حوار حول سورة الشمس - القسم الأول ... (من الآية الأولى إلى الآية الثامنة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/05/03
القراءات: 878

(بسم الله الرحمن الرحيم)

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8).

صدق الله العلي العظيم

تمهيد: سورة الشمس مكية، آياتها خمس عشرة، وهي السورة الخامسة والعشرون في ترتيب النزول، والحادية والتسعون في ترتيب القرآن الكريم . وورد في فضلها عن أبي عبد الله ،عليه السلام، أنه قال: «من أكثر قراءة «و الشمس» في يوم او ليلة،لم يبق شيء بحضرته إلا شهد له يوم القيامة؛حتى شعره وبشره ولحمه ودمه وعروقه وعصبه وعظامه، وجميعما أقلت الارض منه، ويقول الرب تبارك وتعالى: قبلت شهادتكم لعبدي واجزتها له، انطلقوا به الى جناتي حتى يتخير منها حيث ما أحب؛ فأعطوه مِنْ غير مَنٍّ، ولكن رحمة مني وفضلا عليه، وهنيئا لعبدي».(1)

 

 

 العالم مدرسة و محراب

* ما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة ؟

- عبر خمس عشرة آية و ثلاثة مقاطع، تبصرنا سورة الشمس بأنفسنا، وكيف نحقق لها الفلاح ونمنع عنها الخيبة. محور السورة - فيما يبدو - الآيتان ( 7 - 8 ) حيث توحيان بالبصيرة النافذة.

ان بلوغ قمة الكمال عند النفس لا يتم إلا بالتزكية، بينما الفشل ينتظر من يدس نفسه في وحل الجاهلية وركامها.وقبل بيان هذه البصيرة، تحملنا الآيات الأولى الى آفاق السماء والأرض، وظواهر الليل والنهار لكي نجعل من العالم المحيط بنا مدرسة لنا ومحرابا.

وبعد بيانها، تضرب الآيات الأخيرة مَثَلاً عليها بواقع «ثمود»؛ الذين حملهم طغيانهم الى تكذيب رسول الله صالح، عليه السلام، وعقر الناقة التي كانت لهم آية مبصرة. والسورة - عموما - تعمق حس المسؤولية في نفس الانسان.

 

 

 لا جبر

* من المفسرين من زعم أن هذه السورة تدل على الجبر؛ أليس كذلك؟

- إنه من عجب القول.. ان هؤلاء المفسرين متأثرون بالفلسفة اليونانية؛ فزعموا أن السورة تدل على الجبر، وهكذاحَمَّلوا ربهم سبحانه مسؤولية ضلالهم وفجور كل قوم ضال.

كلا؛ إن الانسان قد سُويت نفسه،أُلهمت الفجور والتقوى، وأُمر بالتزكية؛ فمن قام بها، أفلح، ومن دس نفسه، خاب وخسر أهدافه.

 

 لغة الكائنات 

* في الآيات الأولى من هذه السورة، تكرر القسم بمظاهر كونية بارزة؛ لماذا؟

- للطبيعة لسان ينطق ويلهج بحمد ربها؛ ولكن ليس لكل الناس أذن تتلقى. ان إشاراتها خفية؛ فمن التقطها كانت له الكائنات مدرسة ومسجدا وطهورا. ولعل من غايات القسم في القرآن تعليمنا لغة الكائنات.

أَوَتدري بأية صورة؟

ان لنفس البشر شفافية تغطي عليها الرغبات الملحـة والهموم الطاغية.فالنفس شاعرة تحب الجمال، وتعشق النور، وتنجذب الى روعة النظام ودقة التناغم؛ ولكن الذين يشتغلون أبدا بلذات البطن وما دونه، وتلعب بعقولهم خمرة التفاخر والتكاثر، أنى لهم الاستماع الى همسات روحهم، والاهتمام بلذات عقلهم؟

من هنا؛فإنهم يحتاجون الى من يذكرهم بها، ويستثيــر في نفوسهم الإحساس بجمال الطبيعة وروعتها وتناسقها ونظامها الدقيق؛ يجعلهم ينظرون الى «الشمس وضحاها» ببراءة الطفل، واحساس الشاعر، وشفافية الواله العاشق.

