المرجع المدرسي مخاطباً طلبة العلوم الدينية:
لا ينهزم الإنسان في الحياة إلا بعد هزيمة داخلية نكراء
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2012/09/23
القراءات: 1020

ماذا نصنع لنكون في مسير عبادة الله عزوجل ونصل الى ذلك التكامل والتسامي الذي يعد الهدف الاساس من الخلقة؟ وكيف يمكننا ان نقاوم انفسنا وشهواتها، وابليس و وساوسه لنصل الى ذلك المعين الصافي المودع في ارواحنا، لننهل منه شراباً طهورا؟
هذا التساؤل جاء في حديث سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي – دام ظله- في لقائه بثلّة من طلبة العلوم الدينية. وفي معرض اجابته قال سماحته: ان طريق الوصول الى هذه المرحلة يحتاج الى قطع مراحل معينة هي التالية:
أولاً: الأمل: 
لكيلا تفشل في الحياة فلابد ان تطرد الفشل من داخلك اولاً، عبر محاربة اليأس والقنوط واسبابهما، فلا ينهزم الانسان في الحياة الا بعد هزيمة داخلية نكراء. وهذا هو عمل ابليس، حيث يعمل ليل نهار ليدخل الشك والشبهة واليأس والقنوط في قلب الانسان، ليمنعه من الكد والعمل والسعي، فيمنع الشاب عن طاعة الله بحجة انه شاب له من الطاقات ما له، فلا يحسن صرفها في العبادة، ويوسوس للكهل بانه قد قضى عمره في معصية الله، فكيف له العودة الى الله والانابة اليه والقيام بالاعمال الصالحة؟ وفي الواقع فإن ثقافة اليأس والقنوط الذي يوسوس بها ابليس للانسان، ربما تكون خفيّة جداً لا يشعر بها ، ولكنها ذات تأثير كبير على روحه التي تتحول الى روح مهزومة، الامر الذي يظهر عند اتخاذ القرارات المصيرية والمواقف الحاسمة. 
ثانياً: اتخاذ القرار
و تتمثل في اتخاذ القرار وشحذ العزيمة والارادة الصلبة. وهنا لابد ان تكون الارادة لفعل أمر، أو ترك أمر آخر معد مسبقاً، أي في وقت الرخاء قبل مجيء البلاء. فالمؤمن يستغل المناسبات الدينية مثلاً، مثل ليالي شهر رمضان المبارك والليالي المباركة الاخرى، لتقوية ارادة التقوى لديه، فيحدث نفسه دائماً بترك الذنوب عندما تسنح الفرصة لاقترافها، و ينوي فعل الخير متى ما تمكن من الاتيان به، وهذا من الامور المستحبة في الشرع، فقد جاء التأكيد على خوض الجهاد او حديث النفس بالجهاد في سبيل الله، وحديث النفس لا يكون الا في الاوقات العادية. ومن لم يفعل هذا الامر، فسيكون من المحتمل ان تزل قدماه عند اتخاذ القرار الحاسم. 
ولتتضح الفكرة لابد من بيان مصداق لمن بيّت نية الخير، لتسنح الفرصة فينتهزها للفوز برضوان الرب تعالى. فقد كان لأبي ذر الغفاري رضوان الله عليه عبد اسمر يسمى (جون)، لا حسب له ولا نسب، ولكن روح ابي ذر أثّرت فيه تأثيراً بالغاً، حتى صنعت منه رجلاً صالحاً، وكيف لا يفعل ابوذر ذلك وهو من نشر الاسلام والتشيع في جنوب لبنان حيث يفتخر المؤمن هناك بان اسلافه تشرفوا باعتناق التشيع على يد ابي ذر. وبعد ان توفي ابو ذر رضوان الله عليه في الربذة، انتقل جون ليخدم الامام الحسن المجتبى عليه السلام مدة عشر سنوات، وكفى بهذا الفعل دليلا على صلاح نية الرجل، وبعد استشهاد الامام انتقل لخدمة الامام الحسين عليه السلام، وفي كل تلك المدة، كان الرجل يخطط مع نفسه ليكون نجماً لامعاً في سماء الاسلام والدفاع عن الحق وعن اهل البيت عليهم السلام. 
