سورة الفيل
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2013/10/26
القراءات: 6940

(بسم الله الرحمن الرحيم)

أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

 

هذه الأسئلة طرحناها، فوجدنا إجابتها في موسوعة تفسير [من هدى القرآن] لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي [دام ظله الشريف] وتعميماً للفائدة ننشر، في كل عدد، مجموعة من الأسئلة مع أجوبتها المستوحاة من الموسوعة المذكورة مباشرة

 

• أين نزلت سورة الفيل المباركة؟ و متى ؟ و كم هو عدد آياتها ؟ و ماهو ترتيبها النزولي و ترتيبها في القرآن الكريم ؟

 

- نزلت هذه السورة المباركة في مكة المكرمة بعد سورة الكافرون . عدد آياتها (5) . ترتيبها النزولي (18)، و ترتيبها في القرآن الكريم (105).

 

* فضل السورة

• ما فضل هذه السورة المباركة ؟

 

- هناك روايات كثيرة في فضل هذه السورة المباركة ؛ نذكر – في ما يلي – اثنتين منها :

عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال:

«من قرأ في فرائضه {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} شهد له يوم القيامة كل سهل و جبل و مدر بأنه كان من المصلين، و ينادي له يوم القيامة مناد : صدقتم على عبدي، شهادتكم له و عليه، أدخلوه الجنة ولا تحاسبوه، فإنه ممن أحبه الله و أحب عمله».(1)

وجاء في بحار الأنوار، بخط الشهيد، رحمه الله : ان الصادق، عليه السلام، كان يقرأ في وجه العدو سورة الفيل. (2)

 

* حرمة الكعبة

• ما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة ؟

 

- تموجت الجزيرة العربية بالصراعات الدموية، و بقيت مكة المكرمة بلداً آمنا كمثل جزيرة ساكنة في بحر هائج ؛ حتى أن ملك اليمن (أبرهة) - عندما سعى الى غزوها - رُدّ على أعقابه بفعل طير غريب رمت جيشه بحجارة من سجيل؛ و في ذلك دليل على حرمة البيت، و آية لإكرام الله لأهله، و نعمة عظيمة ينبغي أن يشكروا الله عليها بالايمان به و برسالاته.

 

* القصة للعِبرة 

• لماذا يُذكّر القرآن الكريم بقصة «اصحاب الفيل» فيقول : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ؟

 

- كثيرة هي عبر التاريخ التي لا تزال آياتها مرسومة على صفحات الزمن و في ذاكرة الأجيال، ولكنْ قليل هم الذين ينسلون من ضوضاء حاضرهم الى كهف التاريخ ليدرسوه بإمعان، و يعتبروا بحوادثه ؛ و كانت قصة الفيل - الذي أناخ بـ «المغمس» من أطراف مكة، ففزعت منه قريش، ولاذت بالجبال فرارا - لا تزال عالقة في أذهان أهل مكة، حتى قيل : إن بعض من رافقوا حملة «أبرهة» المشؤوم كانوا لا يزالون أحياءً ؛ بيد أن قريشاً - التي أمنها الله من تلك الداهية - كفرت بأنعم الله، و جحدت آياته، و جاء الوحي يذكرهم قائلاً: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيل.

 

* الرؤية بمعنى العلم

• و لكن الرسول الاعظم، صلى الله عليه و آله – و هو المُخاطَب في هذه الآية المباركة – لم يشهد حادثة «اصحاب الفيل»، و من ثم لم ير كيف و ماذا فعل الله بهم؛ لان مولده المبارك كان في العام الذي وقعت فيه الحادثة، (و هو عام 570 م)، فكيف يخاطبه الله بقوله: ﴿ألم تَرَ ؟

 

- قد تكون الحادثة التاريخية شديدة الوضوح الى درجة تكاد تُرى، و لا تحتاج منّا الى ان نتوجه إليها بأعين بصيرة، و هكذا يبدو أن الرؤية - هنا - جاءت بمعنى العلم بها، و النظر الى آثارها، و سماع أنبائها مما يجعلك كأنك قد رأيتها .

