سورة العلق - القسم الأول
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2015/04/05
القراءات: 941

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾

* أين نزلت سورة العلق؟ ومتى؟ وكم عدد آياتها؟ وما هو ترتيبها النزولي؟ وترتيبها في القرآن الكريم ؟

 سورة العلق مكية، وهي أول سورة نزلت. عدد آياتها تسع عشرة، وترتيبها في القرآن الكريم السادسة والتسعون.    

* فضل السورة

* ما فضل هذه السورة المباركة؟

 ورد عن أبي عبد الله الصادق، عليه السلام، أنه قال:«من قرأ في يومه أو ليلته:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثم مات في يومه أو ليلته مات شهيدا، وبعثه الله شهيدا، وأحياه شهيدا، وكان كمن ضرب بسيفه في سبيل الله عز وجل مع رسول الله، صلى الله عليه وآله.(1)

الاطار العام

 * ما هو المحور الذي يشكل الإطار العام لهذه السورة المباركة ؟

 في نَفْس ابن آدم كِبْرٌ دفين، يستثيره شعوره بالغنى، ويَذْهَب به إحساسُه بالحاجة، وإذا لـم ينتبه الانسان الى هذا الداء العضال، فأن نِعَم الله عليه لا تزيده إلا طغيانا؛ والطغيان مطية الهلاك. و أما اذا تذكر الانسان، وعرف انه بذاته جاهل فقير مسكين مستكين، وأن الله هو الذي علَّم بالقلم، وانه حينما يقرأ؛ فإن الله هو الأكرم؛ أهل الحمد والكبرياء وليس هذا المتعلم الذي يطغى بعلمه، و عرف ان الثروة نعمة من الله لا بد من حمد الله عليها وشكره؛ لا الطغيان بها، ومواجهة الحق بها، وكذلك الجاه والعشيرة؛ لو عرف كل ذلك، اطمـأنت نفسه؛ بل استطاع ان يعالج - بإذن الله - كبر ذاته عبر نِعَم ربه؛ فكلما زادت النعم،ازداد شكراً لله، وتواضعاً لعباد الله، وأداءً لحقوق الله.

هكذا يبدو محور سورة العلق: معالجة طغيان الانسان عندما يحظى بنعمة العلم أو المال أو الجاه؛ معالجته بالمزيد من التعبد، وهكذا تختم السورة بالأمر بالسجود الذي هو معراج الانسان الى ربه.

* هكذا كانت الأوضاع

 ما هي الظروف التي كانت سائدة في الجزيرة العربية وما حولها من البلاد قبل نزول الوحي على رسول الله، صلى الله عليه وآله ؟

 لم تكن المرة الأولى للوحي ولكنها كانت الأخيرة  وكانت العظمى حيث جلجل الوحي في جبال مكة، وهبط الأمين جبرئيل،عليه السلام، وحمل معه نورا يتألق سناه عبر الزمن.

كان النبي محمد، صلى الله عليه وآله، يقلب وجهه في السماء ينتظر ساعة الانطلاق الكبير. كان يعلم انه رسول الله ولكن متى يتنزل عليه الوحي ليأمره بأن يصدع بالحق ؟ هذا الذي كان يبحث عنه بشوق كبير.

كانت الكعبة تستصرخه لينقذها من الصخور الصماء التي نُصبت مِن حولها وعُبدت من دون الله جهارا، وكانت تستنجد به لأنها حولت بيت الله، الذي وضعه للناس جميعا، الى عاصمة مستكبري قريش، يفرضون - باسمها - على الجزيرة سيادتهم الظالمة.

و كانت الانسانية المعذبة في أرجاء الجزيرة تنتظره بفارغ الصبر؛ فهنا البنات يُقتلن بغير ذنب، وهناك يقتلون الاولاد ايضا، والحقوق تنتهك، والزنى يتفشى، والفقر والمسكنة والتخلف اصبحت سمة المجتمع أنى يممت شطرك.

و اما الثقافة فقد أصبحت في خدمة الطغاة والمترفين، على أنها كانت ركاما من الأساطير والخرافات، ووسيلة لإثارة النعرات العشائرية، والعصبيات التافهة،  والمفاخر الكاذبة، وأداة لتكريس الأحقاد والضغائن؛ والعلاقات الاقتصادية أصبحت مجموعة أغلال وقيود على نشاط الانسان، على انها كانت قائمة على اساس الظلم والقهر والطبقية المقيتة.

ولم تكن الاوضاع خارج الجزيرة بأحسن أبدا؛ حيث جرف التحريف والنفاق اتباع موسى وعيسى، عليهما السلام، الى أبعد حدود الضلال.

