حوار حول سورة الشرح
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2015/07/21
القراءات: 614

(بسم الله الرحمن الرحيم)

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)

تمهيد: سورة الشرح - و تسمى أيضا الانشراح - مكيّة، نزلت بعد سورة الضحى. عدد آياتها (8)، و ترتيبها النزولي (11)، و ترتيبها في القرآن الكريم (94).

و قد وردت في فضلها روايات كثيرة؛ منها قول الرسول، صلى الله عليه و آله:

«من قرأها، أُعطِيَ من الأجر كمن لقي محمداً، صلى الله عليه و آله،  مُغتَمّاً، ففرج عنه « (1).

و منها قول الإمام الصادق؛ عليه السلام: "من قرأ في يومه أو ليلته ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، مات شهيداً، و كان كمن ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسوله، صلى الله عليه و آله" (2).

 

 الإطار العام

* ما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة؟

- جاء في النصوص المأثورة عن أهل البيت، عليهم السلام،ان هذه السورة وما سبقتها كسورة واحدة؛ يجوز الجمع بينهما في صلاة فريضة بخلاف غيرها. فقد روي عن الإمام الصادق، عليه السلام، انه قال:

« لا يجمع سورتين في ركعة واحدة إلا «الضحى» و «ألم نشرح»، و «ألم تر كيف « و»لإيلاف»(3) وذلك لتعلق إحداهما بالأخرى، والسؤال: كيف؟ ان الله سبحانه عَدَّدَ طائفة من مننه على الرسول، صلى الله عليه و آله، في السورة الأولى، و بَيَّنَ طائفة أخرى في الثانية؛ و لعل السورة الأولى تتصل بالنعم الشخصية؛ بينما الثانية تبين النعم المتصلة به كصاحب رسالة.

و يؤيد الوصل بينهما ما روي عنه، صلى الله عليه وآله، من سبب نزول السورة حيث قال:

«سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها؛ قلت: يا رب! اتخذت إبراهيم خليلا، و كلمت موسى تكليما، و سخرت مع داوود الجبال يسبحن، و أعطيت فلانا كذا..، فقال عز وجل: ألم أجدك يتيماً فآويتك؟! ألم أجدك ضالاً فهديتك؟! ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟! ألم أشرح لك صدرك؟! ألم أوتِك ما لم أوتِ أحداً قبلك؛ خواتيم سورة البقرة؟! ألم أتخِذُك خليلا كما اتخذتُ إبراهيم خليلا؟! قلت: بلى يا رب».(4)

 

 شرح صدر الرسول

* بم شرح الله صدر الرسول، صلى الله عليه و آله، كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك؟ و كيف جاء الخطاب الإلهي في هذه السورة المباركة بهذا العطف و الحنان؟

- هكذا جاء الخطاب الإلهي لرسوله، صلى الله عليه و آله، يفيض حنانا و عطفا، و يُذَكِر المسلمين بفضيلة رسولهم، و يُلقي حبه و احترامه في روعهم، و يقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك.

لقد بَلَغَ محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، أسمى درجة من الكمال مما لم يبلغ أحد قبله، و لا يمكن لأحد ان يبلغه غيره؛ كل ذلك بفضل الله و مَنِّه و توفيقه، و علينا أن نميز - تماماً- بين إكرام مخلوق لكرامته عند الله، ووَصفِهِ بالكمال الذي حباه ربه و إعظامه؛ لأن الله أمر بذلك و في حدود أمر الله، و بين ان نفعل مثل ذلك بعيدا عن الله.. ألا ترى أننا حين نشهد للنبي، صلى الله عليه و آله، بالرسالة في الصلاة، نقول: و أشهد أن محمدا عبده و رسوله؛ فلماذا نؤكد على أنه عبد الله؟ أحد أسباب ذلك لكي لا يدفعنا حبنا للرسول، صلى الله عليه و آله، الى الغلو فيه، كما فعل النصارى في عيسى ابن مريم، عليهما السلام.

والآيات في سورة الضحى و في هذه السورة ترفع شأن الرسول، صلى الله عليه و آله، الى أسمى المراتب، و لكن بصيغة تنفي - في ذات الوقت - بدعة الغلو التي ابتليت بها الأمم في ما يتصل بالصالحين منهم، و إنك لترى - مع كل هذا الوضوح في التعبير - ان عامة المسلمين لا تخلو نظراتهم حول النبي، صلى الله عليه و آله، و سائر اولياء الله من شوائب الغلو؛ جهلا بأن مقاماتهم السامية ليست بذواتهم؛ بل بما حباهم الله سبحانه؛ وإلا فهم بشر كسائر البشر لولا رحمة الله.

