ما هو السبيل لبِناء مجتمع القوة والاستقلال والثروة والتقدم؟
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 124

هناك ثلاث نظريات فيما يخصّ العلاقة بين الفرد والمجتمع؛ النظرية الأولى تقول: إن الفرد هو كل شيء في المجتمع، وهو العامل الحاسم في تحريك التاريخ، ولذلك ينبغي الاهتمام بالمجتمع من حيث هو أفراد، وسن المناهج والأنظمة التي تربّي أفراداً متفوقين ونوابغ، يبنون الحضارة البشرية، ويهبون التقدم للإنسانية، وتنطلق هذه النظرية من واقع وجود بعض العظماء الذين استطاعوا أن يغيروا مسيرة التاريخ، ويرسموا خريطة جديدة لحياة مجتمعاتهم.

النظرية الثانية، وتقول: إن الفرد لا قيمة له إطلاقا، فهو أشبه ما يكون بـ «برغي» صغير في ماكنة المجتمع، وهذه النظرية تتمسك بالحتميات الاجتماعية، وترى بأن حركة المجتمعات وتطوراتها نابعة من أنظمة عامة يخضع الأفراد لسلطانها، فلا يملكون أن يواجهوها أو يغيّروا منها شيئا، حتى وإن رأوا أنها تقودهم في الاتجاه الخاطىء.

أمّا النظرية الثالثة؛ والتي يؤيدها الإسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها، فهي تقف في الوسط بين النظريتين، فتعطي للفرد أهميته اللائقة، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن، فالمجتمع يؤثر في الفرد، والفرد بدوره يؤثر في المجتمع؛ إنها لا تسلب الفرد إرادته، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والأنظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المناسب في مسيرته الحضارية التكاملية، وعلى هذا فهي لا تنفي النظريتين السالفتين، وإنما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير الإنسانية وسعادتها.

كذلك فهي ترى أن الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية أبدا، ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعاً حيوياً يتفجر ثورة واندفاعا، وكان باستطاعته أن يبقى زمنا طويلا متحكما في القارة الأوروبية، ولكن هذا المجتمع الفتي ابتُلي بطاغوت أهوج مثل هيتلر، وبحزب متطرف مثل الحزب النازي، فانقاد إلى الهاوية والسقوط، وتم - بعد الحرب العالمية الثانية - تقسيمه إلى شطرين؛ أحدهما تحت مظلة المعسكر الشرقي والآخر تحت مظلة المعسكر الغربي، واستمر هذا الوضع عدة عقود من الزمن حتى انهيار الاتحاد السوفياتي.

وهكذا فالمجتمعات قد تموت في أيام شبابها، وقد يشيخ المجتمع ويهرم ويشرف على الموت، ولكن لا يلبث أن ينبعث في داخله مصلحون يفجّرون إمكاناته الذاتية المختزنة فيتحدى بإرادة أبنائه تيارَ الانحدار، ويتقدم مرة أخرى حتى يثبت نفسه، كما حدث بالنسبة للمجتمع العربي الجاهلي الذي كان مشرفا على التفسخ والاندثار، ولكن بمجيء النبي محمد، صلى الله عليه وآله، وظهور الإسلام، دبّت فيه الروح، واذا بالعرب يصبحون في فترة وجيزة سادة العالم وبناة الحضارة.

 

ديناميكية المجتمع

إن بناء المجتمع على أساس القيم الصحيحة، والعمل الصالح يعطيه ديناميكية في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضا، ولكي نوضح الفكرة، دعنا نضرب مثالاً على ذلك:

إذا حفرت نهراً يمتد من ينابيع المياه ويجري عبر الأراضي الصالحة للزراعة، فسوف يروي هذا النهر آلاف الهكتارات من الاراضي المزروعة ويصبح سلة خبز لأولئك الذين يعيشون حول هذه المنطقة، أما إذا حفرت ذات النهر عبر أراضٍ سبخة فانه لن ينفع شيئا وستذهب مياهه هدرا، وهذه واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق أيضا على المجتمع البشري.

ويتوقف تقدم وحيوية المجتمع البشري على قوانين وأنظمة ذاتية كثيرة نسمّيها بديناميكية المجتمع، وسوف نستعرض هنا جملة منها بشكل موجز من خلال عهد الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، لمالك الأشتر لمّا ولاّه مصر، حيث يرسم لنا فيه الديناميكية الاجتماعية والقوانين التي تتحكم في المجتمع.

يقول، عليه السلام: «واعلم أنّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها: جنود الله، ومنها: كتّاب العامّة والخاصّة، ومنها: قضاة العدل، ومنها: عمّال الإنصاف والرّفق، ومنها: أهل الجزية والخراج من أهل الذّمة ومسلمة الناس، ومنها: التجّار وأهل الصناعات، ومنها: الطبقة السُّفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلٌّ قد سمّى الله له سهمه - أي نصيبه من الحق - ووضع على حدِّه فريضة في كتابه، أو سُنّة نبيّه، صلى الله عليه وآله، عهداً منه عندنا محفوظا، فالجنود - بإذن الله - حصون الرعية، وزين الولاة، وعِزُّ الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصِّنف الثالث من القضاة والعمال والكتّاب، لما يُحكمون من المعاقد - أي: يقومون بتنظيم العقود - ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعا الا بالتجّار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم - أي: المنافع التي يجتمعون من أجلها -، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من التّرفّق - أي: التكسّب - بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم- أي: مساعدتهم وصلتهم - ومعونتهم. وفي الله لكلٍّ سعة، ولكلٍّ على الوالي حق بقدر ما يصلحه».

