الشيخ النمر في أقلامهم
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2014/12/04
القراءات: 761

كتب الكثير من السائرين في طريق التغيير والإصلاح في الجزيرة العربية، بل في عموم المنطقة والعالم، عن سماحة آية الله الشيخ المجاهد نمر باقر النمر، وتضامنوا معه وهو معتقل في أقبية السجون السعودية. فكانت الاقلام المرهفة تعبر عن مشاعر ومواقف إزاء سماحة الشيخ النمر، وتعطينا صورة ولو مصغرة عن هذه الشخصية العلمائية البطلة، فما كان منّا إلا ان نقتطف باقة من هذه المقالات الكثيرة

صاحب السماحة والوداعة

 

* أ. عبدالعزيز آل زايد

انتشرت صور آية الله الشيخ النمر في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام وهو يرفع سبابته متحدياً كل جبار، أو في هيئة صرخة مدوية كزئير الليوث، ومقاطع الفيديو المتضافرة والأكثر متابعة هي تلك التي تضع الشيخ في ثوب «راديكالي» فاقع اللون والمذاق، ولعل المقولة العربية القديمة: «لكل امرئ من اسمه نصيب»، ساهمت في اظهار سماحته بهذه الشخصية الفريدة، فهو: «نمر النمر»، بما يشع اسمه من صخب و دلالات لفظية وتوكيدية.

الحقيقة التي يعرفها القريب وقد لا يصدق بها البعيد، أن الشيخ النمر، رغم ما يتمتع به من «كاريزما» وجاذبية لشجاعته التي يتمتع بها، وخوضه غمار المخاطر في رضا الله من أجل إحقاق الحق دون أن تأخذه لومة اللائمين، مع كل ذلك، فهو مصداق لقوله تعالى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}، فهو لين الطباع، حلو المعشر، كريم النفس، متواضع الخصال، يجلس مع الصغير قبل الكبير، لا تهمه الأُبْهة والمقاعد الفارهة، دهراً شاهدناه يسير في الطرقات على قدميه من غير مركب ليواسي ضعاف الناس والفقراء. شعاره: علي بن أبي طالب، عليه السلام، الذي يقول: «أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ ولا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ العَيْشِ».

الطبقة الفقيرة، كان يجالسها ويفترش معها الخشن، حتى قارعة الطريق، دخل حبه قلوب الكثير دون استئذان، لما يتمتع به من خصال كريمة ونبيلة، فلا يرضى لنفسه أن يتذوق لذيذ الأطعمة ليواسي البائس الجائع، يجسد في سلوكه وتجري في دمائه:

«هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ ولَعَلَّ بِالحِجَازِ أَوْ اليَمَامَةِ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي القُرْصِ ولا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وأَكْبَادٌ حَرَّ».

من عاصره وزامله يدرك أن عينيه ترمقان الآخرة. يخدم نفسه بنفسه ويرفض التبجيل بكل صنوفه فلا يجد من يريد تقبيل يده أو جبينه، طريقاً لذلك رغم المحاولات الكثيرة، ينهض مسرعاً حتى لا يقف له المُبجلون. لا يلبس إلا ملبس الزاهد المتيقن بزوال نعيم الدنيا وبقاء نعيم الآخرة، كثيراً ما ردد: «وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا»، ثم يعقب هو: «الكفن»!

عالمٌ ربانيٌ هو، يطبق الشريعة والمناهج الحميدة على نفسه قبل الغير، يرهبه من يشاهد صولة منبره فإذا اقترب منه وجده يحمل قلباً رهيفاً يُشابه وداعة الأم الرؤوم، يحدث من حوله بخفيض الصوت، «أذناً» كان يستمع لمحدثه، حتى يفرغ والابتسامة على محياه، يلقي هيبة العالم جانباً ليكون مثالاً لما قيل في نبي الرحمة: «كان فينا كأحدنا»، لا تغريه المناصب ولا تخدعه الموائد والمفاخر. يسير سيرة العرفاء الزاهدين، ويعمل عمل العلماء المخلصين. بينه وبين الناس شعرة لا تنقطع، فهو وصولٌ رغم الخصومات. متواضع رغم النزاعات. يطرح رأيه بكل وضوح دون أن يلتوي لكسب المطامع والأنصار.