و قد شرح الله صدر النبي، صلى الله عليه و آله، بالايمان، و شرحه باليقين، و شرحه بالرسالة، حتى جعله يتحمل ما تشفق الجبال من حمله، حتى واجه ذلك المجتمع الجاهلي الفظ الجافي الحاد العنيف بتلك الاخلاق الحميدة التي نعتها الله جل ثناؤه بالقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. (سورة القلم: الآية4)، لقد وسع قلبه لِما مضى من الزمان ولِما قد يأتي، و هيمن بقلبه الكبير عليهما جميعا، و لا يزال الزمن يتقدم و يتطور و رسول الله، صلى الله عليه و آله، يقوده حتى قيام الساعة.

و لقد شرح الله صدر الرسول، صلى الله عليه و آله، بأولئك الصفوة من أصحابه الذين حملوا رسالته، و تابعوا مسيرته؛ وفي طليعتهم ابن عمه الامام علي، عليه السلام، الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى؛ حسب الحديث المتفق عليه.

 أَوَلم يؤيد الله كليمه موسى،عليه السلام، بأخيه هارون، و كان استجابة لدعائه حيث قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، (سورة طه، الآية25)، الى قوله: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي}. (سورة طه، الآيتان 29-30)

 

 ... و وِزر المؤمنين

* في قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ؛ ماذا أراد بالوزر؟ و كيف وضعه عن الرسول، صلى الله عليه و آله؟

- حينما يشرح الله القلب بالايمان فإنه يتسع للمشاكل و الصعاب، و يقدر على مواجهة أعتى التحديات، أَوَ تدري كيف؟ لان القلب، يومئذ، يضحى طاهراً من وساوس الشيطان؛ نقياً من رواسب الشرك؛ بعيداً عن أغلال التبرير و الخداع الذاتي؛ سليماً من البغضاء والضغائن و الحسد و الظنون و التمنيات؛ وآنئذ، يكون صاحبه خفيف المؤونة، نشيط التحرك، كما لو نشط من عقال؛ ولعل القرآن يشير الى ذلك بقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ.

لأن الوزر هو الحمل الثقيل، و وضع الحمل رفعه؛ فأي حمل أشد ثقلا من حب الدنيا، و الخوف من أهلها، و التثاقل الى الأرض؟ و نجد تأييد ذلك في الحديث المأثور عن النبي، صلى الله عليه وآله، حيث سئل فقيل له: يا رسول الله ِ! أينشرح الصدر؟ قال: «نعم» قالوا: يا رسول الله! و هل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم. التجافي عن دار الغرور، و الإنابة الى دار الخلود، و الإعداد للموت قبل نزول الموت»(5)

فاذا كان شرح الصدر - حسب هذا الحديث - يتم بالتجافي عن الدنيا؛ فان وضع الوزر يكون أحد مظاهره؛ كما نجد تصديق ذلك في قوله سبحانه في صفة الرسول: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (سورة الاعراف، الآية157)، والإصر هو الحمل الثقيل، و قد فسرت بالشرك و الخرافات، كما ان أحد معاني الأغلال القيود النفسية التي تمنع التحرك.

وقد تم كل ذلك بالوحي المتمثل في الكتاب، وأي مؤمن لَيستفيد منه نصيبا عندما يتلوه حق تلاوته؛ فينشرح به صدره، و يتخفف عن وزره و أثقاله.

 

 الإسلام للعالمين

* في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ؛ كيف كانت صورة انقضاض ظهر الرسول، صلى الله عليه و آله، بالرسالة؟

- أي وزر عظيم هو ضيق النفس و حرج القلب؟! انه ينقض ظهر صاحبه، و بالذات إذا حمل رسالة الله الى العالمين، انه وقر(6) كبير لا يقدر عليه إلا من شرح الله صدره بالايمان و اليقين و التوكل عليه، و تفويض الأمر اليه؛ هكذا قال شعيب، عليه السلام، حينما تحدى فساد قومه و قال: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. (سورة هود، الآية98)

و عن قوله تعالى: {الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} قالوا: أي أثقله، حتى سمع نقيضه، وهو صريره الذي يكون من شدة الحمل.

 

 الذكر المرفوع

* في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ؛ إلى أي مدى تم رفع ذكر الرسول، صلى الله عليه و آله؟

- عندما يُخلص العبدُ لربه حياتَه، و يصفو من أدران الدنيا و مصالحها و شهواتها، و يتخلص من قيود المادة و أغلالها؛ فانه يصبح قرين الرسالة؛ يسمع بها، و يعلو ذكره بسبب تصديه لنشرها و ذوبانه في بوتقتها؛ كذلك سيد المرسلين، صلى الله عليه و آله، استخلصه الله لنفسه؛ فأصبح ذكره قرين ذكر الله، و طاعته امتدادا لطاعة الله، و كلامه و سنته و سيرته و آدابه جزءاً من أحكام الله؛ فقال ربنا سبحانه: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، (سورة الحشر، الآية7) هكذا رفع ذكره. ألا ترى كيف يهتف المؤذنون باسمه مع كل شارقة و غاربة، و عبر ملايين الحناجر المؤمنة؛ و لذا قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.

