شعاع من نورها الزاهر
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2018/03/06
القراءات: 202

يتعلق شهرا جمادى الأولى والثانية بالصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام؛ كذكرى ميلاد، وذكرى استشهاد.

وبين ميلادها المبارك واستشهادها الفاجعة، حياة قوامها ثمانية عشر عاما فقط، هي، في اصطلاحنا: عمر الورود؛ إن جاز إطلاقه في المقام.

وفي هذه العجالة؛ نحاول أن نقتبس بعضا من نورها الزاهر.

 

أولا: فاطمة.. محور «الكساء»

إن أعلى مستوى اجتماع يعقد هو «اجتماع قمة»، والذي يعني اجتماع رؤساء دول العالم؛ كلهم، أو بعضهم، أو حتى اثنين منهم.

ولكن؛ هناك اجتماع فريد من نوعه عقد لمرة واحدة فقط؛ ضم كلا من: الرسول الأعظم، وعليا، وفاطمة، والحسن، والحسين ، عليهم الصلاة والسلام، وانضم إليهم، لاحقا، جبرائيل، عليه السلام، بطلب منه، وبإذن من الله - تعالى-، ومن رسوله، صلى الله عليه وآله. فكيف نصف مثل هذا الاجتماع؟ أ نصفه بأنه: «اجتماع كوني»؟ أم نصفه بأنه: «اجتماع ملكوتي»؟ أنا لا أعرف الجواب.

أما تفاصيل ما جرى في ذلك الاجتماع المبارك؛ فقد روتها لنا فاطمة الزهراء، عليها السلام، عبر الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، رضوان الله عليه، في ما عرف بـ «حديث الكساء» الشريف.

إن اجتماع «الكساء» حديث، وحدث.

أما «الحديث» فهو النص المبارك الموجود بين أيدينا، والذي نقرؤه في مجالسنا ومحافلنا باستمرار؛ والحمد لله.

 وأما «الحدث» فهو ما جرى في ذلك الاجتماع المبارك تحت الكساء.

إن ذلك الاجتماع المبارك اقتصر على الرسول الأعظم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، عليهم الصلاة والسلام، الذين عرفوا بـ «أصحاب الكساء»، وقد وصفهم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، بأنهم هم «أهل بيته، وخاصته، وحامته» دون غيرهم من نسائه، وباقي أقربائه.

وأثناء انعقاد ذلك الاجتماع المبارك، أخبر الله - تعالى- ملائكته وسكان سماواته بأنه: «ما خلق سماء مبنية، ولا أرضا مدحية، ولا قمرا منيرا، ولا شمسا مضيئة، ولا فلكا يدور، ولا بحرا يجري، ولا فلكا تسري إلا في محبة هؤلاء الخمسة الذين هم تحت الكساء».

وفي ذلك الاجتماع المبارك، أنزل الله - تعالى- الآية الكريمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، (سورة الأحزاب: 33)، وذلك عن طريق جبرائيل، عليه السلام، الذي حظي بشرف الانضمام إلى ذلك الاجتماع المبارك ببركة أهل البيت، عليه السلام.

وفي ذلك الاجتماع المبارك، أيضا، أقسم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وهو الصادق المصدق، بأن الرحمة الإلهية مقرونة بولاية أهل بيته، عليهم السلام، عندما قال جوابا على سؤال أمير المؤمنين، عليه السلام: «والذي بعثني بالحق نبيا، واصطفاني بالرسالة نجيا، ما ذكر خبرنا هذا في محفل من محافل أهل الأرض وفيه جمع من شيعتنا ومحبينا إلا ونزلت عليهم الرحمة، وحفت بهم الملائكة، واستغفرت لهم إلى أن يتفرقوا».

وفي ذلك الاجتماع، كذلك، أقسم أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو الصادق؛ أيضا، بأن الفوز والسعادة في الدارين لأهل البيت، عليهم السلام، ولشيعتهم عندما قال: «إذن والله فزنا وفاز شيعتنا وسعدوا في الدنيا والآخرة ورب الكعبة»؛ قالها مرتين.

ولا شك أن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، كان محور ذلك الاجتماع المبارك، بصفته خاتم الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلق أجمعين.