كلما أشرقت الشمس على البسيطة، ونشرت ضحاها فوق الروابي والسهول، وبثت أشعتها عبرالنوافذ والمداخل، استلهموا منها درسا جديدا؛ بل روحا جديدة، وزخة عاطفية؛ ولذا تكرر القسم بهذه المظاهر الكونية المحددة في هذه السورة المباركة.

 

 الكتلة العظيمة

* في قوله تعالى:﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا؛ ماذا أراد بِضُحَاها؟

- قسما بالشمس.. أنظر اليها وكأنك لم تعرفها من قبل. ما هذه الكتلة العظيمة من النيران، التي لا تزال تحترق منذ ملايين السنين وما زالت في كهولتا؛ لأن احتراقها

يتم بالتفاعل النووي، ونحن ما زلنا على الأرض نتمتع بدفئها وضوئها وفوائدها.

دعنا نتدبــر في ضحوة الشمس، وهي- كما قيل - ضد الظل؛ أي: أشعتها المنبسطة على الارض، وتتجلى عند ارتفاع الشمس. وقال بعضهم: ضحى الشمس هي النهار كله، ويبدو ان القول الأول أظهر وهو ان الضحى من الضح وهو نور الشمس.

 

 هدوء القمر 

* في قوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا}؛ كيف جاء القسم بالقمر؟ و لمن يعود الضمير فيها؟

- للشمس جمالها الناطق وروعتها الصارخة، أما القمر فجماله صامت وروعته هادئة؛ لذلك أختاره الشعراء لسهراتهم، والعشاق لنجواهم، وأهل الطاعة لسبحاتهم. ما هذا الفيض المتدفق من النور الهادئ؟! يسبح في الفضاء وينتعش به جمال الطبيعة، ويهتدي بها السري!

﴿وَالْقَمَرِإِذَاتَلاهَا؛ أي:يلي الشمس، ومن أوتي حساً رهيفا، سمع سبحات الشمس والقمر ونورهما؛ فاهتدى الى ربهما العزيز.

فقسما بضحوة الشمس و نور القمر، وقسما بالنهار الذي يحيط الأرض بضيائه و دفئه وحيويته.

 

 التدبر في النهار 

* ولمن يعود الضمير في قوله تعالى:﴿وَالنَّهَارِإِذَاجَلاَّهَا؟

- يبدو ان الضمير يعود هنا الى الارض؛ أي: إذا جلى النهارُ الأرضَ، وان لم تذكر كقوله سبحانه عن الشمـس: ﴿حَتَّى تَوَارَت بِالحِجَاب، (سورة ص: 32)، ولم تذكر الشمس في السياق.وقيل: جلى الظلمة وان لم يجر لها ذكر؛ كما نقول:أضحت باردة؛ نريد أضحت الغداة باردة او الليلة باردة، وأنى كان؛فان التدبر في النهار ونوره وجماله يزيد الانسان بصيرة وهدى.

 

 آفاق المعرفة 

* في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}؛ لمن يعود الضمير؟

- بعد نهار طويل مجهد، يغشى الأرضَ ظلام ُالليل وهدوؤه؛ فيستريح على كفه الناس، والأحياء، والنباتات.

و من يتدبر في النهار وضيائه ونشاطه وحركته، يصعب عليه كيف يغشى الارض بعد ساعات الليل بسباته ودجاه وسكونه وسكوته. دع فكرك يقارن بينهما و ينطلق فيآفاق المعرفة. والضمير هنا - كما الضمير في الآية السابقة - يعود الى الأرض.

 

 هذا هو التأويل 

* ذلك هو تفسير الآيات الأربع؛ فهل من تأويل لهذه الآيات؟

- جاء في بعض النصوص تأويل هذه الكلمات في الجوانب المعنوية من حياة المجتمع، وان الشمس رسول الله، صلى الله عليه وآله؛ بينما القمر امير المؤمنين،عليه السلام؛اما النهار فأئمة الهدى، عليهم السلام؛ بينما الليل أئمة الضلال.(2)

 

 عظمة السماء 

* لماذا عاد القسم بالسماء مرة أخرى كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا؟

- عندما يستجلي المتدبر في ظواهر الطبيعة آيات الله فيها،يعي الانسان عظمة السماء وبنائها المتين، والأرض وإعدادها لراحة البشر؛ فيذكره الله سبحانه بهما قائلا: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا.