الشيخ النمر غيّر حياتي

 

* سارة عبد الله

يطلب مني الكثيرون الكتابة حول آية الله الشيخ نمر باقر النمر.

الشيخ المجاهد البطل. وبما أني لا زلت أجهل الكثير عن هذا الإنسان العظيم، سأكتفي بالحديث عن تمكنه في تغيير حياتي بوقت قصير جداً.

 لا أخفيكم؛ أني أحد أصغر تلميذات هذا الشيخ الجليل. فأنا لم أتعمق في تفاصيل حياته وبطولاته لكن بواسطته أصبحت هذه الحرة التي يتعجب كثيراً من الناس لجرأتها وقوة نبرتها ويمدح قلمها ويدعو لها بالتوفيق والثبات.

 الشيخ نمر هو أحد أسباب إصراري ونضالي، بعد الله - سبحانه وتعالى- وحبيبه المصطفى، وأئمة الهدى، عليهم السلام.

 في بدايات حراكنا المبارك هذا، كنت أراقب من بعيد كيف تشجّع شعب القطيف، بعد سنوات صمت طويلة من التكلم عن حقوقهم في وسط شوارع المنطقة ورغم حملات الاعتقالات والتهديدات، استمروا ولم يتراجعوا عن حق واحد، بل كلما زاد الانتهاك ارتفع سقف المطالب.

 وكنت أتمنى كثيراً أن أكون إحدى اللواتي كنّ زينبيات، خلف الحسينيين في الميدان، لكني لم أملك تلك الجرأة التي تجعلني أطلب أذن وتصريح ومباركة من والدي وأهلي.

 وبين أصوات الشعب المتعالية، شدني صوت رجل دين يهتف بلا خوف ولا وجل بحقوقنا، دون أن يتحكم في حديثه مقص الرقيب أو يخاف على حريته أو مصالحه.

 إنه ذلك الشيخ الأسير، الجليل، نمر النمر الذي لم يتوانَ حتى في مشاركة الشباب بالخروج في المسيرات السلمية المطالبة بالحقوق.

 أصبحت أتابعه جيداً في خطبه وكلماته، وما ينشر عنه وأسأل هذه وتلك، عنه وعن حياته وماضيه وبطولاته. فاحببت هذه الشخصية كما هو حال كثيرين معي؛ شيوخاً ورجالاً ونساءً، بل حتى الصغار والأطفال.

و ازددت حباً وإتباعا لمنهجه حين رأيت كيف شرفه الله بقرابين فداء من نسل حبيبه المصطفى، صلى الله عليه وآله، قدموا دماءهم رخيصة لأجل حريته، فقد خرجت مع الآلاف في مسيرة غاضبة استنكاراً على اعتقال شيخنا وقائدنا النمر، وكان معنا الشهيدان: سيد محمد الفلفل والشهيد سيد أكبر الشاخوري.

وأصبح لدي لسان يتقن تقديم الحجج والشواهد على أحقية مشاركتنا وعملنا في الحراك ومحاربة الطغاة، ولم يستطع أحد من أهلي ردعي أو منعي من هذا النشاط، فنصرة المظلوم لا تحتاج الى إذن أو فتاوى شرعية، بل هي واجب فنصرة عبيد الله المظلومين هي نصرة للدين.

 وما زلنا نحن تلامذته، نحذو حذوه، ونتبع دروسه ونصائحه، كما لو كان بيننا. فلم يثنِنا اعتقاله عن مواصلة الحراك الذي باركه وأيده

------------------

* كاتبة من القطيف

آية الله النمر قدوة الآمرين بالعدل

 

* محمد بن يعقوب

إن إقامة القسط والعدالة وتحرير الواقع البشري من الإصر والأغلال التي يفرضها المستكبرون والمترفون، تُعد غاية كبرى من غايات إرسال الانبياء والرسل، عليهم السلام، وإنزال الكتب السماوية.

فلم يرسل الله -سبحانه- رسولاً إلا وحمله مسؤولية تحرير الواقع البشري من العبودية لغير الله وتثبيت القسط والعدالة والكرامة.