و كانت الثقافة ربانية الى هذا الانسان الغارق في أوحال الجهل والتخلف، وبعث الله أعظم ملائكته؛ الروح القدس ليؤدب مصطفاه من خلقه، المختار محمداً، صلى الله عليه وآله، وبعث جبرئيل الأمين، عليه السلام، ليلقي في روعه الوحي.

واليك بعض ما جاء عن امير المؤمنين، عليه السلام، في نهج البلاغة، عن بعثة النبي، صلى الله عليه وآله : “ بعثه والناس ضُلاَّل في حيرة، وخابطون في فتنة. قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء. حيارى في زالزال من الأمر، وبلاء من الجهل. فبالغ - صلى الله عليه وآله - في النصيحة، و مضى على الطريقة، ودعا الى الحكمة والموعظة الحسنة” .(2)

* رواية تخالف القرآن

 في هذا السياق، ماذا عن الروايات التي تذكر بأن الرسول، صلى الله عليه وآله، قال لخديجة بعد أن نزل عليه الوحي: مالي يا خديجة! وأخبرها الخبر... ألم يكن ينتظر نزول الوحي عليه بشوق كبير؟

 لم يشك محمد، صلى الله عليه وآله، ان هذا وحي يوحى إليه؛ لأن الله لا يختار مِن رسله من يشك في وحيه. فلم يشك إبراهيم، عليه السلام، ان رؤياه حق؛ فبادر ليقتل ابنه. ولم يشك موسى، عليه السلام، ان الذي يكلمه عند الشجرة هو الله، فأخذ يناديه بكل جوارحه.  ولم تشك مريم، عليها السلام، ان الله قد رزقها غلاما زكيا، كما لم يشك عيسى ابن مريم، عليهما السلام، انه عبد الله ورسول الله الى بني إسرائيل؛ فهل من المعقول ان يشك خاتم النبيين في ذلك وهو أشرفهم وأعظمهم؟!

إن نور الشمس دليلها، ونـــور العلم دليله، واطمئنان اليقين هو ذاته شاهد صدق عليه، والوحي أشد وضوحاً من الشمس، وأبهى ضياءً من العلم، وأكبر سكينةً واطمئناناً من اليقين.

أَوَليس الوحي من الله والله شاهد عليه، فكيف يرتاب رسول الله، صلى الله عليه وآله، فيه؟! أَوَليس الله بقادر على ان يُري رسوله ما يجعله على يقين من أمره؟! أَوَ يبعث الى الناس من لا يزال يشك في الوحي ؟! حاشا لله !!

و اني لا يمكنني ان أصدق بتلك الروايات التي تنقل حول الرسول، صلى الله عليه وآله، وانه قال لخديجة بعد أن نزل عليه الوحي: ما لي يا خديجة ! وأخبرها الخبر، وقال: خشيت على نفسي، فقالت له: كلا؛ أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، انك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، و تقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر.

بلى؛ لا استطيع ان أفهم هذا النوع من النصوص التي تخالف ظاهر القرآن، وتكون ذريعة للمستشرقين للنيل من رسول الاسلام، صلى الله عليه وآله، وأعتقد ان الرسول، صلى الله عليه وآله، كان ينتظر الوحي بفارغ الصبر؛ فلما نزل عليه جبرئيل، عليه السلام، عرفه الله بصدقه، فلما نودي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وكانت تلك بداية الرسالة.

* فاتحة التنزيل

 اذا كانت هذه السورة أول الوحي وأول ما نزل على رسول الله، صلى الله عليه وآله، فكيف أصبحت سورة الحمد فاتحة القرآن الكريم؟

 بالرغم من ان فاتحة الكتاب هي سورة الحمد؛ إلا أنها كانت فاتحة الكتاب حسب ما قدر الله له ان يكون في صورته النهائية، بينما كانت الآيات الخمس الأوائل في سورة العلق فاتحة التنزيل. ومن المعروف ان هناك فرقا بين ما أنزل في ليلة القدر حين أنزل الكتاب كله وبين ما نزل منجما خلال ثلاثة وعشرين عاما من دعوة الرسول، صلى الله عليه وآله.

من هنا؛ جاء في الحديث  عن الامام الصادق،عليه السلام: “ أول ما نزل على رسول الله» بسم الله الرحمن الرحيم، (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وآخره إذا جاء نصر الله والفتح».(3)

* عهد الوحي بالقراءة

 ما هي دلالات الكلمة الأولى من الوحي (اقْرَأْ)؟

 لعل الوحي كان يفتتح على البشرية عهد القراءة باعتبارها ظاهرة ملازمة للانسان بعد عهد النبي، صلى الله عليه وآله. وفعلا؛ وبالرغم من وجود ظاهرة الكتابة منذ مئات السنين قبل الاسلام الا انها انتشرت بالاسلام بصورة مطردة حتى اصبحت اليوم سمة الانسان الظاهرة.