 و ذِكر الرسول مرفوع في الدنيا بتأييد الله لدينه الذي يظهره على الدين كله؛ و بقبول شفاعته في الآخرة التي يُرضيه بها.

و اليوم، و بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن الكريم، نجد اسم الرسول محمد، صلى الله عليه وآله، هو أشهر اسم في العالم، و شخصيته الكريمة أحب الى قلوب الملايين من أية شخصية أخرى، وإذا ذكروا أعظم شخصية عبر التاريخ، فسوف يكون هو الأول لا ريب؛ حتى عند غير المسلمين.

 

 حتى لا نتراجع

* لماذا أكد على وجود اليسر مع العسر في قوله تعالى: ﴿فإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً في حين أن اليسر يأتي - عادة - بعد العسر؛ لا معه، و ربما لا يأتي أبدا؟

- مِن يتيمٍ عائلٍ يحيط به الأعداء، أضحى رسول الله، صلى الله عليه و آله، سيدَ قومه، ثم باني أمة، ثم شيد البشرية جميعا؛ مَن فعل ذلك به؟ أوَليس الله؟ فلماذا نيأس من روحه، و نتراجع ببعض الأذى الذي يصيبنا في سبيله؟

إن الآية الكريمة تؤكد و تقول: {فإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}؛ انه يلازمه أنى سار؛ لان العسر يحمل في ذاته بذور اليسر، و لان العسر حالة عابرة في حياة الانسان. أوَليس قد خلق الله الخلائق ليرحمهم، و انما يبتليهم بالعسر و الشدة؟ أوَليس قد سبقت رحمةُ ربنا غَضَبَه؟ إذن؛ فالعسر لا يدوم، و الدليل على ذلك سيرة الرسول، صلى الله عليه و آله،التي أخلدها القرآن للعبرة بها؛ لانها مَثَل أعلى لحياتنا نحن المسلمين، نتبع هداها فيرزقنا الله روحها و عقباها. و بتعبير آخر: الذي يتبع سيرة الرسول، صلى الله عليه و آله، بقَدَر او آخر، فان الخطوط العريضة لحياته سوف تتشابه مع تلك السيرة في عسرها و يسرها، و في صعابها، وفي عواقبها الحسنى.

و لقد قال ربنا سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (سورة الأحزاب، الآية21) فمن تأسى برسول الله، صلى الله عليه و آله، في حياته، حصل على جزء من مغانم سيرته العطرة و مكتسباتها.

 

 للعسر يسران

* هل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً تكرار للتأكيد، أم أنه يحمل دلالة أخرى؟

- وراء العسر الواحد يسران: يسر في الدنيا و آخر في الآخرة؛ يسر نابع من رحمة الله التي وسعت كل شيء، و يسر منبعث من الصبر و الاستقامة، و بالتالي من رحمة الله الخاصة بالمؤمنين، لذلك كررت الآية: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً}. قالوا: ان من عادة العرب إذا ذكروا اسما مُعَرَّفاً ثم كرروه فهو هو، و اذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، و هما اثنان ليكون أقوى للأمل و أبعث للصبر.

و لذلك جاء في الحديث المروي عن الرسول، صلى الله عليه وآله، انه خرج مسرورا فرحا، و هو يضحك، و يقول: «لن يغلب عسر يسرين»! (7)

و لكن؛ كيف جعل الله مع عسر واحد يسرين إثنين؟ انما بتوكل المؤمن على ربه، و اجتهاده في العمل، حتى إذا فرغ من مسؤولية لمسؤولية أخرى فمن دون توان أو انقطاع.

 

 طوبى للصالحين

* في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ؛ أين مفعولا الفعلين؟ و ماذا أراد بالفراغ و النصب؟

- قالوا: فاذا فرغت من الصلاة، فانصب للدعاء قبل ان تقوم من مقامك؛ أو إذا فرغت من أمور الدنيا،فانصب للعبادة؛ أو إذا فرغت في نهارك عن أمور الخلق، فانصب بالليل في طاعة الحق.