إن الأمر بالعدل مسؤولية مقدسة تحملها القديسون عبر التاريخ، وهي أمانة ثقيلة لأن من يتحملها يتعرض إلى إرهاب وبطش الطغاة والمستكبرين.

وعندما وصل بنو أمية إلى كرسي الخلافة (الحكم)، من خلال لغة السيف، اتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً، وأحيوا البدع وأماتوا السنن و اندرست قيم الدين، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه. وأظلم الظلم أن يكون الفاسق والياً على المؤمنين.

الإمام الحسين، عليه السلام، هو وراث للأنبياء والرسل، عليهم السلام، في رسالاتهم ووظائفهم، ومن هنا كانت وظيفته أن ينهض بفريضة الأمر بالعدل، فقال عليه السلام: «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً».

إن نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، صريحة في الدلالة على أن حفظ القيم العليا للدين أولى من حفظ النفس من الضرر عند المزاحمة، وفي هذا السياق نستطيع أن نضع تضحيات الأنبياء والرسل، عليهم السلام، والربانيين التي حكاها لنا القرآن الكريم.

ومن هنا، تصدى آية الله المجاهد الشيخ النمر لفريضة الأمر بالعدالة، وحملها بقوة وإن كلفته حياته. وكان باستطاعته أن يعتذر عن مسؤوليته في الأمر بالعدالة كما اعتذر الآخرون، وفي البين اعتذار شائع، وهو «أن الأمر بالعدل يسقط مع خوف الضرر»، ولأن الضرر محتمل بل واقع لا محالة، فإن الأمر بالعدل ساقط...! لكن آية الله النمر لم يعتذر بعذر الضرر كغيره، وبين أنه مع الضرر يسقط الوجوب وتبقى الإباحة. وقد جاء عن أمير المؤمنين، عليه السلام: «يكون في آخر الزمان قوم يتبع فيهم قوم مراؤون، يتقرؤون، ويتنسّكون، حدثاء، سفهاء، لا يوجبون أمراً بمعروف، ولا نهياً عن منكر، إلا إذا أمنوا الضرر».

يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير ويتبعون زلات العلماء وفساد عملهم، يقبلون على الصلاة والصيام وما لا يكلفهم في نفس ولا مال، ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها.

الإمام الحسين، عليه السلام، والشيخ النمر

 

* زينب أحمد الفرج

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على جرح المظلومين، وعلى ساكب عبرات الصادقين السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى اصحاب الحسين، وعلى سبايا الحسين.

في هذه الأيام يعيش المجتمع الشيعي في جميع بقاع العالم، ذكرى استشهاد سيد الشهداء، والذي استُشهِد لإحياء الأمة ولإعلاء كلمة الحق ورفض الظلم في العالم. وعلى هذا الطريق سار شيخنا آية الله الشيخ النمر، حيث رفع رايته صارخاً برفض الظلم طالباً في ذلك رضا الله -عز وجلّ- وفقاً لتكليفه الشرعي.

فكما قال الإمام الحسين، عليه السلام: «إنِّي لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ، ولا مُفسِداً ولا ظَالِماً، وإنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمَّة جَدِّي، صلى الله عليه وآله وسلم، أريدُ أنْ آمُرَ بالمعروفِ وأنْهَى عنِ المنكر، وأسيرُ بِسيرَةِ جَدِّي، وأبي علي بن أبي طَالِب، فَمَنْ قَبلني بقبول الحق فالله أولى بالحقِّ، ومن ردَّ عليَّ هذا أصْبِرُ حتى يقضيَ اللهُ بيني وبين القوم، وهو خَيرُ الحاكِمين».

فآية الله الشيخ نمر النمر لم يكن طالباً للشهرة، ولا للمكانة و المركز الديني أو الاجتماعي أو السياسي في المجتمع، ولم يحبه ويرتضِه هذا العدد الكبير من الناس عبثاً، فأخلاقه العلوية وصدقه المحمدي، وتواضعه الحسيني، كانت الوسيلة لجعله فرداً لا يوجد في هذا الزمان شخص مثله. فلقد كان آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر سائراً على نهج رسول الله وأهل البيت، عليهم السلام، طالباً بذلك القبول من الله سبحانه وتعالى عالماً بما سيجري له من أذى غير خائف ولا آبه بالضرر الذي سيقع عليه موكلاً أمره لله سبحانه وتعالى وهو خير الحاكمين.

