سورة الكافرون
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/04/07
القراءات: 2163

(بسم الله الرحمن الرحيم)

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

 

• أين نزلت هذه السورة المباركة؟ و متى؟ و كم هو عدد آياتها؟ و ما هو ترتيبها النزولي و ترتيبها في القرآن الكريم؟

- سورة الكافرون المباركة مكّية، نزلت بعد سورة الماعون المباركة. عدد آياتها (6)، و ترتيبها النزولي (17)، و ترتيبها في القرآن الكريم (109).

 

فضل السورة

• ما فضل هذه السورة المباركة؟

- ورد في كتاب ثواب الأعمال باسناده عن أبي عبد الله، عليه السلام:

"من قرأ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ" و"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" ، في فريضة من الفرائض، غفر الله له و لوالديه وما ولد.

و ان كان شقيا، مُحي من ديوان الاشقياء، و أُثبت في ديوان السعداء، و أحياه الله سعيدا، و أماته شهيدا، و بعثه شهيدا» (1)

 

خط التوحيد و خط الشرك

• لماذا عدّ الرسول الأكرم، صلى الله عليه و آله - حسب رواية معروفة – «سورة الكافرون» ربع القرآن؟

- ربما لأن نصف القرآن، أو يزيد، يهدي الى حقائق التوحيد، و التوحيد - بدوره - يتشكل من جزءين: الايمان بالله، و نفي الشركاء، و نجد في هذه السورة عصارة رفض الشركاء في ربع القرآن.

و تتكرر في هذه السورة كلمات البراءة مما يعبد المشركون، و ان الرسول، صلى الله عليه و آله، لن يؤمـــن بما يؤمنون به من الاصنام، لينفصل - و بوضوح - خط التوحيد عن خط الشرك. هناك حقائق تكفينا معرفتها و وعيها و العمل بها، بينما لا يكفي ذلك في حقائق أخرى مثل نفي الشركاء؛ إذ لابد في مثلها من البراءة عنهم، والكفر الصريح بهم، و تحدي سلطانهم الثقافي و السياسي و الاجتماعي حتى يخلص ايمان العبد لله تعالى.

 

الموقف الواضح

• ما هي دلالة تصدّر هذه السورة المباركة بفعل الأمر: قُلْ؟

- جاءت بعض آيات التوحيد – و منها آيات هذه السورة المباركة - متوّجة بكلمة «قُل» التي تطالبنا بموقف واضح، فاصل، وحاسم من الشركاء، أي من القوى الجاهلية التي تتسلط على رقاب العباد، و من القيم الفاسدة التي تتجذر في النفس، و من السلوك الفاسد الذي يصبغ حياة الناس.

فيا أيها الرسول؛ قُلْ كلمة الفصل هذه و بكل وضوح؛ لأن كلمة الرفض قد تكون أشد من الرفض ذاته، لانها تشجّع الآخرين عليه. ألا ترى كيف أن الكثيرين ربما يعارضون حكومة جبّار في السر، و لكن القليل منهم يعلنون رفضهم له جهاراً.

 

الشهادة بالتوحيد

• في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»، هل الخطاب موجه للكافرين الذين كانوا في عهد رسول الله، صلى الله عليه و آله، فقط؟

- إن الله يأمرنا بإعلان الرفض وفي صيغة خطاب موجه الى الكافرين جميعا؛ الغائبين منهم و الحاضرين.

 

في ساحة المواجهة

• هل يمكن أن نعدّ قوله تعالى: «لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ» بمثابة الشهادة بالتوحيد؛ أُمرنا بها؟

نعم؛ انها الشهادة التي أمرنا بها تعالى، و التي نرددها من أعلى المنائر، في مواقيت الصلاة و عند خواتيم الفرائض. إنها الشهادة بالتوحيد التي تعني – صراحة - رفض الأنداد و الشركاء، كما تعني الحضور في ساحة المواجهة ضد هؤلاء الشركاء ثم الصراع الشامل معهم، ذلك ان الشركاء ليسوا أشباحاً أو نظريات، إنهم حقائق ثقيلة تسير على الارض بالجبروت و الفساد و الطغيان؛ فالشهادة على رفضهم تعني الحضور في سوح الصراع معهم.

 

رفضٌ مُطلق

• و كيف يكون رفض الكفار و الجاهليين؟

إن تغيير المجتمع الجاهلي، و هدم كيانه الظالم لا يكون إلا برفض مقدساته و قيمه، وما يعبدونه من دون الله، و رفض تقديس الآباء الذي يعني الجمود و التقليد و الاسترسال، و رفض تقديس الارض و المصالح العشائرية و الطائفية و الحزبية و الاقليمية و القومية، و رفض الثقافات و الشرائع الباطلة التي اضفوا عليها القداسة.