 

* سلاحٌ جديد

• من هم "أصحاب الفيل" تحديداً ؟

 

- أصحاب الفيل هم : أبرهة بن الصباح الأشرم، ملك اليمن، وجنوده. و قد تجلت عظمة الله في ردع أكبر حملة قادها هؤلاء الأعداء ضد مكة، و بفعلٍ خارجٍ عن ظاهر السنن الجارية ؛ حيث دمرهم بطير أبابيل .

لقد عبؤوا طاقاتهم، و جندوا اثني عشر ألفا بأفضل عتادهم - حسب التواريخ- و كان الفيل(3) – الذي استقدموه لإثارة الهيبة - سلاحاً جديداً في محيط الجزيرة العربية ؛ زعمت العرب ان لا قِبَلَ لهم به، و لكن الله أضلّ كيدهم، و أفشل خطتهم، فلم يحققوا به الغاية المطلوبة ؛ و ذلك قوله تعالى:{أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ}.

 

* الكيد و التضليل

• ماذا كان كيدهم ؟ وما المراد بتضليل ذلك الكيد ؟

 

- المراد بالكيد هو سعيهم لتدمير الكعبة المشرفة . و قال بعضهم : تضليل كيدهم بمعنى فشلهم في هدم الكعبة المشرفة، و تصفية آثار الحنيفية الإبراهيمية، و توجيه العرب الى بيت جديد كان «أبرهة» قد بناه في اليمن .

 

* ... وغير الطير

•  كيف أضل الله كيدهم؟ أ بفعل طير الأبابيل فقط، أم بأمر آخر ؟

 

- يبدو أن الآية تشير الى حادثة أخرى لم يذكرها المفسرون، ولعل اصحاب الفيل ابتلوا بأمراض فتاكة كالجدري، أو وقعت بينهم الفتنة، أو ضلّوا السبل، أو ما أشبه، أو أصيب فيلهم بعاهة بسبب اختلاف المناخ؛ وقد أشارت الروايات التاريخية الى بعض هذه القضايا .

 

* أسراباً فأسرابا

• و لكن الآية المباركة: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} تشير الى الطير تحديداً؟

 

- لا ريب ان أخطر ما أصابهم وقضى على حملتهم، كانت الطير التي قدمت عليهم - حسب التاريخ - من ناحية البحر لم تعرفها المنطقة؛ فرمتهم بحجارة قاتلة؛ وذلك قوله تعالى : {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ}.

ولم تخطئهم الطير، بل اتجهت مباشرة اليهم، و كانت تتلاحق عليهم أسرابا فأسرابا، و هذا ما فسرت به كلمة «أبابيل»، قالوا : تعني مجتمعة، و قيل: متتابعة، و قيل: متفرقة، تأتي من كل ناحية ؛ و أصل الكلمة من قولهم : فلان يؤبل على فلان ؛ أي: يعظم عليه و يكثر، و اشتقاقها من الأبل .

 

* الحجارة القاتلة

• ذلكم الطير كان يرمي «أصحاب الفيل» بالحجارة كما جاء في قوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فكيف كانت صفة الرمي؟ وبأية صورة؟

 

- بعد ان انتشرت فوقهم الطير كسحابة سوداء، أخذت تمطرهم بحجارة (4) قاتلة، قالوا : كان كل طير يحمل ثلاثة أحجار : واحد في منقاره و اثنان بين رجليه، و كانت الحجارة إذا أصابت جانبا من أبدانهم ؛ فرقته و خرجت من الطرف الآخر، فاذا أصابت بيضة الرأس اخترقت الدماغ و خرجت من الدبر . وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم، نفط جلده، فكان ذلك أول الجدري .

