صفحة جديدة حمراء ...
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2014/09/09
القراءات: 596

أثارني جداً تصريح الدكتور حيدر العبادي، رئيس الوزراء المكلّف، وهو يخاطب المكوّن السنّي بأن يبادروا «لفتح صفحة جديدة من تاريخ العراق وإعماره وإزدهاره..». وهو يخاطب تحديداً العشائر القاطنة في المناطق التي يسيطر عليها «داعش» التي تحولت الى منطلق لعملياتها الارهابية - الدموية.

مكمن الاثارة في التصريح ليس في جانبه السياسي، - وإن كان له مدخلية- إنما في التوقيت، حيث تزامن مع ثلاث قضايا، لا تقل الواحدة عن الاخرى اهمية وتعقيداً؛ الاولى انسانية، وتتعلق بحوالي ألفي انسان او ربما اكثر تم الغدر بهم في مدينة تكريت، وفي مجزرة مريعة ودموية فيما يُعرف بـ «سبايكر»، والثانية: سياسية متمثلة بالشدّ والجذب المعهود حول تشكيل الحكومة الجديدة. وهذه المرة بشكل يرضي جميع الاطراف، بما فيه المكوّن السنّي. أما الثالثة: فهي على الميدان، وفي سوح القتال بين الجيش العراقي ومعه الحشد الشعبي، وبين عناصر «داعش» حيث تدور المعارك حالياً في مناطق محافظتي كركوك وصلاح الدين، مع نوايا بالتوسع الى الموصل، وربما الانبار. ومعطيات الساحة تفيد باندحار «داعش» وهزيمته التي بدأت بـ «آمرلي»، على يد قوات الجيش العراقي ومعه المتطوعون من ابناء الشعب العراقي، فيما تناقلت وسائل الاعلام اخباراً عن انتصارات مماثلة لقوات «البيشمركة» في الشمال، وتحديداً في المناطق التابعة لمحافظة الموصل.

نعم؛ نفتح صفحة جديدة مع الجميع، ونطوي صفحات قديمة - سيئة الصيت، على أمل التطلع الى مستقبل أفضل لهذا الشعب المنكوب، لكن..! أ بعد هذه التطورات الثلاثة..؟! أ بعد تعرض العراق وشعبه الى تهديد رهيب منذ حوالي ثلاث سنوات، بالتمزّق والانفجار بسبب «ساحات الاعتصام»، الذي مهّد الأرضية والحاضنة لانتقال «داعش» من سوريا الى العراق؟ وقبلها عاش العراق، وما يزال، وضعاً مأساوياً لامثيل له في العالم، لسبب واحد فقط، هو عدم تفاهم مكوناته الاجتماعية على صيغة واحدة للحكم.

في مناسبات عديدة، أكد سماحة المرجع المدرسي على اعتماد التعددية السياسية وتجنب الاستفراد بالسلطة، وآخر مرة أكد سماحته على ضرورة استيعاب المكوّن السنّي وعدم تجاهله، على أنه يشكل جزءاً مهماً من المجتمع العراقي، وليس من مخلفات نظام صدام البائد. بيد ان الذي حصل، انعكاس الخلاف السياسي والتنافس المحموم على الهيمنة والنفوذ، على الوضع الاجتماعي في العراق، لاسيما في المدن والاحياء السكنية المتداخلة طائفياً، لاسيما في العاصمة بغداد وما تلاها شمالاً من محافظات؛ ديالى ثم كركوك وصلاح الدين ونينوى وحتى الانبار. لذا نجد الرجال والنساء والاطفال لا يعرفون بالضبط لماذا يقتلون وتسفك دماؤهم وتنتهك اعراضهم وكرامتهم..!

هذه حقيقة مرة ملقاة في زاوية بعيدة. ولمن لاحظ مشاهد اعتقال الاعداد الهائلة من المتطوعين في القوات المسلحة في قاعدة «سبايكر» أو الرتل البشري الطويل على الشارع العام، ثم يختفون جميعاً بكل سهولة عن انظار الشعب العراقي وعن ذويهم وعن المسؤولين السياسيين والعسكريين في بغداد ايضاً! وبعدها تظهر مشاهد الذبح والقتل بدم بارد وعجيب ، ربما يدرك هذه الحقيقة المرة.

هل هنالك خطأ ما في الحسابات؟

لنفترض هذا جدلاً.. فأين هي الحسابات الصحيحة او الخطة - البرنامج، الذي يدفع المكوّن السنّي ومعه الكردي ايضاً لفتح صفحة جديدة (بيضاء) لعراق جديد؟

كتب مفكرون ودعا علماء دين منذ سنوات سبقت الاطاحة بصدام، الى مصالحة وطنية شاملة لمرحلة ما بعد صدام للحؤول دون وقوع المجازر واحداث العنف الثأرية، نظراً للسجل الدموي لنظام صدام وأعوانه. مستلهمين من تجربة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لدى فتح مكة، وكيف انه عفا عن المشركين ومن اراد قتله وتدمير الاسلام، بل لم يجبر احداً على الاسلام. هذه المفاهيم والقيم (الحرية - السلام - الكرامة الانسانية..) لم تجد لها مكاناً في الخارطة العراقية الملتهبة منذ اليوم الاول من الاطاحة بصدام، فاندفع البلد بسرعة البرق نحو العنف والدموية، لتفتح صفحة دموية جديدة، ثم نأتي ونحاول ونسعى، ونبذل الجهود الدبلوماسية واستحصال الرضى من هذا وذاك، على أمل أن نفتح صفحة جديدة اخرى لكنها بيضاء. فهل يمكن ان نسلم على سلامة هذا الصفحة وسط كل هذه الدماء؟


ارسل لصديق