حوار حول سورة الفجر - القسم الرابع والأخير
(من الآية الثالثة والعشرين حتى نهاية السورة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2017/05/07
القراءات: 197

بسم الله الرحمن الرحيم

وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

تمهيد

في العدد الماضي، وصل بنا الحوار إلى قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}.

وفي هذا العدد، نكمل الحوار حول الآيات المتبقية من هذه السورة المباركة، ونسأل عن قوله تعالى: ﴿وَجِاْيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ.

 

 وجاءت جهنم

* قال تعالى: ﴿وَجِاْيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ؛ أين جهنم اليوم؟ وكيف يؤتى بها ذلك اليوم؟

- إن من معاني شهود الله حضور تلك القيم التي أمر بها، وتلاشي قيم الزيف والضلال التي امتحن الناس بها في الدنيا؛ لذلك فأول ما يؤتى بجهنم؛ سجن المجرمين الرهيب؛ فيقول تعالى: {وَجِاْيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}؛ فكيف يؤتى بها؟

لا نعرف؛ ولكن جاء في رواية مأثورة عن أبي جعفر الباقر، عليه السلام، انه قال:

«لما نزلت هـذه الآية: ﴿وَجِاْيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. سئل عن ذلك رسول الله، صلى الله عليه وآله، فقال: بذلك اخبرني الروح الأمين ان الله لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الأولين والآخرين أُتي بجهنم، يُقاد بألف زمام؛ يقودها مائة ألف مَلَكَ من الغلاظ الشداد، لها هدة1 وغضب وزفير وشهيق، وانها لتزفر الزفرة؛ فلولا ان الله اخرهم للحساب لأهلكت الجميع؛ ثم يَخرج منها عُنُقٌ2 فيحيط بالخلائق؛ البِّر منهم والفاجر؛ فما خلق الله عبدا من عباد الله؛ ملكا ولا نبيا إلا ينادي: رب؛ نفسي نفسي، وأنت يا نبي الله تنادي: امتي امتي، ثم يوضع عليها الصراط؛ أدق من حد السيف، عليها ثلاث قناطر؛ فاما واحدة فعليها الامانة والرحم، وثانيها فعليها الصلاة، وأما الثالثة فعليها رب العالمين لا اله غيره؛ فيكلفون الممر عليهم؛ فيحبسهم الرحم والأمانة. فان نجوا منها حبستهم الصلاة، فان نجوا منها، كان المنتهى الى رب العالمين، وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ، والناس على الصراط؛ فمتعلق بيد، وتزول قدم، ويستمسك بقدم، والملائكة حولها ينادون: يا حليم؛ اعف واصفح وعد بفضلك وسلم سلم، والناس يتهافتون في النار كالفَراش فيها، فاذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال: الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات، والحمد لله الذي نجاني منك بعد أياس بمنه وفضله ان ربنا لغفور شكور»3.

 

 ويتذكر الإنسان

* في الآية التالية وهو قوله: {يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}، ماذا يتذكر الإنسان بالتحديد؟ ومتى يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي؟

- يتذكر الإنسان طيباته التي بددها فيما زالت؛ ويتذكر شبابه الذي أبلاه في شره السهو والتباعد عن الرب؛ ويتذكر أمواله التي جمعها من غير حل، وأنفقها في غير رضا الرب؛ ويتذكر أوقاته التي أفناها في اللهو والغفلة والاشتغال بالتوافه؛ وكل ساعة منها كان يستطيع ان يحصل بها على مُلكٍ كبير في الآخرة!

وقوله تعالى: {وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}؛ أي: لا تنفعه الذكرى بعد فوات أوانها؛ فـ ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي هذه؛ فهذه هي الحياة حق الحياة؛ الحياة الخالدة التي لا تزول.

 

 لا.. ولا

* لماذا جاء بحقيقتين معروفتين؛ وهما {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ}؟

- هنالك العذاب الإلهي الذي يتجلى به الرب، والوثاق الإلهي الذي يتجلى به غضبه.

نعم؛ لا أحد يعذب كالله؛ لأنه الأعظم الأكبر الذي لا يقاس أي شيء منه بأي شيء من خلقه. وان الانسان ليهرب من عذاب الدنيا، ولا يعرف ان عذاب الله في الآخرة لا يقاس ببعض الأذى في الدنيا.