و القراءة أشد وضوحا من الاستماع؛ لأنها تفرض التفاعل بين الانسان والنص الذي يُتلى عليه أكثر من مجرد الاستماع إليه، وربما سمي لذلك كتاب ربنا بـ «القرآن “.

 *الهدف من القراءة

 يبدو من الآية الكريمة(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أن القراءة ليست مطلوبة بصفة عامة؛ إنما التي تكون باسم الله؛ لماذا؟

 هذا صحيح؛ فالقراءة ليست مطلوبة بصفة عامة انما تلك التي تكون باسم الله؛ لأن اسم الله يحدد الهدف من القراءة. لا تكون القراءة من أجل التعالي على الناس،  وخدمة الطغاة، وتضليل السذج من الناس؛ بل تكون من أجل تزكية النفس، وخدمة الناس وهدايتهم.

و حين يكون العلم - ووسيلته القراءة -، باسم الله، ترى الملوك صافّين على أبواب العلماء، والناس ملتفون حولهم، وهم يقودونهم في معاركهم ضد المترفين والمستكبرين.

 *نقلتان عظيمتان

  لماذا تذكرنا الآية التالية بأصل خلقة الإنسان فتقول:(خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)؟ وما هي العلاقة بين الخلق بالعلق والتعليم بالقلم؟

 لقد خلق الله الانسان من علقة؛ من دم جامد يعلق، ومِن قَبْلُ خَلَقَه من ماء مهين، ثم أكرمه حتى فضله على كثير مما خلق تفضيلا. أية نقلة عظيمة كانت بين حالته كعلقة ودم، وبينه كإنسان يمشي سويا على قدميه؟

 ان من يعرف قليلا عن خلقة الانسان وما أودع الله في جسده وروحه من آيات عظمته لابد ان ينبهر بتلك النقلة العظيمة؛ أليس كذلك ؟ ولكن نقلة عظيمة أخرى تنتظره الآن، هذه المرة لابد ان تتم هذه النقلة بعزيمة من عنده ورحمة من ربه؛ هي النقلة الحضارية بين انسان أمي وآخر يقــرأ باسم ربه؛ ولعله لذلك جاءت الآية تذكرنا بأصل خلقة الانسان.

ومَن شك في قدرته على ان يسمو الى درجات عالية؛ فلينظر الى نعمة الله كيف خَلَقَه مِن علقة؛ انه قادر على ان يبعثه خلقا آخر بالعلم والهدى.

 *نعمة الكتابة

 أيضا؛ ما العلاقة بين القراءة وكرم الرب، كما جاء الربط بينهما في قوله تعالى: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ)؟

 تعال نفكر في أبعاد القراءة: كيف عَلَّم الله الانسان الكتابة؛ فأخذ ينقل تجاربه من جيل لآخر، ومن أمة لأخرى، وتراكمت التجارب حتى أضحت اليوم سيلا متدفقا لا تكاد قنواتها العلمية - على سعتها - تقدر على استيعابها.

أرأيت لو لم يعلم الانسان الكتابة؛ هل كـان إلا مثلَ فصيل من القردة او من الانعام؟! سبحان الله ! انك ترانا لازلنـا نكفر بنعمة الله، بل كلما زادت نِعَم الله على البشر ازدادوا كفرا بها طغيانا؛ فمن أجل ألا يصبح العلم سببا للطغيان، واداة للظلم والفساد، يذكرنا الرب بأنه أنى تقدم البشر في آفاق العلم؛ فعليه ان يشكر ربه، ويعترف بأن الله هو الأكرم؛ لأنّه علم بالقلم، ولم يكن الانسان شيئا لو لم يعلمه ربه؛ إذاً (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ) كما نقول: كل واحمد الله، او اصبر وربك الكريم، او اعط والله يخلف على المنفقين، كذلك  في ما يبدو لي - ذكرتنا الآية بأن الله هو الأكرم، فكُلُّ صفة حميدة هي منه؛ فهو الجواد الذي أعطى الانسان موهبة القلم، وهو الأعلى الذي لا يتسامى أحد في مدارج العلم والكمال إلا به.

البقية في العدد القادم

هوامش:

(1) تفسير نور الثقلين، ج1، ص608

(2) نهج البلاغة، ص 110، الخطبة رقم 95

(3) تفسير نور الثقلين، ج5، ص609


ارسل لصديق