و يبدو ان كل هذه المعاني صحيحة لان الكلمة تسعها، و معناها - في ما يظهر - الفراغ من عمل و الاجتهاد في عمل جديد، و العمل الأول يكون أسهل من الثاني لانه قد بذل جهده فيه؛ و لذلك جاء التعبير بـ «فانصب. ذلك ان القلب المتقد شوقا الى رضوان الله، و وَلَهًا الى الزلفى منه لا يني يحمل الجسد على الأعمال الصالحة؛ لا يفرغ من واحد حتى تراه يشتغل بالثاني و يجتهد فيه و ينصب لتحقيقه؛ ان نفسه منه في نصب لان أهدافه كبيرة، و تحسسه بالزمن و سرعة انصرامه عنه، و بالموت و تسارع خطاه اليه، و بالأجل الذي لا يستأخر و لا يستقدم ساعة حلوله، وبالقبر الـــذي ينتظره لنومــة طويلة، و بالحساب الذي ينتظره بكل هيبته و دقته؛ اقول: ان عمق تحسسه بكل ذلك يقض مضجعه، و يسلب راحته، و يُلهيه عن اللهو، و يُشغله عن اللعب، و يُصَوّمُه عن لذات الدنيا إلا بقدر حاجته، و يُزهّده في درجاتها الزائلة.

هكذا كان أولياء الله الصالحون و لا يزالون؛ فطوبى لهم ثم طوبى لهم، و هكذا تجدهم عند نزول الموت بهم يتحسرون لا لفراق الأحبة، و انعدام لذات الدنيا، كلا؛ و انما لانهم بالموت يفقدون لذة قيامهم بالليل و مناجاتهم مع رب العباد، كما يفقدون لذة العطش في صيام الهواجر.

و قد كان رسول الله، صلى الله عليه و آله، المَثَل الأعلى لهذه الصفات، فقد قام الليل حتى تورمت قدماه، و عانى من الجوع حتى شد على بطنه حجر المجاعة، و طلبته الدنيا فكشح عنها، و لم يزل خلال أيام رسالته المحدودة يهدم بُنى الجاهلية في كل يوم ليقيم مكانها صرح الاسلام؛ فما فرغ من مهمة إلا لينصب للثانية، حتى إذا أكمل الله به الدين نصب نفسه لمهمة الخلافة من بعده، فاستوزر علياً، عليه السلام، إماماً من بعده، وكانت تلك أصعب مراحل حياته، حيث واجه مخالفة واسعة من بعض أصحابه و لكنه نهض به بكل عزم و استقامة.

من هنا جاء في تفسير الآية عن الامام الصادق، عليه السلام: "فاذا فرغت من نبوتك فانصب عليا، و الى ربك فارغب في ذلك". (8)

 

 الرغبة إلى الله

* في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ؛ ما هي ملامح الرغبة إلى الله ليرغب المؤمن فيها؟

- ما الذي يجعل المؤمنين في حركة ذاتية و نشاط لا ينقطع؟ انه حب الله و الرغبة اليه، و مَن وَلِهَ بأحد استسهل الصعاب من أجله، وأي حب أكبر في صدور المؤمنين من حبهم لله؛ و قد قال الله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}. (سورة البقرة، الآية165) لذلك جاء النداء للرسول، صلى الله عليه و آله، و من خلاله للأمة: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}. لقد كان قلبه عند ربه، تنام عيناه و لا ينام قلبه، و كان إذا جن عليه الليل تفرغ للابتهال و الاجتهاد.

تبيين السورة

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ يا محمد، صلى الله عليه و آله، ﴿صَدْرَكَ بالإيمان، و باليقين، و بالرسالة؛ و الاستفهام للتقرير؛ أي: شرحنا لك صدرك ﴿وَوَضَعْنَا؛ أي: رفعنا ﴿عَنكَ وِزْرَكَ؛ أي: حملك الثقيل { الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}؛ أي: أثقله حتى سمع نقيضه؛ و هو صريره الذي يكون من شدة الحمل ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ في الدنيا بتأييدنا لديننا الذي نُظهره على الدين كله، و في الآخرة بقبول شفاعتك التي نُرضيك بها ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ في الدنيا ﴿يُسْراً في الآخرة ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً كرر للتأكيد على أن وراء العسر الواحد يسرين: يسر في الدنيا، و يسر في الآخرة ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ من الصلاة ﴿فَانصَبْ للدعاء؛ أو إذا فرغت من أمور الدنيا، فانصب للعبادة؛ و في التأويل: إذا فرغت من نبوتك، فانصب عليا، عليه السلام، وصيا ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ في المسألة منه ما عنده من خير الدارين؛ يعطيك.

------------

1- التفسير الهادي، ص556.

2- التفسير الهادي، ص 556.

3- تفسير نور الثقلين، ج5، ص593.

4- تفسير القرطبي، ج20، ص 102.

5- تفسير نور الثقلين، ج5، ص 603.

6- الوقر: الثقل. والوقار: السكينة. والتوقير: التعظيم.

7- تفسير نور الثقلين، ج5، ص 604.

8- تفسير نور الثقلين، ج5، ص 705.


ارسل لصديق