و قد ذكر الرواة: ان سادة قريش لقوا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا محمد..! هلمّ فلنعبد ما تعبد، و نشترك نحن و أنت في أمرنا كله، فان كان الذي جئت به خيراً مما بأيدينا، كنا قد شاركناك فيه و أخذنا بحظنا منه. وان كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك، كنت قد شركتنا في أمرنا و أخذت بحظك منه؛ فأنزل الله عز و جل: « قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ» (2).

 

بين «ما» و «مَنْ»

• تلك واقعة؛ فهل اقتصر نفي عبادة الرسول، صلى الله عليه و آله، لما كان يعبده كفار قريش على تلك الواقعة، أم ذهب إلى مدىً أوسع؟

معروف أن الآية الكريمة، أوسع دلالة من تلك الواقعة، فان نفي عبادة الرسول، صلى الله عليه و آله، لما يعبدون يشمل تحدّيه لمجمل قيمهم الجاهلية و كياناتهم الظالمة.

و كلمة «ما» في قوله تعالى: «ما تعبدون» تشمل كل شيء يُعبد من دون الله، سواء تمثّل في أصنام حجرية، أو في أشخاص، أو في قيم؛ وهكذا كان نفي «ما» أشد وضوحاً و أشمل من نفي «مَن»، و تدلّ على غير العاقل.

 

العبادة مختلفة

• قوله تعالى: «وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» هل يعني بأن الكافرين لا يشتركون في أمر العبادة مع المؤمنين؟

هذا صحيح؛ فالكافرون يعبدون إلهاً يختلف كلياً عن رب العالمين الذي يعبده المؤمنون. أولئك يعبدون ربّاً عاجزاً أمام قوة الشركاء، محتاجاً الى دعم الأنداد، لا يهيمن على تدبير الكائنات؛ بينما المؤمنون يعبدون رباً قوياً مقتدراً، لا يعجزه شيء، ربّاً جباراً مهيمناً مدبراً؛ فليس ما يعبده الكافرون هو ما يعبده المؤمنون، بل إنه لمختلف جداً.

 

لا كفر بعد الإيمان

• ما هي دلالة تكرار قوله تعالى: «وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ»؟

أنَّى لقلبٍ واحدٍ ان تجتمع فيه معرفة الله المتكبّر الجبار، مع الايمان بالجبت و الطاغوت؟! أوَ هل يجتمع النور و الظلام؟ والذي يعبد الجبت و الطاغوت ولا يتحدى سلطة المستكبرين و قيم الجاهلين، لا يكون عابداً لله، و حاشا لرسول الله، صلى الله عليه و آله، و لمن اتبع هداه ان يختاروا الكفر بعد الايمان، و الضلال بعد الهدى، حتى لو تعرضوا لألوان العذاب.

ان من علامة صدق الايمان وأنه وَقر و استقر في فؤاد صاحبه، أنه يعقد عزمات قلبه على تحدي كل الضغوط في سبيله حتى يأتيه اليقين؛ فيلقى ربه بايمان لا ظلم فيه، و اسلام لا استكبار معه.

 

هذا واقعهم

• كل الناس حتى أسوأ الجاحدين يمرون – عادة - بلحظات ايمانية، أَوَليسوا يولدون على فطرة الايمان؟

بلى.. و لكنهم سرعان ما يشركون بربهم بسبب الشهوات، أو ضغط الطغاة و المجتمع الفاسد.

 

نعيم الجنة

• هل يدل قوله تعالى: «وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ» على أن خط الإيمان يتمايز عن الشرك ولن يلتقيا على محور واحد؟

إننا لا نرى أحدا من الكفار بالله أبدا عابدا له، كيف وأن أول ما يأمر به الله هو الكفر بالطاغوت و مقاومة الجبت.

و قوله تعالى: «وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ»، أي أنهم حال شركهم بالله ليسوا من الله في شيء؛ لأن الشرك حجاب بين الانسان و ربه؛ حجاب في القلب و حجاب في السلوك، و إنما تتجلى قيمة الايمان في كبح جماح التكبر في النفس و كبح جماح المستكبرين في المجتمع ليتحرر الانسان من الجبت و الطاغوت، و يعود الى نور عقله و صفاء فطرته، و يمضي قدما في تسخير الطبيعة في الدنيا، و ابتغاء مرضاة الله و نعيم الجنة.