ويمكننا ان نستخلص من هذه القطعة من عهد الامام علي، عليه السلام، بعض القوانين الأساسية لبناء المجتمع الحي:

1- قانون التفاضل بالسعي؛ فالمجتمع يتألف من طبقات تقوم؛ أولاً: على أسس سليمة هي: العلم والخبرة والكفاءة والقدرة البدنية، وغيرها، ثانياً: لا يوجد بينها استعلاء ولا تفاخر، فأفراد المجتمع متساوون في الإنسانية، وسواسية أمام القانون القضائي، ويختلف هذا القانون عن الطبقية البغيضة التي تقوم على أساس العنصر والدم، أو الثروة والمال، أو المنصب والمركز الاجتماعي، أو على أسس قبلية وطائفية وعائلية وما أشبه.

2- قانون التعاون؛ وهذه الطبقات، التي تشكل جسم المجتمع، غير منغلقة على ذاتها، بل تنفتح على بعضها بالتعاون المثمر البنّاء، فيكمل بعضها بعضا، فلا غنى لواحدة عن الأخرى، كما ان علاقتها مبنية على أسس المحبة والاحترام المتبادل.

3 - قانون العدالة؛ وهذا أهم ركيزة يقوم عليها المجتمع الحيوي السليم، حيث ينبغي أن تكون العدالة شاملة للجميع، حاكماً ومحكوماً، غنياً وفقيراً، قوياً وضعيفاً، حتى تؤتي ثمارها.

إن فقدان العدالة له تأثير هدّام مزدوج، فمن ناحية يؤدي إلى التجرؤ على أكل حقوق الآخرين، والاعتداء عليهم، ويؤدي من ناحية أخرى إلى تثبيط همم العاملين المنتجين من زرّاع وتجّار وجنود وكتّاب ومفكّرين.. بسبب قلقهم من احتمال اغتصاب وسرقة الآخرين لجهودهم.

4- قانون صيانة المجتمع؛ لكي يحافظ المجتمع على نفسه من الاعتداء الخارجي، أو الاضطراب والتفسخ الداخلي، لابد له من عدّة ركائز هامة تشكل أساس البناء الاجتماعي؛ أولا: القوة العسكرية، متمثلة بالجيش، والتسليح والتدريب والتنظيم، وغيرها، ثانيا: القوة الاقتصادية؛ متمثلة بالزراعة، والصناعة، والحِرَف، وغيرها من مقومات الاقتصاد، ثالثا: القوة القضائية؛ متمثلة بالقضاة، وحكام الشرع، والكتّاب، رابعاً: القوة الإدارية والتنفيذية، وهي جهاز الحكومة، بما فيه من وزراء وموظفين، وإداريين. خامساً: القائد الأعلى أو الرئيس، وهو الذي يجمع كل هذه الخيوط بيده ويكون خاضعاً للقيادة التي تتمثل في النبي، صلى الله عليه وآله، أو الامام المعصوم، أو الولي الفقيه، وهم الأمناء على شريعة الله في الأرض.

5- قـــانون التكـــــافل والضمان الاجتماعي: إن الفقراء والمساكين وذوي الحاجة ممن قعدت بهم كارث لأجل هؤلاء جميعاً، ة تعرضوا لها، أو مرض ألم بهم، أو شيخوخة أصابتهم، ينبغي أن تُشكل مؤسسات خاصة تقوم برعايتهم، ويسمي الإمام علي، عليه السلام، من يعملون في مثل هذه المؤسسات بعمال الرفق والإنصاف.

إن هذا القانون يجلب الاطمئنان للفرد فيما يخص مستقبله، وبالتالي يؤدي إلى زيادة إنتاجه، إضافة إلى إشاعة روح التراحم بين أفراد المجتمع.

 

صبغة المجتمع الإسلامي

أما الصبغة العامة للمجتمع الإسلامي الصحيح فهي التقوى عقيدة وسلوكاً، وكما هو واضح من السياق، فإن التقوى المقصودة هنا ليست التقوى الفردية، بل هي تلك التي تأخذ الطابع الجماعي، أي تصبح خصيصة من خصائص المجتمع، يمتاز ويُعرف بها، وهذا الحديث يبين حكمة مهمة في الحياة الاجتماعية الإسلامية، وهي أن المسلمين ليسوا هم أولئك الذين تعلقوا بالآخرة فقط وتركوا الدنيا وشؤونها وراء ظهورهم، وليسوا هم أولئك الضعفاء الفقراء الزاهدون في متاع الدنيا، والمعتزلون لأمور الحكم والسياسة والجيش، ولا يؤمنون بالعلوم والتكنولوجيا الحديثة، إن هذه أفكار سلبية دسّها الأجانب الحاقدون في صفوفنا وحاولوا بها إضعاف المسلمين من جهة، وتشويه وجه الإسلام المشرق من جهة ثانية.

إن المجتمع الإسلامي هو مجتمع القوة والاستقلال والثراء والتقدم في كافة المجالات العلمية والصناعية، وهو مجتمع يبني حضارة متكاملة بكل أبعادها، غاية ما في الأمر أن كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار مبادئ محددة في تعامله مع شؤون الحياة ومع المجتمعات الأخرى، تقوم على أساس الحلال والحرام الذي تقرره الشريعة الإسلامية وعلى أساس القيم والأخلاق الفاضلة.*

----------------

* كــتاب؛ قــيم التــقدم فــي المجتمع الاسلامي، لسماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي.


ارسل لصديق