أي تدبير عظيم، وأية حكمة بالغة، واية قوة واسعة، وأي علم محيط وراء بناءالسماء وما فيها من أجرام سماوية مسخرة في افلاكها!! لا يكاد حتى الخيال العلمي الخصب ملاحقة أبعادها وآفاقها ومبتدئها ومنتهاها.

 

 الحياة على الأرض 

* ماذا أراد بطحو الأرض في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا؟

- تعدّ الأرض - بالقياس الى سائر أجرام السماء - كسمكة صغيرة على شاطئ المحيط إذا قستها الى الحيتان الكبار التي تجوب البحار الواسعة، او كأصغر حرف من أصغر كلمة في كتاب متواضع بالنسبة الى مكتبة تضم ملايين الأسفار؛ فاذا نظرت الى الأرض وبحارها وسهولها وجبالها وأنواع الخلق فيها - مما لا يحصيها العلم - كَلَّ نظرك، و نَصَب مخك، وقلت: سبحان الله! ما أعظم تلك القوة التي دحت الأرض وهيأتها للحياة بعشرات الملايين من وسائل الحياة والراحة وأسبابها.

وقالوا: الدحو والطحو واحد، ومعناهما البسط، وقال الماوردي: ويحتمل انه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز لأنه حياة لما خلق عليها،ويبدو ان أصل الطحو هو تهيئة الشيء وتمهيده؛ والله العالم.

 

 النفس العظيمة 

* كيف تحول السياق فجأة من المظاهر الكونية إلى الإنسان نفسه في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا؟

- لماذا خلقت السماء والأرض، وأحكمتا البناء؟ أَوَليس للإنسان؟! تعالوا وفكروا في هذا العالم الكبير: إنه آية على ما خلقهم الله من الأرض من أحياء وأشياء.

في أعماق النفس الإنسانية آيات لا يتسنى لغير صاحبها بلوغ أغوارها، كذلك في أعماق سائر النفوس وسائر الحقائق.

انك ترى الشمس من ظاهرها، تلامس جدرانها الخارجية فهل تعرف ما يجري هناك في داخلها، كذلك القمر، والنهار، والليل؛ بينما نفسك أقرب الكائنات اليك لا تقدر على اكتشاف جانب من أغوارها الذاتية، فتفكر اي خلق عظيم هذه النفس التي هيأها الله سبحانه، ونظم أمرها بأحسن تنظيم!! واعظم ما في النفس العقل الذي هداها الله به الى خيرها وشرها؛ تقواها وفجورها؛ ما يصلح لها وعليها ان تأتي به، وما يفسدها وعليها ان تتركه.

 

 وسائل الصلاح 

* في قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}؛ كيف قدم فجور النفس على تقواها؟

-معرفة الفجور قُدمت على معرفة التقوى إذ ان النفس تعرف أولا أسباب الهلاك،ثم تعرف كيف تتجنبها بوسائل الصلاح. وقد قال سبحانه في آية أخرى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، (سورة البلد: 10). علما بان اكثر الواجبات هي سبل للتخلص من المفاسد.و جاء في الحديث المأثور عن النبي، صلى الله عليه واله، انه كان اذا قرأ هذه الآية: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، رفع صوته بها، وقال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها و مولاها، وأنت خير من زكاها».(3)

و جـاء في حديث مأثور عن الامام الصادق، عليه السلام،انه قال في تفسيرهــا: «بين لها ما تأتي وما تترك».(4)

------------

(1) تفسير « نور الثقلين «‌، ج5 ، ص585.

(2) تفسير « نور الثقلين « ، ج5 ،‌ص585.

(3) تفسير القرطبي ، ج20 ، ص76.

(4) تفسير نور القلين ،‌ج5 ، ص 586.


ارسل لصديق