جاء في دعاء أمير المؤمنين علي، عليه السلام:

«وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على ان ذلك بلاء ومكروه؛ قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها! وهو بلاء تطول مدته، ويدوم مقامه، ولا يخفف عن أهله؛ لأنه لا يكون الا عن غضبك وانتقامك وسخطك، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض، يا سيدي فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين!»4

كما لا شيء يشبه سجن الله ووثاقه؛ ولذا قال: ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ؛ أي: لا يشد احد وثاقا بذات الشدة التي يشد الله وثاق الكفار.

 

 النفس المطمئنة

* متى يُنادى المؤمن بنداء: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}؟

- أهذا المصير خير أم مصير المؤمنين الذين قدموا لحياتهم؛ فعمروا آخرتهم؛ فاطمأنت نفوسهم بسكينة الإيمان، وتساموا فوق مؤثرات المادة؛ فربما ملكوها ولكنها لم تمتلكهم أبدا، فعاشوا أحرارا، وماتوا سعداء. إذا استقبلهم ملك الموت فبترحاب، ونودوا في أول ساعة من حياتهم الأبدية بالبشرى:﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. إن المؤمن يعيش بين الخوف والرجاء؛ فان دعاه الى الخوف إحساسه بالتفريط في جنب الله، فقد دعاه الى الرجاء يقينه بعظيم عفو الله وواسع رحمته. كل خوفه من العاقبة السوأى، ومِن ألا يتقبل الله حسناته، ولا يتجاوز عن سيئاته، ومِن ان يتبين في ساعة الرحيل ان حساباته كانت خاطئة، وانه ليس، كما كان يرجو، من أصحاب الجنة.

أولم تسمع مناجاة الامام السجاد علي بن الحسين، عليهما السلام:

«ليت شعري أللشقاء ولدتني أمي أم للعناء ربتني؛ فليتها لم تلدني ولم تربني، وليتني علمت: أمن أهل السعادة جعلتني وبقربك وجوارك خصصتني؛ فتقر بذلك عيني وتطمئن له نفسي.5

 

 العودة إلى الرب الرحيم

* متى يأتي النداء {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}؟ وما هي آثار هذا النداء على روح الميت المؤمن؟

- إذا جاء المؤمن النداءُ الإلهي عند وفاته: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ استراح، وشملته البشرى، وعمه الفرح.. هنالك يستطيب الموت لأنه عودة العبد الكريم الى الرب الرحيم الذي يستضيفه بالقول: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً لقد اطمأنت انفسهم الى بارئها، وتوكلوا على الله، وسلموا لقَدَره وقضائه، ولم يبطرهم الغنى وما اعتبروه صك الغفران، ولم يهزمهم الفقر وما اعتبروه لعنة إلهية؛ لذلك فان الله يرضيهم بنعيم الأبد، وينبئهم بأنهم مرضيون، وما أحلى ساعة اللقاء بحبيبهم وأنيسهم، وما أروع كلمات الود المتبادلة.

جاء في الحديث القدسي عن الله عز وجل انه قال في حق الزاهدين وأهل الخير و أهل الآخرة:

«فوعزتي وجلالي لأحيينهم حياة طيبة اذا فارقت أرواحُهم أجسادهم. لا أسلط عليهم مَلَك الموت، ولا يلي قبض روحهم غيري، ولأفتحن لروحهم أبواب السماء كلها، ولأرفعن الحجب كلها دوني، ولآمرن الجنان فلتزينن، والحور فلتزفن، والملائكة فلتصلين، والأشجار فلتثمرن، وثمار الجنة فلتدلين، ولآمرن ريحا من الرياح التي تحت العرش فلتحملن جبالا من الكافور والمسك الاذفر6 فلتصيرن وقودا من غير النار فلتدخلن به ولا يكون بيني وبين روحه ستر؛ فأقول له عند قبض روحه: مرحبا وأهلا بقدومك علي، اصعد بالكرامة والبشرى، والرحمة والرضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا، ان الله عنده أجر عظيم، فلو رأيت الملائكة كيف يأخذ بها واحد ويعطيها الآخر!»7