وفي يوم عاشوراء، تقدم الرجل وكان قد بلغ من العمر مبلغاً عظيماً، يطلب الاذن من الامام الحسين عليه السلام للمبارزة – ولم تكن العادة ان يقاتل العبيد في الحروب – ولكن الامام عليه السلام لم يأذن له رأفةً به قائلاً: (أنت في إذن مني.. إنما تبعتنا طلباً للعافية فلا تبتل بطريقنا.. فقال: يا ابن رسول الله، أنا في الرخاء ألحس قصاعكم و في الشدة أخذلكم.. و الله إن ريحي لنتن، و إن حسبي‏ للئيم،‏ و لوني لأسود، فتنفس عليّ بالجنة، فتطيب ريحي و يشرف حسبي و يبيض وجهي، لا و الله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم‏). ثم قاتل الرجل حتى استُشهد، فوقف عليه الحسين عليه السلام، وقال: )اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهَهُ وَ طَيِّبْ رِيحَهُ وَ احْشُرْهُ مَعَ الأَبْرَارِ وَ عَرِّفْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ). وَ رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَعْرَكَةَ وَ يَدْفِنُونَ الْقَتْلَى فَوَجَدُوا جَوْناً بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ تفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وهذا يثبت أنه لا يمكن للانسان الحصول على هذا المقام العالي والمرتبة السامقة من دون ارادة وعزيمة، فلم تكن همة هذا الرجل الحصول على سلطة ومنصب او المال او اي شيء آخر، بل اراد مجاورة اهل البيت عليهم السلام في الجنة.
فالى اين يريد الانسان ان يصل؟..يقول تعالى: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعي‏ إِلى‏ رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلي‏ في‏ عِبادي *وَ ادْخُلي‏ جَنَّتي‏) ، ها هنا مبلغ آمال المؤمنين، بان يصلوا الى هذه المرحلة من الكمال، فيدخلهم الله في عباده، وهم عباده المكرمون في الدنيا قبل الآخرة، وهذه النعمة أهم من الجنة نفسها، الا ترى ان ذكر الجنة قد تأخر عن ذكر الدخول في عباد الله عزوجل ؟
أرأيت لو انك خُيِّرت بين المبيت في فندق فخم ذي خمسة نجوم لليلة واحدة، وبين الجلوس الى عالم رباني في كوخ للاستماع الى علمه و نصحه ورشده، فانك ستختار الثاني بلا تردد؟ كذلك المؤمن يختار الجلوس والاختلاط والرفقة مع الانبياء والاوصياء والائمة في الجنة على الجنة كلها، مع حصولهم على النعيم في الجنان. واذا وصل الانسان الى هذه المرحلة سيكون مكرّماً عند الله عزوجل، بحيث ورد في بعض الروايات أن ذلك يصل الى درجة أن يأمر الرب ملك الموت باستئذانه في قبض روحه، فيأتيه ملك الموت بصور مختلفة لتهيئته نفسياً لقبض روحه.
ثالثاً: 
لا يسير الانسان في طريق إلا وهو بحاجة الى من يدلّه الى الجادة، وطريق الوصول الى العبودية والسلوك الى الله عزوجل أخطر من الطرق المادية في الدنيا، فهو بحاجة الى مرشد ودليل يدل الانسان على الصراط المستقيم. وهذا الامر يتجسد في اتخاذ القدوات الصالحة في طريق العبودية، وينبغي ان تكون القدوة ممن يصلح الاقتداء بها، من الانبياء والاوصياء والائمة، او اصحاب الأئمة الاطهار عليهم السلام واهل بيتهم، لا ان يتخذ الانسان شخصيات مشبوهة قدوات لنفسه للوصول الى الله عزوجل، فتلك الرموز لا تزيد الانسان الا بعداً من الله عزوجل. واتخاذ القدوة الصالحة بحاجة الى عدة خطوات ليكون الاقتداء بها امراً ممكناً لمن يريد طريق الحق والهدى، و نوجزها ايجازا سريعا ومختصرا:
أ‌: اختيار القدوة: كأن يختار الشاب علياً الاكبر عليه السلام قدوة له، او أبا الفضل العباس عليه السلام مرشداً له في طريق الوصول الى الله.
ب‌: التحقيق والدراسة في سيرتهم واقوالهم وافعالهم واخلاقهم واهدافهم، للاقتداء بهم في هذا الجانب، أليسوا هم اسوته في هذا الطريق؟
ج: الارتباط بهم عبر زياراتهم من قريب او بعيد...

هيأة التحرير
 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99


ارسل لصديق