 

* من نار جهنم

• وصفت الآية المباركة الحجارة بانها كانت من "سجيل"، فما هي ماهية هذه المادة؟

 

- قالوا : الحجارة من طين، طبخت بنار جهنم، وقال بعضهم: السجيل: أصله السجين، و أبدلت النون لاماً، ولا يبعد ذلك إذا كانت الكلمة معربة للتساهل فيما عربت من الكلمات، وقال بعضهم : بل السجيل من السجل حيث كتب عليهم ذلك ؛ و الأول أقرب .

ولعل الحجارة كانت مسمومة، أو كانت تحمل جراثيم أمراض فتاكة كالجدري، حسبما نقرأ في التفاسير ؛ كما جاء في حديث مأثورعن الامام الباقر، عليه السلام، عن قوم كانوا يقطعون السبيل، و يأتون المنكر:

...» مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في مخالبه، و حجر في منقاره ؛ فجعلت ترميهم بها حتى جدرت أجسادهم ؛ فقتلهم الله عز وجل بها، وما كانوا قبل ذلك رأوا شيئا من ذلك الطير ولا من الجدر». (5)

 

* كالقشور البالية

• إلامَ يشير قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} ؟

 

- قالوا: جعلهم الله كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، ذلك أن العصف عندهم : ورق الزرع ؛ كجلب القمح و الشعير . و قال بعضهم : العصف المأكول : الورق الذي أكل لبه و رمي قشره .

و يبدو أن مرض الجدري قضى على خلايا أجسادهم، حتى غدوا كالقشور البالية .

 

* بداية تاريخهم

• كيف كانت قريش تنظر إلى حادثة «أصحاب الفيل» ؟

 

- اهتمت قريش بقصة أصحاب الفيل، حيث أنها كانت تتخذ من هذه الواقعة ذريعة لسيطرتها على أهل الجزيرة، و لذلك جعلوها بداية لتاريخهم، و قد كانت ولادة النبي، صلى الله عليه وآله، في ذات السنة حسب أشهر الروايات، فأضفى عليها صبغة شرعية .

 

* قصة اصحاب الفيل

واليكم – أعزاءنا القراء – قصة «أصحاب الفيل» كما جاء في تفسير "مجمع البيان" :

أجمع الرواة على ان ملك اليمن - الذي قصد هدم الكعبة المشرفة - هو «أبرهة بن الصباح الأشرم»، و قيل: إن كنيته "ابو يكسوم"، ثم أن «أبرهة» بنى كعبة باليمن، و جعل فيها قباباً من ذهب، فأمر أهل مملكته بالحج اليها ليضاهي بذلك البيت الحرام، وأن رجلاً من «بنـي كنانة» خرج حتى قدم اليمن، فنظر اليها، ثم قعد فيها - يعني لحاجة الانسان - فدخلها «أبرهة» فوجد تلك العذرة فيها، فقال: من اجترأ علي بهذا و نصرانيتي ؟! لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا.

ودعا بالفيل، و أذن لقومه بالخروج ومن اتبعه من أهل اليمن، و كان أكثر من اتبعه منهم: "عك" و «الاشعرون» و «خثعم»، ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه، بعث رجلا من «بني سليم» ليدعو الناس الى حج الذي بناه، فتلقاه ايضاً رجل من «الحمس» من «بني كنانة»، فقتله، فازداد بذلك حنقاً، و حث السير و الإنطلاق، و طلب من أهل الطائف دليلاً، فبعثوا معه رجلاً من «هذيل» يقال له « نفيل» فخرج بهم يهديهم، حتى إذا كانوا بـ «المغمس»، نزلوه و هو من مكة على ستة أميال، فبعثوا مقدماتهم الى مكة، فخرجت قريش عباديد في رؤوس الجبال، و قالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء، و لم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم؛ أقام على سقايته، و غير شيبة بن عثمان بن عبد الدار؛ أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول :

لا همّ ان المرء يمنع رحله فأمنع حلالك

لا يغلبوا بصليبهم و محالهم عدوا محالك (6)

لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك

ثم أن مقدمات «أبرهة» أصابت نَعَما لقريش، فاصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، فلما بلغه ذلك، خرج حتى أتى القوم - و كان حاجب «أبرهة» رجلاً من «الاشعرين» و كانت له بعبد المطلب معرفة - فاستأذن له على الملك، و قال له: أيها الملك ! جاءك سيد قريش الذي يُطعم إنسها في الحي و وحشها في الجبل .

