اَوَ في ما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟! فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلما؟ ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده؛ فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله. إني لم أرد في ما سألتك إلا لأحرز عقلك.

وان رجلين من «مزينة» أتيا رسول الله، صلى الله عليه واله، فقالا: «يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضى عليهم ومضي من قدر قد سبق، اَوَ في ما يستقبلون به مما آتاهــم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا؛ بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، (سورة المدثر: الآية 7،8). (2)

 

 القضاء والقدر

* لعل البعض قارن بين "القضاء والقدر" و"الجبر"؛ فما هو منشأ هذه المقارنة؟ وما هي النظرية الوسطى بينهما؟

 

ان هناك خلطا فظيعا حدث عند البعض بين الايمان بالقضاء والقدر، وبين الأخذ بنظرية الجبر اليهودية التي زعموا فيها: ان يد الله مغلولة، وان الله لا يقدر على تغيير شيء مما قَدَّرَ سبحانه، وان العباد مُكرهون على ما يفعلون، وان الله يجازيهم بغير صنع منهم في أفعالهم او مشيئته ، ومنشأ هذا الخلط هو تطرف بعض المؤمنين ضد نظرية التفويض لـ « القَدَرية» التي زعمت ان الله ترك عباده لشأنهم، دون ان يأمر، او ينهى، او يُقَدِّر شيئا.

والنظرية القاصدة هي الوسطى التي فاتت الكثير من المفسرين، وهي التي تصرح بها آيات الله، والتي هي لب الشريعة وخلاصة الرسالات الإلهية، وهي: «ان الله قضى وقدر، وكان مما قضى حرية الانسان في حدود مشيئته، ومسؤوليتهم عن أفعالهم، وانه سبحانه هو الذي منح العبادة قدرة المشيئة، كما أعطاهم سائر القدرات ليفتنهم فيها، وبَيَّن لهم الخير والشر، وألهمهم الفجور والتقوى

والرسول، صلى الله عليه وآله، بَيًّن ذلك؛ ولكن الناس فسروا كلامه، صلى الله عليه وآله، بالخطأ؛ كما فسروا القرآن كذلك. فالرواية السابقة - مثلا - لا تخطئ القرآن في مدلولها، اذ ان الرسول، صلى الله عليه وآله، بَيَّن ان الله قد قضى عليهم ما ألهمهم من الفجور والتقوى. فان فجروا؛ فبإذنه، لا بأمره ولا بفعله. وان اتقوا؛ فبإذنه وبأمره، لا بفعله.

 

 السعادة والشقاء

* ولكن؛ هناك من ذهب إلى أن كل شيء قد تم؛ فلِمَ السعي والكدح؟

 

النص التالي يدل على ان الله سبحانه لم يترك عباده سدى. وفي النص - كما نقرؤه - تصريح بضرورة السعي والكدح. جاء في الصحيحين والترمذي عن علي، عليه السلام، قال: « كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي، صلى الله عليه وآله، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض. فرفع رأسه الى السماء فقال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها « فقال القوم: يــا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا؛ فمن كان من أهل السعادة فانه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء؛ فانه يعمل للشقاء؟ قال: اعملوا؛ فكل ميسر. اما من كان من اهل السعادة؛ فانه ييسر لعمل السعادة. وأما من كان أهل اهل الشقاء؛ فانه ييسر لعمل الشقاء، ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}. (3)

ماذا نفهم من هذا الحديث؟ هل الجبر أم المسؤولية؟ ان تلاوة الرسول، صلى الله عليه وآله، للآية تدل علــى انــه، صلى الله عليه وآله، حرضنا للعطاء والبذل؛ ولكنه ربط العاقبة بأمر الله.

بلى؛ لسنا نحن الذين نقرر السعادة والشقاء، وإنما الله سبحانه ولكن بأعمالنا وبما نختاره، أَوَلم يقل سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وقال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.

فنسب السعي الى الانسان، والرسول، صلى الله عليه وآله، رفض فكرة الجبر، والإتكال على الكتاب الذي لا يفيد فيه حسب زعمهم.

-----------------

(1) تفسير نور الثقلين، ج5، ص592.

(2) تفسير القرطبي، ج20، ص76.

(3) تفسير القرطبي، ج20،ص84.

 

تبين سورة الليل

 «و»؛ أي: قسما بـ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، الأشياءَ بظلامه وهدوئه، «و»؛ أي: قسما بـ{وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} بنوره، ونشاطه، ودفئه، «و»؛ أي: قسما بـ «ما»: مَن ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى؛ وجواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ في الدنيا، ﴿لَشَتَّى؛ مختلف، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى؛ بغير مَنّ، ولا رياء، ولا سمعة، ﴿وَاتَّقَى؛ الكفرَ والإثمَ {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى}؛ أي: بأحسن السبل لأحسن الأهداف وهو الرسالة ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ؛ الحياة، ﴿لِلْيُسْرَى؛ والعاقبة الحسنى، {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ}؛ بمالِهِ ولم ينفقه، ﴿وَاسْتَغْنَى؛ عن الثواب، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى؛ أي: برسالة ربه ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لـ؛ الطريقة، ﴿لِلْعُسْرَى؛ التي تؤدي به إلى المهالك، ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ؛ و ما يتملكه من الغرور به، ﴿إِذَا تَرَدَّى؛ أي: إذا مات، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى؛ أي: على الله الهدى وعلينا السعي، ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى؛ أي: شؤون الدارين؛ فلا مهرب للعصاة عن حدود ومملكة الله، ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ؛ أيها الناس، ﴿نَاراً تَلَظَّى؛ تلتهب، وتنتظر كل الأشياء، {لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى}؛ الأكثر شقوة من العاصي وهو الكافر، ﴿الَّذِي كَذَّبَ؛ بالرسالة بقلبه ولسانه، ﴿وَتَوَلَّى؛ عن الشريعة بعمله ومواقفه، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا؛ أي: تلك النار، ﴿الأَتْقَى؛ أي: الأكثر تقوىَ وهو، ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى؛ أي: يتصدق به حال كونه، ﴿يَتَزَكَّى؛ قلبَه من الشح، والبخل، وحب الدنيا، ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى؛ أي: فلم ينفق مالَه جزاءً على نعمة سبقت إليه من المنفق عليه؛ كلا، إنه لا ينفق مالَه، ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى؛ أي: طلب مرضاة الله، ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى؛ في يوم القيامة بفضل الله له بالجنة؛ فإنها أعظم، وفضل الله أكبر.


ارسل لصديق