آيه الله الشيخ النمر شجّع على الشهادة وقال أنها من أسمى أمـور الانسانية، فالحســين أنموذجاً كافٍ لتجسيد الشهادة التي رزق الله بها خيار شباب المنطقة فهنيئاً لهم ولعوائلهم هذه الكرامة الإلهية، فعوائل الشهداء من أكثر الناس طيبةً وتواضعاً وإنسانية ولم نسمع عنهم إلا الدعاء للشيخ قبل أولادهم، ولا أجد تشبيهاً أبلغ من تشبيههم بأم البنين، حيث سألت الناعي في المدينة عن الإمام الحسين، عليه السلام، قبل أولادها الأربعة.

أم البنين، تلك المرأة الكربلائية التي اقتدت بها نساء البحرين، فصرخن: «هيهات منّا الذلّة»، وشد الشيخ النمر على أيديهن رافضاً كل الظلم الذي وقع عليهن، فكان يرى المرأة كيان المجتمع ومربيته، وقد ربت المرأة البحرينية رجالاً رفضوا المذلّة التي تعيشها بلاد البحرين منذ قرون، فكان يشركهم الشيخ بالدعاء بعد كل صلاة وفي كل مناسبة رافضاً أن يشارك الظالم في ظلمه بل كان شريكاً للمظلوم في مظلوميته وكان يرى أن هذا الشعب يستحق النصر وواجب علينا الوقوف معه، فنصرة المظلوم واجبة في التشريع الإلهي الذي كان يسير عليه الشيخ في حياته.

كان سلاحه الكلمة، ورفض كل عنف، فمساره الجهادي كان سلمياً، شعاره الكرامة فكان يصرخ دائماً؛ «كرامتنا أغلى من حياتنا» فالانسان خلق حراً ويجب أن يعيش حراً وأن يموت حراً وأن لا يعيش حياته على المجاملات الرخيصة، وان يضحي لأجل الآخرين ولإعلاء كلمة الله. وما نراه الآن على أرض الواقع هو نتيجة هذه التضحية، فرفضه أن يعيش الشعب ذليلاً ومستضعفاً، أخذ به الى الحكم بالإعدام، بدل أن يُكرم على إنسانيته ورجولته في زمن قل فيه الرجال.

أكثر من سنتين وهو في السجن الانفرادي وحيداً لا يرى ضوء الشمس، ومحروماً من أقل حقوقه ويظن جلادوه أن الرصاصة التي لا زالت في رجله، أو وجود الإنارة طوال اليوم أو تشغيل جهاز التكييف ببرودة شديدة، أو أصوات المعاول في وقت النوم، وغيرها، ستثنيه عن مطالبه وعن قيمه التي تربى و ربى الأجيال عليها.

لقد اتخذ الشيخ من السجن معبداً... فكان يقضي يومه بالعبادة والصلاة والدعاء للمؤمنين والابتهال، وكلما زادوا في المضايقات، زاد توجهه لرب العباد، شاكراً إياه على هذه النعمة التي منحها اياه.

وكما سمعنا أنه حمد الله وشكره على قضائه وابتسم عندما سمع بالحكم الذي صدر عليه، ونحن أيضاً صابرون وراضون بحكم الله وسنظل نبتهل بالدعاء ونتضرع الى الله ليفك أسره ونراه بيننا نأخذ منه بذور الخير، واذا - لا قدر الله- تم تنفيذ الحكم الظالم، سنرفع راية النصر والفخر والعزة، وسنقول كما قالت بطلة كربلاء في معركة عاشوراء عندما استشهد أخوها الحسين وأصحابه حيث رفعت يديها الى السماء وهي بين جسد أخيها الحسين المرمل بالدماء وقالت: «إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى». ولكننا أيضاً لسنا قانطين من رحمة الله وعدله وقضائه وقدرته، وهو من قال للشيء كن فيكون، و راضون بأن كل ما يحدث من الله هو خير.

فيا نوراً ظهر في عتمة الظلام عد إلينا وأنر حياتنا بوجودك واسقنا من كأس كرامتك وإنسانيتك

------------------

(*) كاتبة من القطيف


ارسل لصديق