فقال له :  ائذن له - و كان عبد المطلب رجلا جسيماً جميلاً - فلما رآه «أبو يكسوم»، أعظمه ان يجلسه تحته، و كره ان يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره، فجلس على الارض، و أجلس عبد المطلب معه، ثم قال: ما حاجتك؟

قال :حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك .

 فقال "أبو يكسوم" : والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك.

 فقال: ولم أيها الملك ؟

قال : لأني جئت الى بيت عزكم و منعتكم من العرب و فضلكم في الناس، و شرفكم عليهم، و دينكم الذي تعبدون، فجئت لأكسره و أصيبت لك مائتا بعير، فسألتك عن حاجتك، فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلي في بيتكم !

فقال له عبد المطلب :

أيها الملك ! أنا أكلمك في مالي، و لهذا البيت رب هو يمنعه، لست أنا منه في شيء، فراع ذلك «أبا يكسوم»، و أمر برد إبل عبد المطلب عليه .

 ثم رجع، و أمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها، كأنها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم، فأحست نفوسهم بالعذاب، و خرج دليلهم حتى دخل الحرم و تركهم، و قام «الاشعرون» و «خثعم» فكسروا رماحهم و سيوفهم، و برئوا الى الله ان يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك بأخبث ليلة .

 ثم أدلجوا بسحر، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة، فوجهوه الى مكة، فربض، فضربوه، فتمرغ، فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا .

 ثم إنهم أقبلوا على الفيل، فقالوا : لك الله ان لا نوجهك الى مكة، فانبعث، فوجهوه الى اليمن راجعاً، فتوجه يهرول، فعطفوه حين رأوه منطلقاً، حتى إذا ردوه الى مكانه الأول، ربض.

 فلما رأوا ذلك، عادوا الى القسم، فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس، طلعت عليهم الطير معها الحجارة، جعلت ترميهم، و كل طائر في منقاره حجر، و في رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت و طلعت أخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه، ولا عظم إلا أوهاه و ثقبه .

 و ثاب «أبو يكسوم» راجعاً، وقد أصابته بعض الحجارة، فجعل كلما قدم أرضاً انقطع له فيها أرب، حتى إذا انتهى الى اليمن لم يبق شيء إلا باده .

فلما قدمها، تصدع صدره و انشق بطنه فهلك، و لم يُصَب من «الاشعرين» و «خثعم» أحد، و كان عبد المطلب يرتجز و يدعو على الحبشة، و يقول :

يا رب لا أرجو لهم سواكا  يا رب فامنع منهم حماكا ان عدو البيت من عاداكا   انهم لم يقهروا قواكا . (7)

---------------------

(1) تفسير "نور الثقلين"، ج5، ص668 .

(2) بحار الانوار، ج92، ص338 .

(3) ورد في بعض التفاسير بان جنود  "ابرهة" كان لهم ثلاثة عشر فيلاً، و قيل غير ذلك .

(4) التاء في الحجارة للجمع لا للتانيث، مفرده حجر، و جمعه : أحجار، و حجار، و حجارة، و أحجُر . و الحجران : الفضة و الذهب .

(5) تفسير "نور الثقلين"، ج5، ص672.

(6) الحِلال: القوم الحالّون في المكان . و المَحال : التدبير و القوة .

(7) تفسير "مجمع البيان"، ج10، ص540 .


ارسل لصديق