وجاء في نفس الحديث:

«وإذا كان العبد في حالة الموت، يقوم على رأسه ملائكة؛ بيد كل ملك كأس من ماء الكوثر وكأس من الخمر، يسقون روحه حتى تذهب سكرته ومرارته، ويبشرونه بالبشارة العظمى، ويقولون له: طبت وطاب مثواك، انك تُقدم على العزيز الحكيم، الحبيب القريب؛ فتطير الروح من أيدي الملائكة فتصعد الى الله تعالى في أسرع [من] طرفة عين، ولا يبقى حجاب ولا ستر بينها وبين الله تعالى، والله عز وجل اليها مشتاق، وتجلس على عين عند العرش؛ ثم يقال لها: كيف تركت الدنيا؟ فتقول: الهي وعزتك وجلالك لا علم لي بالدنيا، أنا منذ خلقتني خائفة منك؛ فيقول الله تعالى: صدقت يا عبدي، كنت بجسدك في الدنيا وروحك معي؛ فانت بعيني، سرك وعلانيتك، سل أعطك، وتمن علي فأكرمك، هذه جنتي فتجنح فيها، وهذا جـواري فأسكنه؛ فتقول الروح: الهي عرَّفتني نفسك؛ فاستغنيت بها عن جميع خلقك، وعزتك وجلالك لو كان رضاك في ان أُقطع إربا إربا، وأُقتل سبعين قتلة بأشد ما يقتل بـه الناس لكان رضاك احب إلي».

«إلهي كيف أعجب بنفسي وأنا ذليل إن لم تُكرمني، وأنا مغلوب إن لم تنصرني، وأنا ضعيف إن لم تقوني، وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك، ولولا سترك لافتضحت أول مرة عصيتك.

«الهي كيف لا أرضيك وقد أكملتَ عقلي حتى عرفتُك، وعرفتُ الحق من الباطل، والأمرَ من النهي، والعلمَ من الجهل، والنورَ من الظلمة.

 فقال الله عز وجل: «وعزتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات، كذلك أفعل بأحبائي».8

 

 دار ضيافة الله

* معلوم أن أصحاب النفوس المطمئنة هم عباد الله ويدخلون جنته؛ فكيف يقول لهم: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}، وهو من نافلة القول؟

- يُدخل الله روح المؤمن - بعد قبضها - برضاه في حزبه المفلحين في عباده الصالحين حيث المؤانسة والصفاء؛ وذلك قوله - تعالى-: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي؛ أي: انتظمي في سلكهم.

وتستقبله دار ضيافة الله ومنزل كرامته الجنة التي من دخلها لم يخرج منها أبدا؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي.

جعلنا الله من أهل جنته؛ انه سميع الدعاء.

 

تبيين الآيات

﴿وَجِاْيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ حتى تقترب من موقف القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ وهو يوم القيامة ﴿يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ طيباته التي بددها ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى بعد فوات الأوان؛ فـ﴿يَقُولُ تحسراً:

﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي الحقيقية هذه التي لا تفنى {فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ}؛ أي: العذاب المقرر للكافر ﴿أَحَدٌ كالله. ﴿وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ؛ أي: الوثاق المقرر للكافر ﴿أَحَدٌ غير الله.

أما النفس المطمئنة؛ فيقال لها:

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ بسكينة الإيمان: ﴿ارْجِعِي إِلَى ثواب ﴿رَبِّكِ رَاضِيَةً بنعيم الأبد، وتُنبأ بأنها ﴿مَرْضِيَّةً عند الله تعالى. ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي الصالحين، ﴿وَادْخُلِي في دار ضيافتي؛ ﴿جَنَّتِي التي من دخلها لم يخرج منها أبداً.

-------------------

1) الهدة: صوت وقوع الشيء الثقيل.

2) العنق: الجماعة من الناس.

3) بحار الأنوار، ج60، ص193.

4) فقرات من دعاء كميل.

5) مفاتيح الجنان.

6) ذفر الشيء: اشتدت رائحته.

7) كلمة الله، السيد حسن الشيرازي، ص369.

8) كلمة الله، السيد حسن الشيرازي، ص375.


ارسل لصديق