ولكن؛ عندما أراد الله - تعالى- أن يُعرّف أصحاب الكساء، عليهم السلام، لجبرائيل، عليه السلام، لم يقل؛ مثلا: هم: محمد، وصهره، وابنته، وسبطاه. ولم يقل: هم: علي، وابن عمه، وزوجته، وولداه؛ بل قال: «هم: فاطمة، وأبوها، وبعلها، وبنوها».

فالصديقة الطاهرة، عليها السلام، بنص هذا الحديث الشريف، هي محور أصحاب الكساء، وأصحاب الكساء، بنص قول الله الوارد في سياق حديث الكساء، محور هذا الوجود.

 

ثانيا: فاطمة.. الأٍسوة العليا

كل فرد على هذه البسيطة، رجلا كان أو امرأة، يحتاج إلى الأسوة في حياته؛ بل ويبحث عنها، من حيث يعلم أو لا يعلم. وحتى الذي لا يؤمن بالأسوة؛ فإن «اللا أسوة» أسوته، وهذا بحث جدلي لا نريد الخوض فيه الآن.

ويأمرنا الله - تعالى-، في صريح كتابه الكريم، بالتأسي برسوله الكريم، صلى الله عليه وآله، فيقول:

{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، (سورة الأحزاب: 21)ٍ.

ويأمرنا الرسول الكريم، صلى الله عليه وآله، في صريح حديثه الشريف، بالتمسك بالقرآن الكريم، وبالعترة الطاهرة، عليهم السلام، فيقول: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي؛ ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا «(1).

ولا بد أن يكون الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، كاملا؛ وإلا لما أمرنا الله بالتأسي به.

ولا بد أن يكون القرآن الكريم والعترة الطاهرة، عليهم السلام، كاملين، أيضا؛ وإلا لما أمرنا الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، بالتمسك بهما.

ولا شك أن «كمال» القرآن الكريم، و»كمال» الرسول الأعظم وعترته الطاهرة واضحة وبينة.

ومن «كمال» العترة الطاهرة، عليهم السلام، أنهم، كجدهم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، أسوات في أعلى مراتبها.

والصديقة الطاهرة، عليها السلام، ليست مستثناة من هذه القاعدة؛ فهي الأسوة العليا ليست للنساء فحسب؛ بل وللرجال أيضا.

 

ثالثا: فاطمة.. أمنية «الرساليات»

لا شك أن كل إمرأة مؤمنة رسالية تسأل الله عزوجل أن يحشرها مع فاطمة الزهراء، عليها السلام.

والحشر معها، عليها السلام، يتحقق، بالضرورة، بالإتيان ببعض السلوكيات، والامتناع عن سلوكيات أخرى في هذه الحياة.

ويرسم الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، لنساء الأمة «خارطة الطريق» للوصول إلى هذا الهدف العظيم الذي لا يمكن أن تُلَقّاها إلا ذات حظ عظيم.

فقد ورد عنه، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «ثلاث من النساء يرفع الله عنهن عذاب القبر، ويكون محشرهن مع فاطمة بنت محمد: امرأة صبرت على سوء خلق زوجها. وامرأة صبرت على غَيرَة زوجها. وامرأة وهبت صداقها لزوجها» (2).

هذا درس عمليٌ لاستقرار الحياة الزوجية والعائلية والاجتماعية وحتى الصحية.

فكم هي القضايا والملفات والإضبارات التي تعج بها مكاتب المحامين والقضاة، ومعظمها بسبب عدم صبر الزوجة على سوء خلق زوجها، وعدم صبرها على غيرته.

إنه أمر صعب، ولكنه ممكن، ومن ثم فإنه لا يرقى إلى مستوى «الإشكالية».

فكم امرأة مؤمنة رسالية تُقرر - من الآن؛ وبعد أن اطلعت على هذا الحديث النبوي الشريف - أن تبني علاقتها مع زوجها على أساس الصبر على سوء خلقه، وعلى غيرته، وأن تتوج هذا السلوك الجديد بأن تهب صداقها لزوجها لقاء رفع عذاب القبر عنها، وحشرها مع الصديقة الطاهرة، عليها السلام؛ بضمان من الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، الذي هو ضمان من الله - تعالى-؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

---------------

1. الكافي، كمال الدين، أمالي المفيد، أمالي الطوسي، عيون أخبار الرضا، عليه السلام، غيبة النعماني، بصائر الدرجات؛ وغيرها.

2. وسائل الشيعة، ج21، ص285.


ارسل لصديق