أما المستسلم للضغوط، المسترسل مع شهوات النفس و أهواء المتجبرين؛ فإنه ليس بمؤمن بالله. أَوَلَيس الايمان بالله يعطي الانسان بصيرة، و عزما، و حكمة، و شجاعة، و عقلا، و توكلا؟

و هل يمكن لمن أوتي تلك الصفات المثلى ان يتبع هواه و يطيع الطغاة؟

و هكذا استبـان طريق الضلال عن سبيل الله، و دين الكفار عن دين الحق، و هذا ما تشير إليه الآية التالية و هي قوله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ».

 

دينهم منهجهم

• هنا يبرز سؤال؛ و هو أن ظاهر لفظ الآية الكريمة يدل على أن للكافرين ديناً كما للمسلمين؛ أليس كذلك؟

الدين هو المنهج المتكامل الذي يلتزم به الانسان في حياته، و لا يجتمع منهج الله مع منهج الشرك. و قال بعضهم: الدين - هنا - بمعنى الجزاء؛ فمعناه: أن لكل شخص جزاء عمله و عبادته؛ إنْ خيرا فخير وإنْ شرا فشر. و المعنى الأول أوفق مع السياق؛ لأن جوهر الدين العبادة، فمن عبد الله، دان بدينه، و من عبد الشركاء، دان بدينهم.

و هذه البراءة الصريحة من دين الشرك هي التــي ميزت دين الله عن دين الأدعياء، و ميزت عباد الله عن عبدة الطاغوت، و ميزت خط الرسالة الأصيل عن سبل الضلال.

 

صمود المؤمنين

• هل السورة المباركة بصدد نفي تقاطع المستكبرين مع المؤمنين؟

هذا صحيح؛ فالمشركون و المستكبرون و المترفون حاولوا - عبر التاريخ - التقاطع مع المؤمنين الصادقين بالترغيب و الترهيب؛ فلم يفلحوا، و كان هدفهم استخدام اسم الدين و شعاراته لتمرير فسادهم و ظلمهم، و إضفاء الشرعية على تجبرهم و استغلالهم، ولقد بقي رجال الله المخلصون صامدين أمام تلك المحاولات بتوفيق الله و بالرغم من تعرضهم لشتى الوان الأذى.

و جاءت هذه السورة المباركة - التي استفاضت على أهميتها النصوص الشرعية - وثيقة براءة من المشركين، و سداً منيعاً أمام محاولاتهم التأثير في التجمع الايماني.

 

التكرار للتأكيد

لماذا تكررت آيات النفي في هذه السورة المباركة تكراراً يُلفت النظر و يثير التساؤل؟

- انما تكررت آيات النفي لتأكيد هذه البراءة و ذلك الفصل، و من عادة العرب التكرار للتأكيد. و قد جاء في الحديث المأثور عن الامام الصادق، عليه السلام، عن سبب نزولها و تكرارها: «أن قريشاً قالت لرسول الله، صلى الله عليه و آله،: تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة، و تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة؛ فأجابهم الله بمثل ما قالوا. فقال في ما قالوا: تعبد آلهتنا سنة: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ». و في ما قالوا: نعبد إلهك سنة: "ولا أنتم عابدون ما أعبد". و في ما قالوا تعبد آلهتنا سنة: "ولا أنا عابد ما عبدتم". و في ما قالوا: و نعبد إلهك سنة: «ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين». (3)

 

ليس ترخيصاً

أليس في قوله تعالى: (لكم دينكم و لي دين) ترخيص للكفار في عبادة الأوثان كما يدل ظاهر الآية المباركة؛ ربما؟

«ليس هذا ترخيصاً للكفار في عبادة الأوثان بل يريد البراءة من آلهتهم و ردها، و الإمتناع عن كونها – أي الآلهة – معبوداً، مع التوبيخ و التشنيع عليهم؛ و كأن الآية الكريمة تريد أن تقول: أنتم الجهلة أهل لهذه الخرافة القبيحة: و هي عبادة الأصنام و الأوثان، و لي دين الحق: و هو التوحيد الخالص و الإسلام و التسليم لله جلّ اسمه». (4)

-----------------

(1) تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 670.

(2) تفسير القرطبي، ج20، ص 225.

(3) تفسير نور الثقلين، ج5، ص 688.

(4) تفسير منهاج البيان، ج 30، ص 699.


ارسل لصديق